التدليس من القضايا الدقيقة في علم الحديث، لما له من أثر في قبول الروايات وردها، وهو لون من الإخفاء والخداع في السند، وتكمن خطورته في خفاء علته على كثير من الناظرين في الحديث دون تدقيق.
التدليس من القضايا الدقيقة في علم الحديث، لما له من أثر في قبول الروايات وردها، وهو لون من الإخفاء والخداع في السند، وتكمن خطورته في خفاء علته على كثير من الناظرين في الحديث دون تدقيق.
تعريفه لغة: مصدر دلَّس - بتشديد اللام المفتوحة - وقد يأتي مصدره على دلْس - بتسكين اللام - من باب ضرب قال الأزهري: سمعت أعرابيًّا يقول: ليس لي في الأمر ولْس ولا دلْس - بتسكين اللام فيهما أي ليس لي فيه خيانة ولا خديعة، والتشديد هو الأشهر في الاستعمال، ويأتي في اللغة بمعنى كتمان عيب السلعة عن المشتري وإخفائه، وأحيانًا يأتي بمعنى الظلمة فهو مأخوذ ومشتق من الدلس وهو الظلمة أو اختلاط ظلام الليل بضوء النهار أو النور بالظلام. [توضيح الأفكار ١/ ٣٤٧.٣٤٦، نزهة النظر ص٤٢ مختار الصحاح وترتيب القاموس مادة "دلس"]
واصطلاحًا: إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره. [تیسیر مصطلح الحديث ص ۷۸]
ويلاحظ من هذا التعريف سبب تسميته بذلك، فالمُدلِّس يوهم السامع أنه قد سمع من شيخه مع أنه لم يسمع منه، فكأنه لتغطيته على السامع أو الواقف على الحديث أظلم أمره فصار الحديث مدلَّسًا، ومن قام بهذا الفعل صار مدلِّسًا - بفتح اللام في الأولى وكسرها في الثانية.
تعريف التدليس في اصطلاح المحدثين:
لا نستطيع أن نعطي للتدليس تعريفًا محددًا عند اصطلاح المحدثين إلا بعد معرفة أقسامه، فقد قسمه العلماء وجعلوا لكل قسم تعريفًا يخصه ويميزه وهو ينقسم بالنظر إلى الحديث - متنًا وإسنادًا - إلى قسمين:
١- تدليس في المتن.
۲- تدليس في الإسناد.
أولًا: تدليس المتن:
وهو أن يدخل الراوي للحديث شيئًا من كلامه في الحديث في أوله أو وسطه أو آخره على وجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه، ويسمى تدليس المتون - وقد غلب عليه تسميته بالمدرج وهو إلى المدرج أقرب من التدليس، وفاعل هذا عمدًا مجروح العدالة مرتكب لمحرم وذلك لما فيه من الغش. [فتح المغيث للسخاوي١/ ١٨٤] أما لو اتفق ذلك من غير قصد خلط الحديث بما ليس منه، وقد خصه الخطيب البغدادي بالتصنيف في كتاب الفصل للوصل المدرج في النقل، وهو مطبوع متداول، في مجلدين فيراجع.
مثاله: حديث ابن مسعود في التشهد قال في آخره: "وإذا فعلت هذا، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". [أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب التشهد عن ابن مسعود، وأخرجه الدارقطني في كتاب الصلاة باب صفة التشهد ووجوبه، واختلفت الروايات فيه عن ابن مسعود قال الدارقطني رواه زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر فزاد في آخره كلامًا وهو قوله: (إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فقعد فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام عبد الله بن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك والله أعلم، انظر سنن الدارقطني ١/ ٣٦٣]
وهو من كلامه لا من الحديث المرفوع كما قاله البيهقي والخطيب والنووي وغيرهم.
قلت: ولم يذكر هذا النوع من التدليس كثير من العلماء ولم يعتبروه من التدليس بل جعلوه من الإدراج وذكروه في بابه، وهو إليه أقرب كما قدمت.
ثانيا: التدليس في الإسناد:
وهو إما أن يتصل بالإسناد أو برجال الإسناد، ولذا قسَّم جل العلماء التدليس إلى قسمين رئيسين وهما:
الأول: تدليس الإسناد.
الثاني: تدليس الشيوخ أي رجال الإسناد.
وقد زاد بعض العلماء أقسامًا أخرى كتدليس التسوية أو القطع أو العطف.
والحقيقة أنها ترجع إلى أحد القسمين: الإسناد أو الشيوخ، وقبل أن نفصل القول في هذه الأقسام نشير إلى الفرق ما بين التدليس والإرسال الخفي والانقطاع.
أولًا: الفرق بين التدليس والإرسال الخفي:
لابد لكي نعرف الفرق بينهما من أن نعرف بالمرسل الخفي.
المرسل الخفي له ثلاث صور:
الأولى: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه [كعن وأن وقال وحكى وما أشبهها] مسقطًا في الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه، وهذه الصورة متفق عليها عند أهل الحديث.
الثانية: أن يروي عمن لقيه وسمع منه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه مسقطًا في الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه.
الثالثة: أن يروي الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه حديثًا بصيغة توهم السماع منه مسقطًا في الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه.
وهذه الصور الثلاث من التدليس، والقول المعتمد عند جمهور المحدثين في المرسل الخفي أنه يتحقق في الصورة المتفق عليها فقط دون الصورتين المختلف فيهما. [مقاصد الحديث ص ۱۹۹، نزهة النظر ص ٤٣]
وسُمي مرسلًا خفيًّا لعدم ظهور الانقطاع فيه، ويمكن تقريب الصور الثلاث بما يأتي:
١- معاصرة + عدم لقاء وبالتالي عدم سماع، وهذه متفق على أنها في المرسل الخفي.
٢- معاصرة + لقاء + سماع لغير الحديث المعنعن.
٣- معاصرة + لقاء + عدم سماع.
وهاتان الصورتان مختلف فيهما فقيل: من الإرسال الخفي، وقيل من التدليس وهو الراجح؛ لأن بهما لقاء.
وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن كلًا من المدلس والمرسل إرسالًا خفيًّا يروي عن شيخ شيئًا لم يسمعه منه بلفظ يحتمل السماع وغيره، غير أن المدلَّس يختص بأن يروي عمن عرف لقاؤه إياه سمع منه أو لم يسمع ويختص المرسل الخفي بأنه يروي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه.
ثانيا: الفرق بين التدليس والانقطاع:
يفرق بينهما بأن التدليس لابد فيه أن يروي الراوي الحديث عمن لم يسمعه منه بعبارة تحتمل السماع منه، وليس كذلك الانقطاع فإنه يحمل من القرائن ما يعرف المحذوف ويرشد عليه، فليس فيه احتمال السماع منه.
وكل تدليس يتضمن انقطاعًا بالمعنى اللغوي العام لأن فيه انفصالًا بإسقاط الواسطة التي بين الراوي ومن روى الحديث عنه، وليس الانقطاع يتضمن تدليسًا لخلوه من إيهام السماع بين الراوي ومن روى عنه.
الصلة بين المعنعن والمؤنأن من جهة وبين التدليس من جهة أخرى:
عرفنا من تعريف المدلَّس أنه رواية الراوي عمن عاصره ولقيه ولم يسمع منه أو لقيه وسمع منه ولكنه روى عنه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع، هذه الصيغة هي أن يقول الراوي مثلا عن فلان، أو أن فلانًا من غير تصريح بتحديث أو سماع، وعلى هذا فإن العلماء يقبلون من المدلِّس ما صرح فيه بالاتصال ويختلفون فيما لا يصرح فيه بذلك مثل عن وأن وقال، كما سيأتي.
بم يثبت التدليس؟
يثبت التدليس ولو بمرة واحدة، قال الشافعي: ومن عرفناه دلَّس مرة فقد أبان لنا عورته، وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصيحة بالصدق فتقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة بالصدق. اهـ. [الرسالة للشافعي ص ۳۷۹]، وعليه فقد اختلف في القادح منه وغير القادح كما سيأتي.
التدليس هو إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره، ويكون بطرق مختلفة، مثل إدراج كلام في متن الحديث أو إسقاط واسطة في الإسناد، وينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ، ويثبت التدليس ولو بمرة واحدة، ويختلف علماء الحديث في قبوله أو رده حسب صورته، والتدليس يختلف عن الإرسال الخفي والانقطاع في الإسناد.
التدليس هو إخفاء الراوي لحقيقة طريقة تحمله الحديث بقصد التمويه أو الغش على السامع، وقد تنوعت أقسامه بحسب صورة التحايل أو الإخفاء.
من أخطر أنواع التدليس في علم الحديث، حيث يعمد المدلِّس إلى تحسين الإسناد ظاهريًا بإسقاط الرواة الضعفاء أو صغار السن بين الثقات.
صنف المحدثون المدلسين إلى عدة مراتب لتمييز المقبول من المردود، وحصروا أسماءهم في مؤلفات دقيقة كـ "طبقات المدلسين" لابن حجر.