تعريفه: هو أن يروي الراوي
عمن عاصره ولقيه ولم يسمع منه، أو لقيه وسمع منه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم
السماع منه، وله صورتان وهما:
الأولى: أن يروي الراوي
عمن لقيه ولم يسمع منه حديثًا بصيغة توهم السماع منه، مثل: أن، عن، قال، مسقطًا في
الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه.
الثانية: أن يروي الراوي
عمن لقيه وسمع منه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه، مسقطًا في الحقيقة
شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه. [فتح المغيث١/ ۸۳، التقييد والإيضاح ص۱۷۰، تدريب الراوي١/ ٢٢٤، التبصرة والتذكرة ١/ ۱۸۰، فتح الباقي على هامش التبصرة، نزهة
النظر ص٤٣]
ويُشترط كما
عرفت من الصورتين أن يستخدم أدوات الرواية التي تحتمل السماع المباشر وغير
المباشر، أما لو صرح بأداة تقطع بالسماع المباشر كان يقول: سمعت أو حدثني، فإن ذلك
إما أن يكون كذبًا أو خطأ بحسب حال من صدر منه.
مثال تدليس
الإسناد:
ما أخرجه
الحاكم بسنده إلى علي بن خشرم قال: قال لنا ابن عُيَينة عن الزهري، فقيل له: سمعته
من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري.
حدثني عبد
الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري [معرفة علوم الحديث للحاكم ص١٠٥، التبصرة ۱۸۱/۱ تدريب الراوي ١/ ٢٢٤]
ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه
وبين الزهري وذكر صيغة العنعنة، ولما سئل: هل سمعت من الزهري؟ قال: لا.
سبب تسميته
بتدليس الإسناد:
سُمي هذا
النوع بتدليس الإسناد؛ لأن الصيغة المستعملة في الحديث تحتمل السماع المباشر؛ لأنه
الأصل، وتحتمل عدم السماع المباشر فيكون التعبير بها مطابقًا لواقع الحال، ويكون الراوي
بذلك صادقًا، ولا شك أن
هذا التردد راجع إلى الإسناد حيث تردد بين الاتصال على الاحتمال الأول وبين
الانقطاع على الاحتمال الثاني لذلك سُمي تدليس إسناد.
كيف يعرف عدم اللقاء؟
يعرف عدم اللقاء بواحد من الأمور
التالية:
١- نصُّ بعض الأئمة على ذلك، مثل حديث
رواه ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «رَحِمَ الله
حَارِسَ الحَرَسِ» فقد قال المزي في الأطراف: إن عمر لم يلق عقبة بن عامر رضي
الله عنه. [سنن ابن ماجه - كتاب الجهاد - باب فضل الحرس]
٢- إخبار الراوي عن نفسه بذلك كما أقر
بذلك ابن عيينة حين سُئل: هل سمعت من الزهري؟ قال: لا... في المثال السابق.
٣-
ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخص بينهما، وذلك مثل ما رواه عبد
الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة (رضي الله عنه)
مرفوعًا: «إِنْ وَلِيتُّمُوهَا أَبَا بَكْرٍ
فَقَوِيٌّ أَمِينٌ»، [رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ۲۹].
فقد حكم فيه بالانقطاع والإرسال في موضعين:
أ- بين عبد الرازق والثوري؛ لأنه روى
عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري عن أبي إسحاق.
ب- حكم فيه بالإرسال بين الثوري وأبي
إسحاق؛ لأنه روى الثوري عن شريك عن أبي إسحاق.
حكم تدليس الإسناد:
اختلف العلماء في حكم هذا النوع من
التدليس، هل تقبل أحاديثه فتكون حجة أم ترد أحاديثه ولا تكون حجة؟ على ثلاثة
مذاهب:
المذهب الأول: يرى أصحابه أن هذه الأحاديث تُقبل
مطلقًا، سواء صرح المُدلِّس في سندها بالسماع عمن روى عنه، بأن أتى بصيغة صريحة في
الاتصال كسمعت، أو بصيغة توهم السماع وليست نصًّا فيه مثل: عن، أن، وقال.
وأصحاب هذا الرأي هم الذين يحتجون
بالمرسل، ويقولون: إن التدليس لا ينافي العدالة للمدلِّس؛ لأنه ليس بمثابة الكذب،
وغاية أمره أنه بمعنى الإرسال، فليس التدليس بأسوأ حالا منه، والحديث المرسل عندهم
يحتج به. [هذا ما جرى عليه الخطيب في الكفاية ص
٣٥٧ - ٣٥٨ ومن تبعه]
المذهب الثاني: يرى أصحابه أن هذه الأحاديث لا تقبل
مطلقًا - بعكس المذهب السابق - سواء أصرح المُدلِّس في سندها بالسماع عمن روى عنه،
أم لم يصرح.
ويستدلون بأن المُدلِّس إذا لم يصرح في
سنده بالسماع وأتى بصيغة توهم السماع فقد تضمن تدليسه إيهام السماع عمن لم يسمع
منه وإيهام علو السند، وقد يكون الساقط غير مرضي ولا ثقة فيكون انقطاعًا، وكل ذلك يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول،
وإذا صرح في سنده بالسماع كان اتصافه بالتدليس يوجب جرحه لأن من ثبت عليه التدليس
ولو مرة صار مجروحًا، وجرح الراوي يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول. [انظر الكفاية من
الموضع السابق مقاصد الحديث ص١٩٠]
المذهب الثالث: يرى أصحابه التفصيل في ذلك، فلا تقبل
أحاديث المُدلِّس على الإطلاق ولا ترد على الإطلاق فيقولون:
١- من ثبت عليه التدليس في الإسناد ولو
مرة واحدة قبلت أحاديثه التي صرح فيها بالسماع، وتحمل على الاتصال، أما ما لم يصرح
فيها بالسماع فلا تكون مقبولة وتحمل على الانقطاع؛ وذلك لجواز أن يكون الساقط غير
ثقة عند المُدلِّس أو عند غيره لذلك لم تقبل.
واستدلوا على قبول الأحاديث التي صرح في
سندها بالسماع بما جاء في الصحيحين وغيرهما من الكتب التي التزمت الصحة في
أحاديثها من أحاديث لجماعة عرفوا بالتدليس، قد صرحوا في سندها بالسماع مثل:
الأعمش، والسفيانين، وقتادة وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم، فلو لم تكن
أحاديثهم التي صرحوا في سندها بالسماع مقبولة لما خرَّجها هؤلاء في كتبهم.
٢- أن من عُرف عند أهل الحديث بأنه
يدلس عن غير الثقات لا تقبل أحاديثه التي لا يصرح فيها بالسماع، ومن عُرف من أهل
الحديث أنه لا يدلس إلا عن الثقات قبلت أحاديثه مطلقًا، صرح في سندها بالسماع أو
لم يصرح، كما في أحاديث ابن عيينة فإن أهل الحديث قبلوا أحاديثه مطلقًا؛ لأنه عرف
عندهم أنه لا يدلس إلا عن الثقات فهو إذا سئل عمن حذفه ذكر ابن جريج ومعمر
وأمثالهما من الثقات، لذلك قال ابن حبان في أحاديث ابن عيينة: هذا شيء ليس في
الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد
يوجد لابن عيينة خبر دلَّس فيه إلا وقد بيَّن سماعه عن ثقة مثل ثقته.
٣- من كان لا يقع التدليس منه إلا نادرًا
قُبلت عنعنته ومن لا فلا، وقد سُئل علي بن المديني عن الرجل يُدلس أيكون حجة فيما
لم يقل فيه حدثنا؟ فقال: إن كان الغالب عليه التدليس فلا. [فتح المغيث للسخاوي
۱۷۳/۱، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ۱۸۸، تدريب الراوي ١/ ٢٣٠، الكفاية ص ٣٦١، جامع التحصيل ص ٣٥]
أقوال العلماء في ذم التدليس:
هذا وقد ذم العلماء التدليس واعتبروه
ضربًا من الغش والغرر والخداع والتمويه وقالوا: هو داخل في قوله: «مَنْ
غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [الحديث أخرجه
مسلم في كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا، وأبو
داود في كتاب البيوع باب في النهي عن الغش والترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء في
المخابرة والمعاومة، وابن ماجه في التجارات باب النهي عن الغش، وأحمد في المسند ٢/
٢٤٢،٥٠، ٣/ ٤١٧، ٣/ ٤٦٦، ٤/ ٤٥] فالمُدلِّس يوهم السامعين بأن حديثه
متصل وفيه انقطاع.
وقال سليمان بن داود المِنْقَرِيُّ: التدليس
والغش والغرر والخداع والكذب يُحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد.
وقال أبو الفتح الأزدي: كره أهل العلم
بالحديث مثل شعبة وغيره التدليس في الحديث وهو قبح ومهانة.
وقال جَرير بن حازم: أدنى ما يكون فيه
أنه يرى الناس أنه سمع ما لم يسمع.
وقال حماد بن زيد: التدليس كذب، ثم ذكر
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ
ثَوْبَيْ زُورٍ» [الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح
باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة، ومسلم في كتاب اللباس والزينة
باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط، والترمذي فى كتاب البر
والصلة باب ما جاء في المتشبع بما لم يعط، وأحمد في المسند ١٦٧/٦، ٣٤٥، ٣٥٣٣٤٦]
وقال ولا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما
لم يُعط.
وذمه ابن المبارك فقال: لأن آخر من
السماء أحب إلى من أن أُدلِّس حديثا.
وقال عبدان: ذُكر عند عبد الله بن
المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولًا شديدًا وأنشد فيه:
دلَّس الناسُ أحاديثَه * * * واللهُ لا يقبل تدليسا
وكان شعبة بن الحجاج من أكثر أهل
الحديث ذمًّا للتدليس، فقد نقل عنه الشافعي قوله: التدليس أخو الكذب.
وقال غُنْدَر عنه أيضًا: التدليس في
الحديث أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء أحب إلى من أن أُدلِّس. اهـ. وقرنه
بعضهم بقذف المحصنات.
وقال العراقي: كل هذا الذم إفراط محمول
على المبالغة في الزجر عنه والتنفير من العمل به.
ويؤيده ما تقدم من التفصيل في قبول
بعضه ورد بعضه.
قال الخطيب البغدادي في "الكفاية
في بيان ذم المدلس وتوهينه"
والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي
ذم المدلس وتوهينه:
أحدها: إيهام السماع ممن لم يسمع منهم ذلك
مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه.
ثانيها: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال، وذلك
خلاف موجب الورع والأمانة.
ثالثها: إن المُدلِّس إذا لم يبين من بينه وبين من روى
عنه لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيًا مقبولًا عند أهل النقل فلذلك عدل عن ذكره،
وفيه أيضًا أنه إنما لا يذكر من بينه وبين من دلَّس عنه لتوهم علو الإسناد والأنفة
من الرواية عمن حدَّث عنه، وذلك خلاف موجب العدالة، ومقتضى الديانة من التواضع في
طلب العلم. [الكفاية ص٣٥٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ۱۷۷تدريب الراوي ١/ ۲۲۸].