الرواية باللفظ تعني نقل الحديث كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أي تعديل أو تغيير، أما الرواية بالمعنى فتشير إلى نقل الحديث باستخدام ألفاظ مختلفة تعبر عن نفس المعنى.
الرواية باللفظ تعني نقل الحديث كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أي تعديل أو تغيير، أما الرواية بالمعنى فتشير إلى نقل الحديث باستخدام ألفاظ مختلفة تعبر عن نفس المعنى.
تعريف الرواية باللفظ: هي أن يؤدي الراوي الحديث باللفظ الذي تحمله به، دون تغيير، ولا تبديل.
تعريف الرواية بالمعنى: هي أن يؤدي الراوي الحديث بعبارة من عنده، موافقة في المعنى للفظ الذي تحمله.
حكم الرواية باللفظ أو بالمعنى وآراء العلماء في ذلك:
أولًا: لا خلاف بين العلماء على أن الأصل والعزيمة، رواية الحديث بلفظه كما تحمله راويه، خشية الوقوع في الخطأ، ولو من غير قصد، ولأجل هذا حرص كثيٌر من الصحابة فمن بعدهم على تأدية ما تحملوه من الأحاديث كما سمعوها، دون تغيير ولا تبديل.
فمن الصحابة: أمثال عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي أمامة الباهلي - رضي الله عنهم – [الكفاية للخطيب ص ١٦٨، ١٧٠ –١٧٣]
ومن التابعين: أمثال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن سيرين، وعلقمة بن قيس وغيرهم. [الكفاية للخطيب ص ١٨٦، وتهذيب الكمال ٢٠/ ترجمة (٤٠١٧)]
ثانيًا: من العلماء من رأى وجوب رواية الحديث بلفظه، دون تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص، وإن كان المعنى في الجميع واحدًا [الكفاية للخطيب ص ١٧٠].
مما استدل هؤلاء به حديث ابن مسعود - رضي الله عنـه - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» [أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب العلم - باب الحث على تبليغ السماع وقال: حديث حسن صحيح].
ومن أدلتهم أيضًا: أن الشارع أوجب على المسلمين مراعاة اللفظ والمعنى في عدد من العبادات كالأذان والإقامة، والقنوت والتشهد، وغير ذلك، ولما يخشى عند نقل المعنى من الغلط في المراد أو التقصير فيه [الكفاية للخطيب ص ١٩٨ - ١٩٩ و٢٠١ –٢٠٢].
وقد أجيب عن ذلك من أوجه منها: أن حديث ابن مسعود السابق نفسه قد رويّ بالمعنى، بعدة ألفاظ فجاء في بعضها «رَحِمَ اللهُ» مكان «نَضَّرَ اللَّهُ» وفي بعضها «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَفْقَهُ» بدل «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى» وغير ذلك [الكفاية ص ٢٠٢]، وعليه يكون حمل الحديث على الأفضلية والاستحباب هو الأولى [الكفاية للخطيب ص ١٦٧]، أما الاستدلال بما ذكر من الأذان وما معه، وما يخشى من الخطأ فسيأتي جوابه خلال القول الثاني بإذن الله.
ثالثًا: يرى جمهور المحدثين والأصوليين والفقهاء والأئمة أبو حنيفة ومالك في رواية عنه، وأحمد والشافعي جواز رواية الحديث بالمعنى، لكن بشروط وضوابط في الراوي والمروي تتحقق بها الغاية، وتندفع المحاذير إن شاء الله. [البحر المحيط للزركشي٣٥٥-٣٥٦/٤]
وخلاصة ذلك: المنع في حالات والجواز في غيرها.
وقال الزركشي: إن هذا هو الرأي الصحيح، من مذاهب عشرة ذكرت في الموضوع. [ينظر المصدر السابق]
ومما استُدل به لهذا: أن الله تعالى قص قصص القرون السالفة بغير لغاتها، وأن الرواية بالمعنى جاءت عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وكذلك نقلت أحاديثه - صلى الله عليه وسلـم - لغير العرب بلغاتهم المختلفة من العجم وغيرهم [ينظر شرح علل الترمذي لابن رجب ١٤٥-١٥٢/١، والكفاية للخطيب ص ٢٠١ –٢٠٢]، فجواز التعبير عن معناها بلغة العرب أولى، وذلك في إطار الشروط والضوابط التالية.
الشروط والضوابط التي ذكرها العلماء، فهي تتعلق بالراوي وبالمروي، وأهمها ما يلي:
(أ) أن يكون الراوي عارفًا بدقائق الألفاظ، بصيرًا بمقدار التفاوت بينها، خبيرًا بما يحيل معانيها، ضابطًا لمعنى الحديث، عالمًا بالمحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم. [توجيه النظر، ١/ ٢٩٨]
(ب) أن يكون ذلك في خبر ظاهر، أما الخبر المحتمل فلا يجيزون روايته بالمعنى؛ لأنه ربما نقله بلفظ لا يؤدي مراد الرسول - صلى الله عليه وسلـم.
(ت) ألا تكون رواية الحديث قاصرة عن الأصل في إفادة المعنى، وألا يكون فيها زيادة ولا نقصان، وأن تكون مساوية للأصل في الجلاء والخفاء؛ لأن الخطاب يقع تارة بالمحكم وتارة بالمتشابه.
(ث) واشترط بعضهم ألا يكون الحديث مما يتعبد بلفظه، كالتكبير والتشهد والقنوت - حكي ذلك عن الزركشي - [ينظر البحر لمحيط للزركشي ٣٥٧/٤ و٠٣٥٩] والأذان والشهادة
(ج) واشترط بعضهم ألا يكون الحديث من قبيل المتشابه الذي استأثر الله - عز وجل - بعلمه، كأحاديث الصفات.
(ح) ورأى البعض ألا يكون الحديث من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلـم-، التي افتخر بإنعام الله تعالى عليه به، كقوله - صلى الله عليه وسلـم -: «أُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ» [صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب قول النبي قلافة «نُصِرْت بِالرُّعْبِ ....»، حديث (٢٩٧٧)، وكتاب التعبير، باب رؤيا الليل، حديث (٦٩٩٨)، وكتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ» حديث (٧٢٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢٣)] ذكر ذلك السيوطي في تدريب الراوي. [انظر تدريب الراوي للسيوطي]
(خ) ألا يكون الحديث مما يستدل بلفظه على حكم لغوي، إلا أن يكون الذي أبدل اللفظ بلفظ آخر عربيًا يستدل بكلامه على أحكام العربية، ذكره جمهور النحاة.
(د) وينبغي لمن يروي بالمعنى أن يقول عقيب روايته الحديث (أو كما قال) ونحو ذلك من الألفاظ، (أَوْ كَمَا قَالَ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ شِبْهَهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ) وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الصَحَابَةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مِنَ الْخَطَرِ.
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ، وكذلك يَحسُن للقارئ الذي اشتبهت عليه لفظة أن يقول بعدها (أو كما قال) [توضيح الأفكار ٣٧٣/٢]، فقد كان أنس -رضي الله عنـه - كما عند الخطيب في الكفاية [الكفاية ص ٣١٠] - ممن أجاز الرواية بالمعنى يقولها عقب الحديث، ونحوه من الألفاظ كقوله: (أو نحو هذا، أو شبهه، أو شكله)، فقد روى الخطيب أيضًا عن ابن مسعود - رضي الله عنـه -: أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلـم -، ثم أرعد أو رعدت ثيابه، وقال: أو شبه ذا، أو نحو ذا [فتح المغيث ٠٢١٦/٢])، وعن أبي الدرداء رضي الله عنـه: أنه كان إذا فرغ من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - قال: هذا، أو نحو هذا، أو شكله.
من أمثلة الرواية بالمعنى: تقدم أن حديث ابن مسعود - رضي الله عنـه -: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا ...» (الحديث) قد روُي بعدة ألفاظ، مع اتفاقها في المعنى غالبًا، ومن ذلك أيضًا تبديل اللفظ بمرادفه مثل: الجلوس والقعود، والأمر والنهي. [ينظر البحر لمحيط للزركشي ٣٥٧-٣٥٩/٤]
مثل حديث: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ...» ورواية «أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ». [سنن أبي داود، كتاب الصلاة، حديث (٩٢١)]
ومثل حديث: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ» ورواية "أنه - صلى الله عليه وسلـم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ". [صحيح البخاري كتاب البيوع، باب الذهب بالذهب، حديث (٢١٧٥). وباب / بيع الذهب بالورق يدًا بيد حديث (٢١٨٢). - وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب / الربا، حديث (١٥٨٤)]
الخلاف السابق في حكم الرواية بالمعنى كان بالنسبة للمرويات غير المكتوبة حيث يتلقاها الراوي سماعًا أو عرضًا، ويحفظها في ذاكرته حتى يؤديها، أما ما هو مكتوب ومدون في المصنفات، فليس فيه هذا، بل يجب التزام لفظ ما في الكتب عند الرواية لما فيها أو النقل منها؛ لأنه ليس لأحدٍ أن يغير أو يبدل في كتاب غيره، فإن أراد تغييرًا نبه عليه، حتى لا يظن أن هذا هو لفظ الكتاب الذي يعزو الرواية إليه. [ينظر علوم الحديث لابن الصلاح / ص ١٩١، بتحقيق د / نور الدين عتر].
شبهة حول الرواية بالمعنى:
هذا ما جرى عليه كثير من الرواة من الأخذ برخصة الرواية بالمعنى والعمل بموجبها؛ لئلا يتعطل العمل بجملة كثيرة من الأحاديث، نعلم صحة مضمونها، ويؤدي اشتراط نقلها باللفظ إلى عسر يصعب على الرواة التغلب عليه.
ثم جاء بعض المستغربين يضرب على وتر أساتذة المستشرقين بالمزاعم والأوهام يثيرونها حول الحديث من وراء الرواية بالمعنى زاعمين أنه "إذ جاز للراوي تبديل لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلـم - بلفظ نفسه فذلك يقتضي سقوط الكلام الأول؛ لأن التعبير بالمعنى لا ينفك عن تفاوت، فإن توالت المتفاوتات كان التفاوت الأخير تفاوتًا فاحشًا، بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأول نوع مناسبة".
وهذا الطعن يعتمد أصحابه على إثارة الوساوس في النفوس، بطريق المغالطة والتغافل عن الشروط التي أحاطها العلماء حول صحة الحديث والرواية بالمعنى، وهي شروط تجعل الناظر في تصرف المحدثين يطمئن إلى أن الناقل لم يفوت جوهر الحديث، وإنما وضع مفردات موضع مفردات أخرى في نفس المعنى.
ونوجز بيان ذلك من وجهين:
١ - إن الرواية بالمعنى لم تجز إلا لعالمٍ باللغة، لا يحيل المعاني عن وجهها، وهذا بالنسبة للصحابة متوفر، فهم أرباب الفصاحة والبلاغة مع ما أوتوا من قوة الحفظ، وما توفر من أسبابه، ثم من جاء بعدهم يعرض على الاختبار، ولم يقبل العلماء إلا من توفر فيه هذا الشرط.
٢ - هب أن الراوي بالمعنى قد أخطأ الفهم وروى الحديث على الخطأ، أفيخفى هذا الخطأ على العلماء؟! هذا ما لا يمكن! فإنهم يشترطون في الحديث الصحيح والحسن: انتفاء الشذوذ والعلة منه، أي أن حديث الثقة لا يُقبل حتى يُعرض على روايات الثقات، ويتبين أنه موافق لها، سالم من القوادح الخفية، وبذلك يجتنب ما قد يطرأ على الحديث نتيجة تناقله بين رجال السند، ولا يبقى لتوهم إخلال الراوي بالحديث أي موضع.
مراجع للاستزادة
- البحر المحيط للزركشي ج ٤ ص ٣٥٥ وما بعدها.
- الكفاية للخطيب البغدادي من ص ۱۷۰ إلى ص ۱۸٦، ومن ۲۰۲ إلى ٢٠٤.
- توجيه النظر إلى أصول الأثر للشيخ طاهر الجزائري الفصل السابع من ص ۲۹۸ إلى ۳۱۲.
الرواية باللفظ تعني نقل الحديث كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أي تعديل أو تغيير، وتُعد الأساس والأكثر تفضيلًا، أما الرواية بالمعنى فتشير إلى نقل الحديث باستخدام ألفاظ مختلفة تعبر عن نفس المعنى، وقد أقر بها جمهور العلماء بشرط أن يكون الراوي متمكنًا من المعاني ومُلمًّا باللغة، تُمنع الرواية بالمعنى في الأمور التي تتطلب نصوصًا لفظية مثل العبادات أو الأحاديث التي تحمل تشابهًا أو تتسم بجوامع الكلم، ومع تدوين السنة في الكتب أصبحت الضرورة تقتضي الالتزام بلفظ النص دون أي تعديل، الرواية بالمعنى تخضع لضوابط دقيقة لضمان الحفاظ على المعنى الصحيح ومنع وقوع أي نوع من التحريف.
هو أن يسمع الراوي بعض الحديث من شيخ وبعضه من شيخ آخر، ثم يرويه عنهما معًا مبينًا أن كل واحد منهما حدثه ببعضه.
هي تلك الأحاديث التي يتم فيها إدخال كلام من الراوي إلى الحديث النبوي دون توضيح الفصل بين الأصل والزيادة.
من المفاهيم المهمة في هذا مفهوم " الشاهد"، الذي لاقى تحليلات دقيقة من قِبل المحدثين.