Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أقسام التدليس

الكاتب

أ. د/ محمد محمود بكار

أقسام التدليس

التدليس في الحديث النبوي: هو إخفاء الراوي لحقيقة طريقة تحمله الحديث بقصد التمويه أو الغش على السامع، وقد تنوعت أقسامه بحسب صورة التحايل أو الإخفاء، ودراسة هذه الأقسام تكشف عن دقة العلماء في تمحيص الأسانيد وصيانة السنة النبوية من كل تلاعب أو تدليس، والتدليس أقسام، وإليك بيان كل قسم.

تدليس الإسناد

تعريفه: هو أن يروي الراوي عمن عاصره ولقيه ولم يسمع منه، أو لقيه وسمع منه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه، وله صورتان وهما:

الأولى: أن يروي الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه حديثًا بصيغة توهم السماع منه، مثل: أن، عن، قال، مسقطًا في الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه.

الثانية: أن يروي الراوي عمن لقيه وسمع منه حديثًا لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع منه، مسقطًا في الحقيقة شيخه الذي أخذ الحديث مباشرة عنه. [فتح المغيث١/ ۸۳، التقييد والإيضاح ص۱۷۰، تدريب الراوي١/ ٢٢٤، التبصرة والتذكرة ١/ ۱۸۰، فتح الباقي على هامش التبصرة، نزهة النظر ص٤٣]

ويُشترط كما عرفت من الصورتين أن يستخدم أدوات الرواية التي تحتمل السماع المباشر وغير المباشر، أما لو صرح بأداة تقطع بالسماع المباشر كان يقول: سمعت أو حدثني، فإن ذلك إما أن يكون كذبًا أو خطأ بحسب حال من صدر منه.

مثال تدليس الإسناد:

ما أخرجه الحاكم بسنده إلى علي بن خشرم قال: قال لنا ابن عُيَينة عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري.

حدثني عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري [معرفة علوم الحديث للحاكم ص١٠٥، التبصرة ۱۸۱/۱ تدريب الراوي ١/ ٢٢٤]

 ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه وبين الزهري وذكر صيغة العنعنة، ولما سئل: هل سمعت من الزهري؟ قال: لا.

سبب تسميته بتدليس الإسناد:

سُمي هذا النوع بتدليس الإسناد؛ لأن الصيغة المستعملة في الحديث تحتمل السماع المباشر؛ لأنه الأصل، وتحتمل عدم السماع المباشر فيكون التعبير بها مطابقًا لواقع الحال، ويكون الراوي بذلك صادقًا، ولا شك أن هذا التردد راجع إلى الإسناد حيث تردد بين الاتصال على الاحتمال الأول وبين الانقطاع على الاحتمال الثاني لذلك سُمي تدليس إسناد.

كيف يعرف عدم اللقاء؟

يعرف عدم اللقاء بواحد من الأمور التالية:

١- نصُّ بعض الأئمة على ذلك، مثل حديث رواه ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «رَحِمَ الله حَارِسَ الحَرَسِ» فقد قال المزي في الأطراف: إن عمر لم يلق عقبة بن عامر رضي الله عنه. [سنن ابن ماجه - كتاب الجهاد - باب فضل الحرس]

٢- إخبار الراوي عن نفسه بذلك كما أقر بذلك ابن عيينة حين سُئل: هل سمعت من الزهري؟ قال: لا... في المثال السابق.

٣- ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة شخص بينهما، وذلك مثل ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة (رضي الله عنه) مرفوعًا: «إِنْ وَلِيتُّمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ»، [رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ۲۹].

فقد حكم فيه بالانقطاع والإرسال في موضعين:

أ- بين عبد الرازق والثوري؛ لأنه روى عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري عن أبي إسحاق.

ب- حكم فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق؛ لأنه روى الثوري عن شريك عن أبي إسحاق.

حكم تدليس الإسناد:

اختلف العلماء في حكم هذا النوع من التدليس، هل تقبل أحاديثه فتكون حجة أم ترد أحاديثه ولا تكون حجة؟ على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: يرى أصحابه أن هذه الأحاديث تُقبل مطلقًا، سواء صرح المُدلِّس في سندها بالسماع عمن روى عنه، بأن أتى بصيغة صريحة في الاتصال كسمعت، أو بصيغة توهم السماع وليست نصًّا فيه مثل: عن، أن، وقال.

وأصحاب هذا الرأي هم الذين يحتجون بالمرسل، ويقولون: إن التدليس لا ينافي العدالة للمدلِّس؛ لأنه ليس بمثابة الكذب، وغاية أمره أنه بمعنى الإرسال، فليس التدليس بأسوأ حالا منه، والحديث المرسل عندهم يحتج به. [هذا ما جرى عليه الخطيب في الكفاية ص ٣٥٧ - ٣٥٨ ومن تبعه]

المذهب الثاني: يرى أصحابه أن هذه الأحاديث لا تقبل مطلقًا - بعكس المذهب السابق - سواء أصرح المُدلِّس في سندها بالسماع عمن روى عنه، أم لم يصرح.

ويستدلون بأن المُدلِّس إذا لم يصرح في سنده بالسماع وأتى بصيغة توهم السماع فقد تضمن تدليسه إيهام السماع عمن لم يسمع منه وإيهام علو السند، وقد يكون الساقط غير مرضي ولا ثقة فيكون انقطاعًا، وكل ذلك يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول، وإذا صرح في سنده بالسماع كان اتصافه بالتدليس يوجب جرحه لأن من ثبت عليه التدليس ولو مرة صار مجروحًا، وجرح الراوي يوجب ضعف الحديث ويجعله غير مقبول. [انظر الكفاية من الموضع السابق مقاصد الحديث ص١٩٠]

المذهب الثالث: يرى أصحابه التفصيل في ذلك، فلا تقبل أحاديث المُدلِّس على الإطلاق ولا ترد على الإطلاق فيقولون:

١- من ثبت عليه التدليس في الإسناد ولو مرة واحدة قبلت أحاديثه التي صرح فيها بالسماع، وتحمل على الاتصال، أما ما لم يصرح فيها بالسماع فلا تكون مقبولة وتحمل على الانقطاع؛ وذلك لجواز أن يكون الساقط غير ثقة عند المُدلِّس أو عند غيره لذلك لم تقبل.

واستدلوا على قبول الأحاديث التي صرح في سندها بالسماع بما جاء في الصحيحين وغيرهما من الكتب التي التزمت الصحة في أحاديثها من أحاديث لجماعة عرفوا بالتدليس، قد صرحوا في سندها بالسماع مثل: الأعمش، والسفيانين، وقتادة وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم، فلو لم تكن أحاديثهم التي صرحوا في سندها بالسماع مقبولة لما خرَّجها هؤلاء في كتبهم.

٢- أن من عُرف عند أهل الحديث بأنه يدلس عن غير الثقات لا تقبل أحاديثه التي لا يصرح فيها بالسماع، ومن عُرف من أهل الحديث أنه لا يدلس إلا عن الثقات قبلت أحاديثه مطلقًا، صرح في سندها بالسماع أو لم يصرح، كما في أحاديث ابن عيينة فإن أهل الحديث قبلوا أحاديثه مطلقًا؛ لأنه عرف عندهم أنه لا يدلس إلا عن الثقات فهو إذا سئل عمن حذفه ذكر ابن جريج ومعمر وأمثالهما من الثقات، لذلك قال ابن حبان في أحاديث ابن عيينة: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلَّس فيه إلا وقد بيَّن سماعه عن ثقة مثل ثقته.

٣- من كان لا يقع التدليس منه إلا نادرًا قُبلت عنعنته ومن لا فلا، وقد سُئل علي بن المديني عن الرجل يُدلس أيكون حجة فيما لم يقل فيه حدثنا؟ فقال: إن كان الغالب عليه التدليس فلا. [فتح المغيث للسخاوي ۱۷۳/۱، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ۱۸۸، تدريب الراوي ١/ ٢٣٠، الكفاية ص ٣٦١، جامع التحصيل ص ٣٥]

أقوال العلماء في ذم التدليس:

هذا وقد ذم العلماء التدليس واعتبروه ضربًا من الغش والغرر والخداع والتمويه وقالوا: هو داخل في قوله: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا، وأبو داود في كتاب البيوع باب في النهي عن الغش والترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء في المخابرة والمعاومة، وابن ماجه في التجارات باب النهي عن الغش، وأحمد في المسند ٢/ ٢٤٢،٥٠، ٣/ ٤١٧، ٣/ ٤٦٦، ٤/ ٤٥] فالمُدلِّس يوهم السامعين بأن حديثه متصل وفيه انقطاع.

وقال سليمان بن داود المِنْقَرِيُّ: التدليس والغش والغرر والخداع والكذب يُحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد.

وقال أبو الفتح الأزدي: كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغيره التدليس في الحديث وهو قبح ومهانة.

وقال جَرير بن حازم: أدنى ما يكون فيه أنه يرى الناس أنه سمع ما لم يسمع.

وقال حماد بن زيد: التدليس كذب، ثم ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» [الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة، ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط، والترمذي فى كتاب البر والصلة باب ما جاء في المتشبع بما لم يعط، وأحمد في المسند ١٦٧/٦، ٣٤٥، ٣٥٣٣٤٦]

وقال ولا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما لم يُعط.

وذمه ابن المبارك فقال: لأن آخر من السماء أحب إلى من أن أُدلِّس حديثا.

وقال عبدان: ذُكر عند عبد الله بن المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولًا شديدًا وأنشد فيه:

دلَّس الناسُ أحاديثَه   * * *    واللهُ لا يقبل تدليسا

وكان شعبة بن الحجاج من أكثر أهل الحديث ذمًّا للتدليس، فقد نقل عنه الشافعي قوله: التدليس أخو الكذب.

وقال غُنْدَر عنه أيضًا: التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء أحب إلى من أن أُدلِّس. اهـ. وقرنه بعضهم بقذف المحصنات.

وقال العراقي: كل هذا الذم إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير من العمل به.

ويؤيده ما تقدم من التفصيل في قبول بعضه ورد بعضه.

قال الخطيب البغدادي في "الكفاية في بيان ذم المدلس وتوهينه"

والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم المدلس وتوهينه:

أحدها: إيهام السماع ممن لم يسمع منهم ذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه.

ثانيها: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال، وذلك خلاف موجب الورع والأمانة.

ثالثها: إن المُدلِّس إذا لم يبين من بينه وبين من روى عنه لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيًا مقبولًا عند أهل النقل فلذلك عدل عن ذكره، وفيه أيضًا أنه إنما لا يذكر من بينه وبين من دلَّس عنه لتوهم علو الإسناد والأنفة من الرواية عمن حدَّث عنه، وذلك خلاف موجب العدالة، ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم. [الكفاية ص٣٥٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ۱۷۷تدريب الراوي ١/ ۲۲۸].

تدليس الشيوخ

تعريفه: هو أن يذكر الراوي شيخه الذي سمع منه أو من فوقه من الشيوخ بما لا يعرف به عند أهل الحديث، بأن يسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما ليس مشهورًا به كي لا يسهل معرفته عند غيره. [التبصرة والتذكرة ١/ ۱۷۸، والمقدمة مع شرحها التقييد والإيضاح ص٩٦]

وسُمي بتدليس الشيوخ؛ لأنه كما ترى أن التدليس وقع من الراوي في شيخه وسماه أو وصفه بما ليس مشهورًا به كي لا يعرف.

مثال تدليس الشيوخ:

ما رُوي عن أبي بكر بن مجاهد المقرئ أنه روى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وهو لا يُعرف بذلك عند المحدثين، إنما هو مشهور بينهم بأنه عبد الله بن أبي داود.

وكذلك ما رُوي عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر أنه روى عن محمد بن الحسن بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند، فقال: حدثنا محمد بن سند، ولا يعرف بذلك عند المحدثين، إنما هو مشهور بينهم بأنه محمد بن الحسن. [الباعث الحثيث ص ٥٥، والتبصرة ١/ ۱۸۷، ۱۸۸]

الدواعي والأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ:

تختلف الأسباب الدافعة لهذا النوع والحاملة عليه، وترتب على هذا الاختلاف الحكم على فاعله بالنظر إلى هذه الدواعي إليك بيانا لبعض هذه الأسباب، ثم نتبعه ببيان حكم هذا النوع من التدليس.

١- كون شيخه معروفًا بالضعف عند المحدثين، وهو لا يريد أن يظهر روايته عن الضعفاء، فيعميه على الناس كي لا يفطن له كما قيل في محمد بن السائب الكلبي المشهور بالضعف إنه حماد.

۲- كون شيخه ممن اختلف المحدثون في قبول روايته فيعميه عليهم؛ كيلا يفطن له فتقبل روايته بلا خلاف.

٣- كون شيخه صغير السن عنه فيستخزي من إظهار أخذه عنه وتحمله الحديث منه، فيعميه على الناس كيلا يفطن له مع أنه ثقة يحمل الناس الحديث عنه.

كما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن سفيان بن أبي الدنيا الحافظ المشهور صاحب التصانيف، فكون الحارث أكبر من أبي بكر ابن أبي الدنيا جعله يقول فيه مرة حدثنا عبد الله بن أبي عبيد، ومرة: عبيد الله بن سفيان، ومرة: أبو بكر بن سفيان، ومرة أبو بكر الأموي.

٤- كون شيخه من الذين أكثر أخذ الحديث عنه، وهو يكره أن يتكرر الأخذ عنه على صورة واحدة، فيعميه على الناس كيلا يفطن له ليوهمهم كثرة شيوخه وتنوعهم وممن كان يفعل ذلك كثيرا الخطيب البغدادي فقد كان لهجًا [أي ولع به واعتاد عليه، ففي المعجم الوسيط ص ٨٤١ لهج بالأمر لهجًا: أولع به فتابر عليه واعتاده فهو لهج ولاهج، ولهج الفصيل بضرع أمه: الزمه فهو لاهج] به في تصانيفه.

٥- كون الراوي يرغب في تغيير التعبير عن شيخه في كل مرة يأخذ فيها الحديث عنه إظهارًا للمهارة بالتفنن في العبارة، كما فعل البخاري في شيخه الذهلي فإنه تارة يقول: محمد ولا ينسبه، وتارة محمد بن عبد الله فينسبه إلى جده، وتارة محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده، ولم يقل في موضعه محمد بن يحيى. [وقيل إن ذلك كان بسبب خلافهما في القول بخلق القرآن (انظر هدي الساري ص ٤٩١]

٦- كون شيخه وضيع الحسب ضعيف النسب، وهو يريد أن يرفع من قدره ويعلي من شأنه فيعميه على الناس كي لا يفطن له

٧- قد يكون قصد فاعل ذلك الاختبار والالتفات إلى حسن النظر في الرواة وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، وكذا الحال في آبائهم ولذلك قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيوخ مصلحة وهي امتحان الأذهان واستخراج ذلك وإلقاؤه إلى من يريد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال.

وقد حكى السخاوي عن شيخه أنه كان يقرأ في صحيح ابن حبان، فمرَّ قوله حدثنا أبو العباس الدمشقي فقال: من هذا؟ قال السخاوي فبادرته - مع أنه لم يقصدني بذلك - وقلت: هو أبو الحسن أحمد بن عمير ابن جوصا، فأعجبه الجواب دون المبادرة.

حكم تدليس الشيوخ:

قلنا: إن حكم فاعل هذا النوع يختلف بحسب غرضه من فعله وتكون أحكامه كما يأتي:

حرام: وذلك إذا ما كان الشيخ الذي روى عنه المُدلِّس، ضعيفًا أو غير ثقة، أو مختلفًا في قبول روايته، فهذا أشر أنواع التدليس لما في ذلك من الخيانة والغش والغرر.

مكروه: وذلك إذا ما كان الشيخ المروي عنه أصغر سنًّا أو ممن أكثر أخذ الحديث عنه ليكثر شيوخه، أو تقننًا في العبارة، أو ليرفع من شأن شيخه ويعليه، أو ليلفت النظر ويمتحن الذهن، فإن كل هذه الدوافع تبرئ صاحبها من تعمد الغش والخداع، وقد جرت عادة المحدثين التساهل في أمرها وعدم تجريح صاحبها وقبول أحاديثه التي دلَّس عن شيوخه فيها؛ لأنها كلها من الأسباب الشخصية التي ليس لها تأثير على صحة الحديث وقبوله، وعليه يحمل إكثار الخطيب من ذلك في مصنفاته.

وتشدد البعض فقال: بعدم التساهل في أمرها وإن توقفنا في تجريح أصحابها؛ لأن ذلك قد يتسبب في ضياع المروي عنه فيبقى عند المحدثين من المجهولين. [الكفاية ص۳۷۱، فتح المغيث للسخاوي ۱۷۹/۱، الاقتراح ص۲۰ مقاصد الحديث ص۱۹۳، تدريب الراوي١/ ۲۲۰/۲۳۱]

تدليس التسوية

هذا القسم من التدليس لم يذكره بعض العلماء على أنه قسم مستقل بذاته، بل جعلوا التدليس قسمين فقط وهما: تدليس إسناد وتدليس شيوخ، وقد جعله ابن الصلاح داخلًا ضمن تدليس الشيوخ، وجعله آخرون نوعًا من أنواع تدليس الإسناد: والحق مع ابن الصلاح فإنه إلى تدليس الشيوخ أقرب.

تعريفه: هو أن يروي الراوي عن شيخه الثقة حديثًا سمعه منه ورواه ذلك الثقة عن ضعيف أو أكثر، وقد رواه ذلك الضعيف عن ثقة آخر فيجعله الراوي من رواية شيخه الثقة عن الثقة الآخر بلفظ يوهم السماع منه مسقطًا ما بينهما من ضعيف أو ضعفاء، بشرط أن يكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر فيجعل الإسناد عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، والحامل للراوي على إسقاط الضعيف أو الضعفاء أن يستوي السند كله فيكون في نظر غيره كلهم ثقات.

وسمى بعض المحدثين القدماء هذا النوع تجويدًا فقالوا: جوَّده الراوي أي ذكر ما في السند من الأجواد وحذف من فيه من الأدنياء، وسمى أبو الحسن بن القطان هذا القسم بالتسوية ولم يسمه تدليس التسوية. [فتح المغيث للسخاوي ١/ ۱۸۲، والكفاية ص٣٦٤، الباعث الحثيث ص٥٥]

والحق أن هناك فرقًا بين تدليس التسوية والتسوية:

فالأول: يشترط أن يتلاقى الثقة الأول في السند بالثقة الثاني فيه من غير أن يأخذ منه ذلك الحديث.

أما الثاني: فيشترط فيه ألا يتلاقيا أصلًا.

مثال تدليس التسوية:

ما رواه ابن أبي حاتم في العلل قال: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَحْمِلُوا إِسْلَامَ الْمَرْءِ حَتَّى تَعْلَمُوا عَقْدَةَ رَأْيِهِ». [علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي عن ابن عمر ٢/ ١٥٤]

فأسقط بقية من السند راويًا ضعيفا بين ثقتين أبي وهب الأسدي، ونافع وهو إسحاق بن أبي فروة، وأبو وهب الأسدي اسمه عبيد الله بن عمرو، فعمَّاه بقية ونسبه بما لا يُعرف به عند المحدثين، ولم يذكر اسمه حتى إذا أسقط إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يفطن له ولا يهتدى إليه، وممن عرف به أيضا الوليد بن مسلم. [تدريب الراوي ١/ ٢٢٥، وشرح التبصرة ١/١٩٠]

الفرق بين تدليس التسوية والانقطاع:

يفرق بينهما بأمرين الأول: أن الساقط هنا لابد أن يكون ضعيفًا عند الراوي المدلس، ولا يشترط ذلك في الانقطاع.

الثاني: أن الساقط هنا قد يكون أكثر من ضعيف، والانقطاع يشترط فيه ألا يسقط أكثر من واحد في الموضع الواحد.

حكم تدليس التسوية:

هذا القسم من التدليس هو شر أنواع التدليس وأفحشها وأشدها قدحًا في الراوي وتجريحًا له، وهو مذموم جدًّا لما فيه من مزيد الغش والتغطية؛ وذلك لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفي هذا غرر شدید وهو قادح فيمن تعمد فعله، ولذا قال ابن حزم: صح عن قوم إسقاط المجروح وضم القوي إلى القوي تدليسًا على من يحدث وغررًا لمن يأخذ عنهم، فهو مجروح وفسقه ظاهر وخبره مردود لأنه ساقط العدالة، وقال العلائي: هذا النوع أفحش أنواع التدليس وأشرها، وقال العراقي: هو قادح فيمن تعمد فعله، وقال ابن حجر: لا شك أنه جرح [شرح التبصرة والتذكرة ١/ ۱۹۱، تدريب الراوي ١/ ٢٢٤، الوسيط في علوم الحديث ص ٣٠٠]

تدليس القطع

هذا النوع يتفرع من تدليس الإسناد وله صورتان إحداهما: أن يسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم شيخه، ويفعله أهل الحديث كثيرًا.

مثاله: قول علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، قيل: أحدثك الزهري؟ فسكت ثم قال: الزهري فقيل له: أسمعته منه؟ فقال: لم أسمعه منه ولا ممن سمعه منه، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري [تدريب الراوي ١/ ٢٢٤]

ثانيهما: أن يسقط الراوي اسم شيخه الذي سمع الحديث منه مباشرة مقتصرًا على ذكر أداة الرواية، وهي عكس الصورة الأولى.

مثاله: ما روى ابن عدي وغيره عن معمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

وسُمي هذا النوع بتدليس القطع لما في الصورة الأولى من قطع الراوي عن أداة الرواية وعدم اتصاله بها، أو قطع أداة الرواية عن الراوي وعدم اتصالها بها كما في الصورة الثانية.

ويسمى هذا النوع تدليس قطع أو تدليس حذف؛ لأن في كل منهما حذفًا للشيخ الذي سمع الحديث منه مباشرة أو حذف الأداة الرواية، وكل من الراوي والأداة خاص بالإسناد؛ لذا صح ما قدمناه من أن هذا النوع يرجع إلى تدليس الإسناد. [فتح المغيث للسخاوي١/ ۱۷۳]

تدليس العطف

وهو كسابقه يرجع إلى الإسناد.

وصورته أن يصرح الراوي بالتحديث عن شيخ له ويعطف عليه شيئًا آخر لم يسمع ذلك المروي منه.

مثاله: ما رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث: أن جماعة من أصحاب هشيم بن بشير اجتمعوا يومًا على ألا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك.

فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفًا مما ذكرته، إنما قلت حدثنا حصين ومغيرة، ومغيرة غير مسموع لي. [معرفة علوم الحديث للحاكم ص١٠٥، وتدريب الراوي ١/ ٢٢٦]

وسُمي هذا النوع بتدليس العطف؛ لما فيه من إيهام الراوي السماع من المعطوف وهو لم يسمع منه الحديث مباشرة.

تدليس السكوت

وهو أن يأتي الراوي بلفظ يفيد السماع مثل حدثنا وسمعت [وهذا في رأيي ليس من التدليس في شيء بل هو منقطع لأنه صرح بلفظ السماع وشرط التدليس أن يعبر بأداة توهم السماع المباشر وغير المباشر مثل: قال، عن، أن. والله أعلم]، ثم يسكت، ثم يقول بعد ذلك الأعمش موهمًا أنه قد سمع منه مع أنه لم يصح له سماع منه. [المنهج الحديث في علوم الحديث - قسم المصطلح - ص ۱۷۷، الباعث الحثيث ص ٥٦]

وسُمي بتدليس السكوت؛ لوجود سكتة بين أداة الرواية وما بعدها.

تدليس البلاد

قد يعمد بعض المدلسين إلى لفظ مبهم متشابه يلوي لسانه تعظيمًا لشيخه وإيهامًا للقائه والرحلة إليه، وذلك من خلال تعظيم البلد أو الحي الذي ينسب إليه، كان يقول الراوي المصري: حدثني فلان بالأندلس ويريد موضعًا بالقرافة، أو بزقاق حلب، ويريد موضعًا بالقاهرة أو يقول: حدثنا من وراء النهر، يوهم نهر دجلة أو جيحون في حين أنه يقصد نهر النيل بمصر.

وهذا النوع ألحقه ابن حجر بتدليس الشيوخ وسماه تدليس البلاد، وليس ذلك بجرح قطعًا بل هو من قبيل المعاريض الجائزة وليس من قبيل الكذب، فلا يقدح في عدالة الراوي. [الاقتراح في بيان علوم الاصطلاح لابن دقيق العيد ص ۲۰، تدريب الراوي ۲۳۱/۱، دراسات في علوم الحديث للدكتور العجمي دمنهوري خليفة ص١٣٦، فتح المغيث للسخاوي١/ ١٨٤]

الخلاصة

التدليس هو إيهام السماع من غير سماع حقيقي، وله أقسام متعددة مثل تدليس الإسناد، تدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، تختلف بحسب كيفية إخفاء الراوي للحقيقة، حكمه متباين بين قبول الأحاديث أو ردها حسب نوع التدليس وظروفه، وقد ذم العلماء التدليس بشدة واعتبروه خداعًا ومخالفة للأمانة العلمية.

موضوعات ذات صلة

لون من الإخفاء والخداع في السند، وتكمن خطورته في خفاء علته على كثير من الناظرين في الحديث دون تدقيق.

من أخطر أنواع التدليس في علم الحديث، حيث يعمد المدلِّس إلى تحسين الإسناد ظاهريًا بإسقاط الرواة الضعفاء أو صغار السن بين الثقات.

صنف المحدثون المدلسين إلى عدة مراتب لتمييز المقبول من المردود، وحصروا أسماءهم في مؤلفات دقيقة كـ "طبقات المدلسين" لابن حجر.

موضوعات مختارة