Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدور الثاني: مناهج المحدثين في عصر التابعين وأتباعهم

الكاتب

أ. د/ أحمد محرم الشيخ ناجي

الدور الثاني: مناهج المحدثين في عصر التابعين وأتباعهم

شاءت العناية الربانية أن يُصان الدين بنور السنة، فنهض التابعون وأتباعهم خير خلف لخير سلف، يحملون إرث النبوة بصدق وأمانة، وفي عصرهم تبلورت مناهج رصينة في الرواية والدراية، أرست دعائم النقد والتصنيف، وكانت أساس علوم الحديث الشريف.

مناهج المحدثين في عهد التابعين وأتباعهم

مما لا شك فيه أن الصحبة درجة شريفة، ومنزلة منيفة، مَنَّ بها البر الكريم -سبحانه وتعالى- على أفضل خلقه بعد رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا يماري عاقل في فضل الصحابي ومنزلته، والتابعي يلي الصحابي في الدرجة والفضل، وقد أشارت إلى ذلك نصوص كثيرة منها قوله -سبحانه: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [التوبة: ١٠٠]، وقوله -سبحانه- بعد بيان نصيب الفقراء من المهاجرين والأنصار من الفيء والثناء عليهم وتعديد مناقبهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: ١٠]، ولا يقال: ليس في الآية مدح أو ثناء؛ وإنما هي حكاية لما صدر عنهم من التضرع والدعاء -لا يقال ذلك؛ لأن الآية مُصدَّرة بواو العطف المقتضية التشريك في الحكم، فهم داخلون في عموم المدح والثناء، وتضرعهم بهذا الدعاء برهان تمكنهم في الفضل.

وقد جاء في السنة أيضًا ما يشعر بعلو مكانتهم وارتفاع منزلتهم، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه [في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ٥/ ٧ مع شرحه فتح الباري] من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنهما- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

فأشعر هذا بامتداد الفضل وتتابعه، ومما يُشعِر بذلك أيضًا قوله -صلى الله عليه وسلم- فيم رواه أبو داود [في كتاب العلم، باب فضل نشر العلم ٣/ ٣٢٠ برقم ٣٦٥٩، وأخرجه الحاكم في المستدرك كتاب العلم ١/ ٩٥، وقال: صحيح على شرط الشيخين وليس له علة، وأخرجه ابن حبان في الصحيح، وهو في الإحسان كتاب العلم - ذكر الإخبار عن سماع المسلمين، السنن ١/ ٢٦٣ وصحح المحقق إسناده]، وغيره من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «تسمعون، ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن سَمِع منكم».

وليس هناك حد زمني يفصل الصحابة عن التابعين، وبعبارة أخرى ليست هناك حقبة زمنية يمكن اختصاص هؤلاء أو أولئك بها، فقد يدرك التابعي زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لا يلقاه أو لا يؤمن به إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلا يُعَدُّ صحابيًا، وإنما يُقال له: تابعي، ويوصف بأنه مخضرم؛ وعليه فالتابعون يلتقون مع الصحابة في بكرة الأمر، وأيضًا يعايش الصحابة التابعين إلى نهاية القرن الهجري الأول، بل وربما فاتحة القرن الثاني كما حدث مع أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي -رضي الله عنهما-، مات سنة مائة من الهجرة، وقيل: إنه تأخر بعد المائة، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة عشر ومائة.

هكذا يمتد وجود الصحابة إلى أول القرن الثاني، وربما شاركهم التابعون بعض حياته -صلى الله عليه وسلم-، فلا سبيل إلى تمايز بين الصحابة والتابعين من حيث الزمان، وإن كان التمايز محققًا من حيث تحديد المراد بالصحابي والتابعي، ويبقى اعتبار الكثرة لمن اعتبر.

مفهوم التابعي

فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، ومن رآه -صلى الله عليه وسلم- يزيد على مائة ألف وأربعة عشر ألفًا كما قال أبو زرعة، فإننا باعتبار الكثرة ومراعاة الأغلبية نستطيع أن نطلق على فترة الخلافة الراشدة (زمن الصحابة)، وننسب إليهم التحكم في أكثر الأحداث والإمساك بأزِمَّة الأمور، لكن بعد أن يرى كل واحد من الصحابة آخرون عديدون من التابعين؛ فالمنطق نفسه يحتم علينا أن نحمي الزمان (زمن التابعين) وأن نضيف الأحداث إليهم، وإذا كان الأمر قد استقر عند المحدثين على أن الصحابي هو من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، ومات على إسلامه، فمن هو التابعي؟

التابعون: جمع تابعي أو جمع تابع، اسم فاعل من تبع والنسبة إليه تابعي، وتَبِعه بمعنى: قفا أثره ونهج نهجه وجاء بعده، ولعل مأخذه من قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ} [التوبة: ١٠٠].

والتابعي في اصطلاح المحدثين هو: (من لقي الصحابي وإن لم تَطُل صحبته)، وهو رأي الحاكم، وابن حجر -رحمهم الله- وغيرهما، وقيل: هو من صحب الصحابي ولا يُكتفى فيه بمجرد اللقاء بل لا بد من طول الصحبة والرواية عنه، وهو رأي الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى. [انظر: شرح نخبة الفكر، للحافظ بن حجر، ص ١١٨، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، للحافظ السيوطي ٢/ ٢٣٤]

ولكن الراجح، والذي يدل عليه عمل أئمة الحديث، هو: الاكتفاء بمجرد الرؤية دون اشتراط الصحبة، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- [التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، للحافظ العراقي، ص ٣١٧]، والتابعون ليسوا جميعًا عدولًا كالصحابة، وليسوا أيضًا في طبقة واحدة [راجع: معرفة علوم الحديث، للحاكم، ص ٤١-٤٦].

جهود التابعين في المحافظة على الحديث ومقاومة الضالين:

على طريق الصحابة ومع بعضهم، سار التابعون لهم بإحسان يمثلون الكثرة وينهضون بهذه المهمة، المحافظة على الحديث وتبليغه سالمًا من الدس والتدليس نقيًّا من الهوى بعيدًا عن التعصب.

مضى جمهور التابعين غير منخدع بترويج أهل البدع والأهواء لآرائهم الفاسدة، وإنما تمسُّكٌ بالسنة لا يهتز، واحتياطٌ في الرواية، وتثبتٌ من الأخبار، فَهُم يوقنون أن الحديث دين، فلينظروا عمن يأخذون دينهم، وهم يدركون اختلاط الغث بالسمين، فلا بد من المبالغة في التأمل والتبصر بما ينقلون.

وما كان التابعي ليقبل أن يكون حاطب ليل ربما يحتطب أو يجمع إلى الحطب الأفاعي والثعابين وهو لا يدري، بل لا بُدَّ وأن يُحَاط خبرًا بما يرويه، كان ولا بُدَّ أن يسألوا وأن يتحرَّوا، والعلة في ذلك يوضحها لنا أحدهم: محمد بن سيرين -رحمه الله- [كنيته أبو بكر، ونسب إلى الأنصار، لكونه مولى أنس، لقي ثلاثين صحابيًا، وأجمعوا على ثقته وورعه وإمامته، توفي سنة عشر ومائة انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٩/ ٢١٤]؛ إذ يقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" [مقدمة صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١/ ١٤]، وقال أيضًا: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". [السابق: ١/ ١٥]

هكذا نستطيع أن نقول: إن شطط أهل البدع والأهواء واجترائهم على الحديث بالوضع والدسِّ فيه، أو محاولة النَّيل منه بانتقاص راويه، هذا الشطط والاجتراء كما أثمر جانبًا سلبيًا من خلال المجابهة والمضادة بين أصحاب الأهواء، أثمر أيضًا جانبًا إيجابيًا تَمَثَّل في حفز همم أنصار الحق وشّحْذِ عزائمهم: ليشتد تمسكهم بالحق ويقوى بحثهم عن اليقين، ويزدادوا تثبتًا إلى تثبتهم، واحتياطًا إلى احتياطهم.

وقد كان التابعون يسترشدون ويستهدون برأي من بقي معهم من الهادين المهديين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى مسلم -رحمه الله- [في مقدمة صحيحه باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ١/ ١٣]. بسنده عن مجاهد [هو مجاهد بن جبر المكي، اشتهر بالتفسير، وعرض القرآن على بن عباس - رضي الله عنهما - ثلاثين مرة، توفى سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٩٢]، قال: جاء بشير العدوي [بشير - بالتصغير - بن كعب العدوي، روى عن: أبي ذر، وأبي هريرة وآخرين، وهو ثقة عند سائرهم. انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ١/ ٤٧١]. إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع حديثي؟ أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنَّا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول [الصعب والذلول: أصلهما في الإبل، فالصعب العسر المرغوب عنه، والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، فالمعنى: سلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم]؛ لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.

رأى التابعون وأتباعهم رأي العين أن الناس ركبوا الصعب والذَّلُول فلم يقبلوا من كل أحد، استأمنوا على الذهب والفضة واؤتمنوا عليهما، ولم يأتمنوا على الحديث أن يأخذوه إلا ممن يثقون فيه، ها هو ذا أبو الزناد [أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان، كان يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلم التابعين ومن أرواهم، توفى سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة عن ست وستين سنة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٤] يقول: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله". [مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٥]

وكان الإمام مالك -رحمه الله- يقول: "ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث جُلَّ نهاره، ما نأخذ عنه حديثًا واحدًا، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث". [سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ٧٢]

على هذا النحو كان احتياط التابعين وتثبتهم فيما يروون، واستيثاقهم ممن عنه ينقلون، على أنهم قد حاكَوا الصحابة وقلَّدوهم في التقلل من الحديث والتخفف منه، فلا يَروي الواحد منهم إلا قدر ما تلح عليه الضرورة ويحتاج إليه البيان.

جالس الشعبي [هو عامر بن شَراحيل، ولد لست مضت من خلافة عمر، وأدرك خمسمائة صحابي، قال عن نفسه: ما حدثني رجل بحديث إلا حفظته، توفي سنة ثلاث ومائة، وقيل بعدها، انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٦٥] ابن عمر -رضي الله عنهما- سنة فلم يسمعه يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا. [سنن ابن ماجه المقدمة، باب التوقي في الحديث ١/ ١١]

وقال السائب [السائب هو ابن يزيد بن سعيد، له ولأبيه صحبة، وهو من صغار الصحابة، توفى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين - رضي الله عنه، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر ٢/ ١٢] "صحبت سعد بن مالك [هو سعد بن أبي وقاص، أحد السابقين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، كان مستجاب الدعوة، توفى سنة خمسة وخمسين على الراجح - رضي الله عنه. انظر: الاستيعاب، لابن عبد البر٢/ ١٨، والإصابة ٢/ ٣٤] من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بحديث واحد. [سنن ابن ماجه المقدمة، باب التوقي في الحديث ١/ ١٢]

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن التابعين يُعَدُّون بحق امتدادًا، للصحابة في كل شيء وهم بنص المعصوم -صلى الله عليه وسلم- خير القرون، ولا يجانب الصواب من يقول: إن دور التابعين كان أدق، وموقفهم كان أصعب وأشق، إذ كان عليهم أن يواجهوا الخطر المُحدق، وأن يتصدوا للمحاولات التي بُذلت عبثًا للنيل من الحديث والمحدثين.

التدوين العام للسنة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى

كان ولا بُدَّ أن تُثمر تلك الجهود الضخمة التي بُذلت إبان القرن الأول أينعَ الثمار، وأن تؤتي أكلها ضعفين بإذن ربها ثم بإخلاص باذليها، فما إن بدت أضواء القرن الثاني تلوح حتى كان الحديث والمحدثون في طور جديد، وشهدت فاتحة القرن الهجري الثاني نهضة كبيرة على طريق تدوين الحديث وشيوع التصنيف فيه، فبأمر عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- دَوَّن أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن شهاب الزهري -رحمهما الله- وغيرهما الحديث، ونسخت النسخ مما دون، ووزعت على الأمصار لتكون للناس موئلًا ومرجعًا.

وفي التأريخ لهذا العمل العُمَري المبارك والتعليل له يروي البخاري - رحمه الله - في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم؟ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم [أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، لجده عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية، وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ٣٩٩، وفتح الباري ١/ ٢٣٤]: انظر ما كان من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاكتبه، فإني خفت دُرُوس العلم وذَهاب العلماء، ولا تَقبل إلا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولْتُفشوا العلمَ، ولْتجلِسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا [صحيح البخاري كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم ١/ ٢٣٤ مع شرحه فتح الباري]، وكأننا بالوَرِع الزاهد العالم العابد الخليفة الراشد وهو يضع معالم مناهج المحدثين، فهو ينبه على ضرورة استقلال الحديث وتخليص الألفاظ النبوية من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم على المحدثين أن يواصلوا مجالس التحديث فلا يتكلوا على الكتابة أو التدوين، فلا بد من المشافهة، ويتحتم تضافر كل الجهود حتى لا يندرس العلم ويفشُوَا الجهل.

والحق الثابت الذي لا تردد فيه هو أن تدوين الحديث وكتابته يرجع إلى عصر مبكر ربما إلى عصر النبوة، فقد كان لبعض الصحابة صحف كصحيفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكالصادقة لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، وغيرها، أو إلى العصر الذي بعده مباشرة.

وأما ما كان في فاتحة القرن الهجري الثاني على أيدي النبهاء كابن حزم وابن شهاب -رحمهما الله- من اشتهار التدوين وانتشاره فإنه يرجع إلى ما يأتي:

١- اتخاذ التدوين طابعًا رسميًا فقد كان بأمر الخليفة وتنفيذًا لرغبته.

٢- ظهور الوضع والوضَّاعين، ذلك أن أعداء الدين أحكموا كيدهم المتين، وأرادوا طعن الإسلام من الخلف بعد أن عجزوا عن النيل منه وضعفوا عن مواجهته كفاحًا، فلبِسوا مسوحه، وتزيَّوا بمظهره، وانطوت قلوبهم على حقد دفين، فراحوا يؤججون نار الفتنة ويسعرون أُوارها، ويُلهبون الخلافات ويُغذُّونها ببذور الشقاق والفرقة، وظنوا أن في السنة مرتعًا خصبًا يتخذون منه هدفًا لسهامهم المسمومة، فراحوا يدُسون ويَكذبون، كل ذي رأي يدعي أنه على الحق ويلتمس دليلًا لمدعاه، وهيهات أن يجد في كتاب الله ما يوافق هواه، لكن ماذا عساه أن يفعل أكثر من أن يقول في القرآن بغير علم ويؤوله على وفق متمناه، ويعجز عن أن ينقص أو يَزيد فيه، أما السنة فبحارها تتلاطم أمواجًا والناس يدخلون فيها أفواجًا، ويسلكون إليها سبلًا فجاجًا، مما يزين لأصحاب العقول الضعيفة أنه بوسعهم أن يختلقوا وأن يأفكوا من غير أن يتنبه أحد لإفكهم واختلاقهم، لكن الله -عز وجل- هيَّأ للسنة رجالًا أكْفاء يذودون عنها كل خطر، ويدفعون كل شر، ويذُبُّون كذب الكاذبين.

٣- تفرق الصحابة والتابعين من بعدهم، على الأمصار، كلٌّ يُحدِّث بما سمع ويبلغ ما وَعى، مما دعت الحاجة معه إلى جمع ما تفرق، وتأليف ما توزع.

٤- اتساع رقعة الدولة بعد الفتوحات الإسلامية وانشغال الناس بالدنيا، وانغماس الكثيرين في طلب تحصيلها، أدى ذلك إلى ضعف ملَكَة الحفظ شيئًا ما، مما جعل الحاجة ماسة إلى تدوين الحديث مخافة أن يضيع.

كل ذلك وأكثر منه كان وراء نشاط حركة الجمع والتصنيف، تلك الحركة التي لم تنشأ من فراغ، وإنما اعتمدت على زاد ضخم وحصاد عظيم كان ثمرة جهد وكد السابقين، الذين ذهب بعضهم قبل بدء القرن الثاني، وبقي تراثهم يواصل إحياء ذكرهم، وهناك كثيرون ممن كانت لهم اليد الطولى في حفظ السنة في القرن الأول، واصلوا جهدهم في القرن الثاني، ولم يسلموا الراية إلا عند إسلام أرواحهم إلى بارئها، ولم يسلموها إلا لمن يجيد حملها والذود عنها.

والناظر إلى القرن الهجري الثاني يبهره صنيع المحدثين فيه، ويهوله ذلك الجهد المضني الذي بذل بسخاء لخدمة السنة النبوية المطهرة، وتلمع نجوم حديثية في هذا القرن وتسطع أضواؤها، فنرى من عمالقة الحديث في هذا القرن الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى-، وإن كان رابعهم عاش أكثر من نصف عمره في القرن الثالث، ونلمح سفيان بن عيينة -رحمه الله- المولود سنة سبع ومائة، والمتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة، وكذلك نلمح ابن اسحاق، وموسى بن عقبة، وشعبة، والثوري، كلهم جدير بلقب (أمير المؤمنين في الحديث)، والذي يطالع كتب الصحاح يدرك ما لهؤلاء من أثر.

طرق التابعين وأتباعهم في التصنيف

تنوعت طرق هؤلاء الأعلام، فمنهم من اكتفى بتصدر مجالس التحديث يروي للناس السنن، ومنهم من يتكلم في الرواية وما يتصل بها من أحكام الدراية، ومنهم من جمع إلى التحديث التأليف والتصنيف.

وتعددت مناحيهم في التصنيف، فمنهم من اعتنى بالمباحث الفقهية، وركز كل اهتمامه على الأحكام، وجمع من الرواية اجتهاد بعض الأئمة، ومع ذلك كله اعتبر صنيعه توطئة للحديث وتمهيدًا للدخول فيه فسمي (موطأ).

ومنهم من نظر إلى السنة خلال أخذها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، فعُنِيَ بجمع مرويات الصحابي وسمَّاها (مسندًا)، وأضافها إلى الصحابي، ولم يُراعِ في ترتيبه إلا أنها من مرويات ذلك الصحابي الذي يُعْنَى بجمع منقوله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ثم يرتب الصحابة إما على السبق للإسلام وإما على مراتبهم ودرجات تفضيلهم ككون الواحد منهم من العشرة المبشرين بالجنة، أو ممن شهد بدرًا أو بيعة الرضوان، وإما أن يُراعي في الترتيب حروف المعجم، وعُرفت هذه الطريقة بالمسانيد.

وكما اشتهر في الكتب المرتبة على الأبواب: (موطأ مالك) و (موطأ ابن أبي ذئب)؛ اشتهر أيضًا في الكتب المرتبة على المسانيد: (مسند أبي داود الطيالسي)، و (مسند ابن أبي شيبة)، وكان أجمع المسانيد وأنفعها (مسند الإمام أحمد بن حنبل).

وهناك من رتب تصنيفه على الأطراف، بأن ذكر طرف الحديث فقط اعتمادًا على الذاكرة، ومن هؤلاء (عبد بن حميد العبدي -رحمه الله) كتب أطراف الحديث عن الحسن البصري -رحمه الله- عن النبي -صلى الله عليه وسلم.

وتعددت الأسماء اللامعة في التصنيف، ولا يكاد يخلو بلد من عَلَم من أعلام الحديث والمحدثين، وقد اتسمت مصنفات هذا القرن بالسمات الآتية:

١- الذين صنفوا على الأبواب جمعوا حديث كل باب على حدة، ثم أدرجوا الأبواب تحت الكتب فنرى أحاديث الصلاة موزعة على أبوابها مجموعة تحت كتاب الصلاة، وكذا الزكاة.

٢- يلاحظ أن مصنفي هذا القرن لم يقتصروا في مصنفاتهم على الصحيح فحسب، بل وُجِد في كتبهم الصحيح والضعيف لكنهم تجنبوا الموضوع.

٣- عُنِي هؤلاء بجمع طرق الحديث الواحد وسوقه من عِدَّة روايات، ولهذا أهميته القصوى عند جهابذة الحديث والعارفين بمواطن النقد والتمحيص.

٤- مزج مصنفو هذا العصر الأحاديث النبوية بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وفي العَقْدَين الأخيرين من هذا القرن رأى بعض أهل الحديث أن يفصلوا أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مؤلفات خاصة.

وفيما يلي سنعرض لبعض النماذج من مصنفاتهم ونقف على مناهجهم فيها.

أولًا: نسخة همَّام بن مُنَبِّه: همام بن منبه بن كامل الصنعاني، روى عن أبي هريرة، ومعاوية، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير - رضي الله عنهم -، وعنه: أخوه وهب، ومعمر بن راشد، وآخرون، وثَّقة ابن معين وغيره، توفي سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١١، وتهذيب التهذيب١١/ ٦٧]

وقد عرف عن همام مجالسته لأبي هريرة -رضي الله عنه- بالمدينة والكتابة عنه، فكتب عنه الصحيفة التي عرفت باسمه (صحيفة همام ابن منبه)، والتي أطلق عليها الصحيفة الصحيحة، والتي تُعد من أقدم التدوين للحديث النبوي، فقد كتبت في منتصف القرن الهجري الأول، لأن ممليها الصحابي الجليل أبا هريرة -رضي الله عنه- توفي سنة تسع وخمسين، فالصحيفة بلا شك كتبت قبل ذلك.

وقد تحدث عن هذه الصحيفة وعدد أحاديثها من ترجموا لهمام، يقول الذهبي -رحمه الله- وهو يُعرف به: "صاحب تلك الصحيفة التي كتبها عن أبي هريرة وهي نحو من مائة وأربعين حديثًا" [سير الأعلام٥/ ٣١١]، وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر-رحمه الله. [تهذيب التهذيب ١١/ ٦٧]

وقد وصلت إلينا هذه الصحيفة كاملة، رواها عن همام معمر وعنه عبد الرزاق بن همام، وقد رواها الإمام أحمد عن عبد الرزاق في مسنده، وقد روى البخاري ومسلم كثيرًا من أحاديثها، وقد روى أكثر أحاديث الصحيفة الحافظ أبو مسعود البغوي في كتابه شرح السنة.

وقد طبعت هذه الصحيفة بتحقيق الدكتور محمد حميد الله عن مخطوطتين في دمشق وبرلين، وأعيدت طباعتها بتحقيق الدكتور/ رفعت فوزي، وقد ذكر أسباب إعادة إخراجها مرة أخرى، وهي:

١- وجود مخطوطة ثالثة لها في دار الكتب المصرية، وأن المقارنة بين هذه المخطوطة وبين ما نشره الدكتور حميد الله يفيد إلى حد كبير، من هذه الإفادة وجود حديث في مخطوطة دار الكتب ليس في نشرة الدكتور حميد الله، والحديث موجود في مسند أحمد وفي غيره عن عبد الرزاق عن معمر عن همام، وبذلك تأكد كونه من الصحيفة.

٢- أن أحاديث الصحيفة في حاجة إلى تخريج، ففيه زيادة تحقيق وتوثيق لأحاديثها.

٣- أن الدكتور/ محمد حميد الله وقع في وهم ربما قلل من شأن رواية الصحيفة، وذلك أن بعض الناس قد أرسل إليه بعدما نشر الجزء الأول من الصحيفة، ما يفيد أن هناك انقطاع في سند الصحيفة في المخطوطتين بين محمد بن إسحاق بن منده الذي ولد في سنة ٣١٠ هـ؛ ومحمد بن الحسين القطان الذي توفي سنة ٣٠٢ هـ؛ كما ذكر في أنساب السمعاني فمحال على هذا لقاؤهما؛ وقد سلم د/ حميد الله بهذا دون بحث أو تمحيص، بل ذهب إلى أبعد من هذا حين تخيَّل أن بين الاثنين إبراهيم بن القطان الذي سمع الصحيفة على والده محمد بن الحسين القطان، وأن السند هو محمد بن إسحاق عن إبراهيم القطان عن والده محمد بن الحسين القطان، وأن إبراهيم سقط سهوًا.

ثم ذكر بناء على ذلك أن هذا لا ينقص من قدر الصحيفة وروايتها؛ لأنه قد رواها من قبلُ الإمام أحمد بن حنبل قبلَ ابن منده، الذي حدث عنده الانقطاع – بقرون، ولكن د/ رفعت فوزي رأى أن الأمر لم يكن بحاجة إلى كل هذا لأن السند متصل، وابن منده التقى بمحمد بن الحسين وسمع منه الصحيفة، إذ كل المصادر تقريبًا تذكر أن محمد بن الحسين القطان توفي عام ٣٣٢هـ، لا عام ٣٠٢هـ، كما ذكرت نسخة غير محققة للأنساب، وفي النسخة المحققة ما يتفق مع سائر المصادر، فبَيْن ولادة ابن منده ٣١٠هـ، ووفاة القطان ٣٣٢هـ، اثنتان وعشرون سنة وهي مدة كافية للقاء والسماع، وقد ذكر د/ رفعت إسناد الصحيفة؛ لأنها مروية بإسناد واحد في مقدمة التحقيق وقام بترجمة رجاله وبيان توثيقهم، ثم شرع في تحقيق الأحاديث وتخريجها وشرحها، وقد بلغت أحاديث الصحيفة حسب تحقيقه تسعة وثلاثين ومائة حديث أخرجها في مجلد ضخم زاد على السبعمائة وخمسين صفحة، ومن النسخ التي دونت فيها الأحاديث في هذه الحقبة نسخة وكيع عن الأعمش؛ وكذلك نسخة إسحاق بن أبي فروة.

ثانيًا: المسانيد:

طريقة التصنيف على المسانيد طريقة مشهورة عند المحدثين يُعنَى فيها سالكها بالتصنيف على المسانيد، ويهتم بترتيب كتابه عليها، والمسانيد: جمع (مسند) بفتح النون، جمعًا سماعيًا، إن قياس جمع هذه الكلمة: مساند، كمصحف ومصاحف، ومتحف ومتاحف، ومسجد ومساجد، ولم يسمع لهذه الكلمات جمع على مفاعيل كما سمع في مسانيد ومراسيل.

وتطلق كلمة مسند في اصطلاح المحدثين على أربعة معان:

أولها: إرادة المعنى المصدري منها، فيقال: (المسنَد)، ويقصد إسناد الحديث وروايته بسنده، والكلمة على هذا مستعملة على أنها مصدر ميمي.

الاستعمال الثاني: تستعمل على أنها اسم مفعول من أسند الرجل الحديث إذا رواه بإسناده، فالراوي للحديث بالإسناد يقال له: (مسنِد) بكسر النون، والحديث المروي هكذا يقال له (مسنَد) بفتحها، وهو الحديث الذي روي مسندًا غير مرسل.

الاستعمال الثالث: جَعْلُ المسند في مقابلة الانقطاع، فالمسند ما اتصل إسناده إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يكون إلا مرفوعًا، أو ما اتصل إسناده إلى منتهاه فيكون مرفوعًا ومقطوعًا، وربما قصره بعضهم على ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- دون غيره، وهو على هذا الاستعمال نوع من أنواع علوم الحديث الخمسة والستين التي عدها ابن الصلاح، وتبعه النووي، وابن كثير، والعراقي -رحمهم الله- وغيرهم.

الاستعمال الرابع: هو الكتاب الذي أُلِّف على طريقة خاصة، والمصنِّف على هذه الطريقة لا تهمه المعاني التي يشير إليها الحديث، ولا تشغله الأحكام المستنبطة منه، وإنما يُعنَى بجمع مرويات الصحابي الواحد في الموضع الواحد دون ترتيب لها على أبواب الفقه أو على أبجديتها، وإنما المهم في الترتيب أنها من مرويات هذا الصحابي، فالذي يجمع مثلًا مرويات عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- يُعَنْوِن لذلك بهذا العنوان (مسند عبد الله بن عمر)، وتقرأ تحت هذا العنوان حديثًا في فضل الصيام بجواره آخر في الأحكام، وثالثٍ في الدماء، ورابعٍ في الفضائل.. إلخ.

وهم يتفاوتون في ترتيب أصحاب المسانيد الذين يجمعون مروياتهم وتختلف اعتباراتهم في هذا الترتيب، فهناك من يرتب أسماء الصحابة على القبائل فيقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وهناك من يرتب على السبق في الإسلام فيقدم العشرة المبشرين بالجنة، ثم من بعدهم كما فعل الإمام أحمد، وهناك من رتب أسماء الصحابة على حروف المعجم.

أشهر المصنفات على هذه الطريقة في القرن الثاني الهجري:

المسند لأبي داود الطيالسي: إنه الحافظ الكبير أبو داود وتلك كنيته التي اشتهر بها مع لقبه الطَّيَالِسي [الطيالسي: بفتح الطاء والياء وسكون الألف وكسر اللام - هذه النسبة إلى الطيالسة التي تجعل على العمائم. اللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير ٢/٢٩٣]، واسمه سليمان بن داود بن الجارود البصري، ولد سنة أربع وعشرين ومائة، وذكروا أنه توفي سنة أربع ومائتين، فهو من أعلام القرن الثاني الذي استغرق أكثر عمره -رحمه الله.

لقي نجوم الرواية في عصره وأخذ عنهم فأخذ عن: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج -رحمهم الله، وآخرين.

وروى عنه من الأعلام: الإمام أحمد، وعلي بن المديني -رحمهما الله، وعِدَّة.

 قال عن نفسه: "أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر"، وقال عنه علي بن المديني: "ما رأيت أحفظ منه"، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: "ثقة حافظ، غلط في أحاديث". [انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٢٤، وتذكرة الحفاظ١/ ٣٥١، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٨٢]

 منهج أبي داود في مسنده:

يعد هذا المسند من أقدم المسانيد باعتبار الحقبة الزمنية التي عاش فيها من نُسب إليه، وليس هو، ولا مسند الشافعي، ولا مسانيد أبي حنيفة من جمع هؤلاء الأئمة، وإنما هي من جمع أناس جاءوا بعدهم، ولذا نقل السيوطي عن العراقي قوله: يقال: إن أول مسند صُنِّف مسند الطيالسي، قيل: والذي حمل قائل هذا القول عليه تقدم عصر أبي داود على أعصار من صَنَّف المسانيد وظن أنه هو صنفه وليس كذلك، فإنما هو من جمع بعض الحفاظ الخراسانيين، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب خاصة عنه، وشذَّ عنه كثير منه، ويشبه هذا مسند الشافعي، فإنه ليس تصنيفَه، وإنما لَقَطَه بعض الحفاظ النيسابوريين من مسموع الأصم من الأم وسمعه عليه، فإنه كان سمع الأم أو غالبها على الربيع عن الشافعي. [تدريب الراوي، ص ١٧٤- ١٧٥]

والواقف على الكتاب يجده صغير الحجم لا يمثل ما قيل عن حفظ صاحبه، وهو مطبوع في أحد عشر جزءًا صغيرًا جدًا - وهي في مجلد واحد - طبعته دائرة المعارف النظامية بمدينة حيدر آباد الدكن بالهند سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وعشرين من الهجرة، وعدد أحاديثه حسب الترقيم الوارد في هذه النسخة، ألفان وسبعمائة وسبعة وستون حديثًا.

وقد رتب الكتاب على أساس السبق إلى الإسلام، فقدَّم مسانيد العشرة المبشرين بالجنة، ثم أعقب العشرة بمسند ابن مسعود -رضي الله عنهم-، الذي انتهى الجزء الأول في الصفحة الأربعين قبل أن يتم، ثم أكمل في الجزء الثاني، وجاء بعده مسند حذيفة بن اليمان، فمسند أبي ذر، فمسند أبي موسي الأشعري -رضي الله عنه، فمسند أبي بن كعب -رضي الله عنه، فمسند معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وهكذا إلى أن يصل إلى الجزء السادس ويذكر فيه جماعة من غير المشاهير كعبد الله بن حوالة، وعرفجة بن أسعد، وهلال المازني -رضي الله عنهم- وغيرهم.

ثم بدأ الجزء السابع بمسند عائشة فحفصة فزينب فأم حبيبة فأم سلمة فأم هانئ -رضي الله عنهن، وهكذا يسترسل مع مسانيد هؤلاء الفضليات: إلى أن يصل إلى أم عمارة -رضي الله عنها- التي أنهى بحديثها مسانيد النساء، فمسند جابر -رضي الله عنه-، الذي أكمله في الجزء الثامن، فمسند عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما، فمسند أنس بن مالك -رضي الله عنه، ثم مسند أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه، فمسند عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما، فمسند أبي هريرة -رضي الله عنه، ثم مسند ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي ختم به الكتاب.

ولك على هذ الترتيب الملاحظات الآتية:

١- روعي فيه السبق إلى الإسلام أولًا، ثم بعد ذلك تعي عن التماس أي مبرر للترتيب.

٢- ذكر المغمورين قبل المشهورين.

٣- قد يذكر المسند ولا يذكر تحته إلا الحديث الواحد والحديثين.

٤- قد يتكرر عنده اسم الصحابي الواحد، كما حدث في الشريد بن سويد -رضي الله عنه، وغيره.

٥- أفرد النساء بالذكر من غير مراعاة ترتيب بينهن في الفضل أو كثرة الرواية، والأعجب إقحام جماعة منهن بين أمهات المؤمنين.

٦- لا ندري على أي أساس تأخر ذكر المكثرين، وتركت الرواية عن بعض اللامعين كسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وزينب بنت أبي سلمة، وأم عطية الأنصارية -رضي الله عنهم، فإن قيل: أهملت الرواية عن هؤلاء لقلة حديثهم، قلنا: ربما ذكر من يروي له حديثًا واحدًا، ومهما يكن من أمر فمسند أبي داود الطيالسي أحد الكتب المؤلفة على المسانيد، ومؤلفه المنسوب إليه حافظ كبير له فيه الرواية والنقل، ولمن جاء بعده من الخراسانيين الجمع والترتيب وقد حصل الكتاب من الشهرة على أكبر نصيب.  

ومن المسانيد أيضًا مسند أَسَد بن موسى بن ابراهيم القرشي الأموري المعروف بأسد السنة المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائتين. [انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/ ٣٣٨، وسير أعلام النبلاء ١٦٢/ ١٠]

ثالثًا: المُوطَّآت:

الإمام مالك وكتابه الموطأ: إمام دار الهجرة وعالمها ومحدثها وفقيهها أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، من ذرية ملوك حمير، وهو عربي أصيل، ولم يختلفوا في أنه من ولد قحطان، ولد -رضي الله عنه- بالمدينة سنة ثلاث وتسعين على الأصح، وقيل: سنة أربع أو خمس وتسعين، وبعد حياة مباركة طيبة فياضة بالخير والبركة قضى الإمام نحبه ولقي ربه في الحادي عشر أو الرابع عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فرضي الله عن الإمام مالك وأرضاه وطيب ثراه، وجعل الجنة مثواه. [انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥/ ٤٥، ومقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ١/ ١١-٣٢، وصفة الصفوة، لابن الجوزي٢/ ١٧٧-١٨٠، وفيات الأعيان، لابن خلكان ٤/ ١٣٥-١٣٩، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٧-٢١٣، والبداية والنهاية ١٠/ ١٧٤-١٧٥، وتهذيب التهذيب ٥/ ٩-١٠، وفي مجلد كامل يقارب الأربعمائة صفحة بعنوان (مالك حياته وعصره - آراؤه وفقهه) لأبي زهرة، والحديث والمحدثون، لأبي زهرة، ص ٢٨٧-٢٩٠]

الموطأ:

في سبب تسميته بهذا الاسم، ذكر السيوطي [تنوير الحوالك ١/٧] عن مالك قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته، (الموطأ)، ولفظة الموطأ بمعنى المُمَهَّد المُنَقَّح، والموطأ من أشهر المصنفات الحديثية، ورتبته تجيء بعد رتبة الصحيحين عند أكثر المحدثين، ومنهم من يرى أنه بالتقديم عليهما قمين.

وقد نقل السيوطي عن الشافعي -رحمهما الله- قوله: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، ونقل أيضًا عن ابن العربي المالكي -رحمه الله- صاحب عارضة الأحوذي والمتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، نقل عنه السيوطي -رحمه الله- قوله: "الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بني الجميع كمسلم والترمذي".

ثم قال السيوطي -رحمه الله: وقال الحافظ مغلطاي: "أول من صنف الصحيح مالك".

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: "كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده، على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما".

قلت - القائل هو السيوطي: ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الاحتجاج بالمرسل فهي أيضًا عندنا حجة، لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد، وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شي.

وقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثًا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف:

أحدها: «إنِّي لا أَنسى، ولَكني أُنَسَّى لأَسُنَّ».

الثاني: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-أُرِى أعمارَ الناسِ قبله، أو ما شاءَ اللهُ من ذلك، فكأنَّه تقاصَرَتْ أعمارُ أمتِه...».

الثالث: قول معاذ -رضي الله عنه: آخرُ ما أوصاني به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقد وضعتُ رِجلي في الغَرْزِ أن قال: «حسِّن خُلُقَكَ للناسِ».

الرابع: «إذا أَنشَأتَ بَحرِيَّةً، ثمَّ تَشَاءَمتَ، فَتِلكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ». [السابق ١/ ٦-٩ بتصرف]

وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث الأربعة بأن معاني هذه الأحاديث صحيحة واستشهدوا لها بما في كتب السنة، ولكن الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- في كتابه (إضاءة الحالك) نقل عن ابن الصلاح -رحمه الله- أنه وصل هذه الأحاديث الأربعة. [السنة ومكانتها في التشريع د/ السباعي، ص ٤٣٣]

منهج الإمام مالك في الموطأ:

ألف الإمام مالك - رحمه الله - كتابه على الأبواب، ولم يتقيد فيه بالأحاديث المرفوعة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ بل جمع فيه أيضًا أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.

وطريقته فيه:

- أن يذكر في مقدمة الموضوع ما ورد فيه من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم ما ورد من أقوال الصحابة، ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وقل أن يكونوا من غير أهل المدينة.

- وأحيانًا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجمع عليه بالمدينة، وقد يذكر بعض الآراء الفقهية له.

- ولم يتقيد الإمام في الموطأ بالمسند المتصل بل ذكر فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، وهي التي يقول فيها الإمام مالك بلغني أو نحوه من غير أن يبين من روى عنه، كقوله: "بلغني عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ».

- ولقد اعتنى الإمام مالك بالحديث رواية ودراية، ولذلك كانت أحاديثه في الموطأ منتقاة، ووصف ابن عبد البر مالكًا في روايته وصفًا موجزًا محكمًا فقال: "إن مالكًا كان من أشد الناس تركًا لشذوذ العلم وأشدهم انتقادًا للرجال، وأقلهم تكلفًا، وأتقنهم حفظًا، ولذلك صار إمامًا" [مناقب مالك، للزواوي ص ٣٣، مطبوع قبل المدونة] هذا شأن الموطأ في أحاديثه.

- أما فقهه: فقد كان بعضه تخريجًا للأحاديث، وبعضه بيانًا للأمر الذي كان مجمعًا عليه بالمدينة، وبعضه بيانًا لما كان عليه التابعون الذين التقى بهم، وبعضه رأيًا اختاره الإمام مالك من مجموع آرائهم، وبعضه رأيًا رآه قد قاسه على ما علم فهو شبيه بما علم من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وما اجتمع عليه أهل المدينة، وما نقله عن أهل العلم من الصحابة والتابعين.

عدد كتبه وأبوابه وأحاديثه، وتقييمه: قام الأستاذ الكبير/ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله- بتحقيق كتاب الموطأ فأتقن وأجاد وأحسن وأفاد، وبلغ عدد كتبه واحدًا وستين كتابًا تشتمل على سبعمائة وثلاثة أبواب، وقد رقم الكتب مجتمعة، ثم أفرد كل كتاب بترقيم يخصه في الأبواب والأحاديث.

وقد تفاوتت عبارات العلماء في عدد أحاديث الموطأ، قلة وكثرة تبعًا لتفاوت رواياته زيادة ونقصًا.

قال أبو بكر الأَبْهَري: "جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.

وقال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة: "أحصيت ما في موطأ مالك فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفًا، وفيه ثلاث مائة ونيف مرسلًا، وفيه نيف وسبعون حديثًا قد ترك مالك نفسُه العملَ بها، وفيه أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء.

ومن هنا يتبين لنا تجاوز الذين قدموا الموطأ على الصحيحين واعتبروه اللباب، واعتبروا صحيح البخاري الأصل الثاني في هذا الباب كابن العربي، وغيره.

وأما اعتبار الشافعي الموطأ أصح شيء بعد كتاب الله فمرد ذلك وتأويله إلى أنه قاله قبل أن تشرق شمسا الصحيحين، ولو قُدِّر له أن يعيش إلى زمنهما وأن يقف عليهما لما قدم عليهما شيئًا.

وقد عَدَّ ابن الأثير -رحمه الله- (المتوفى: سنة ست وستمائة) في كتابه (جامع الأصول من أحاديث الرسول) الموطأ سادس الكتب الستة، ورأى أنه أحق من سنن ابن ماجه بذلك، ولم يوافقه أكثر المحدثين على ما ذهب إليه، وقد مال ابن الصلاح -رحمه الله- وغيره إلى جعل الموطأ في الدرجة التي تلي الصحيحين.

والحق أن ما فيه من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحاح كلها وهي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأما ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعده أكثر العلماء في الكتب الصحاح؛ لكثرة ما فيه من المراسيل والبلاغات والمنقطعات وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره.

هذا وقد ذكر ابن عبد البر-رحمه الله- أن عدة أحاديث الموطأ من رواية يحيى بن يحيى ثمانمائة حديث وثلاثة وخمسون حديثًا، وقد راجعت أنا النسخة المحققة فوجدت عدد الأحاديث الموصولة والمرسلة ألفًا وثمانمائة وأربعة عشر عدا الموقوف والآراء الفقهية.

وقد ذكر فضيلة الأستاذ الدكتور/ أبو شهبة، أنه راجع عَدَّ ابن عبد البر فوجده دقيقًا جدًا. [أعلام المحدثين د/ محمد أبو شهبة، ص ٥٨]

روايات الموطأ وأشهر رواته:

قد رُوِي الموطأ بروايات مختلفة تتفاوت في ترتيب الأبواب وعدد الأحاديث، وقد ذكر القاضي عياض أن الذي اشتهر من نسخ الموطأ نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون.

وقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي: "الموطآت عن مالك أحد عشر معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيي، وموطأ ابن بكير، وموطأ أبي مصعب، وموطأ ابن وهب، ثم ضعف الاستعمال في الأخيرين".

وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي -رحمه الله- (المتوفى سنة ١١٣٩هـ) في كتابه: (بستان العارفين) المؤلف بالفارسية: إن نُسَخَ الموطأ التي توجد في بلاد العرب في هذه الأيام متعددة، عَدَّ منها ست عشرة نسخة، كل نسخة عن راوٍ خاص. [السابق، ص ٥٦-٥٧]

ومن الروايات المشهورة المشروحة التي تدور في أيدي الناس الآن، رواية يحيى بن يحيى الأندلسي، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، ولا يُعترض على الموطأ بما بين رواياته من تفاوت بالزيادة أو النقصان، أو بالتقديم والتأخير في الأبواب؛ لأن مالكًا -رضي الله عنه- ظل يرتب فيه ويحذف منه إلى قرب وفاته.

وقد كان الموطأ يشتمل على عشرة آلاف حديث، فما زالت معالجته إلى أن آل حاله إلى ما هو عليه، وليس بلازم أن يتحد الناس في زمان سماعه، فتتحد الروايات عددًا وتنظيمًا، وإنما الذي حدث تتابع السماع على الإمام، فروى كل ما سمع في زمانه، فتتفاوت النُّسخ لذلك، ولا يضير الموطأ هذا التفاوت، فالمعول عليه صحة السماع وانضباط النقل، على أن الأئمة الشراح تعرضوا لبيان تلك الزيادات في بعض النسخ عن بعض، كما فعل ابن عبد البر -رحمه الله- في آخر كتابه (التقصي)، حيث أشار إلى زيادات (يحيى) ورتبها على حروف المعجم.

أشهر شروح الموطأ:

١- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي -رحمه الله- (المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة).

٢- الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار مما رسمه مالك في موطئه من الرأي والآثار، وهو لابن عبد البر أيضًا، ومادته هي التي في التمهيد ولكن الاختلاف في الترتيب والتنسيق.

٣- تنوير الحوالك، شرح على موطأ مالك لجلال الدين أبي عبد الرحمن السيوطي -رحمه الله- (المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة).

ومن الموطآت موطأ عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري، (المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة).

رابعًا: الجوامع

من المصنفات التي ظهرت في القرن الثاني الهجري ما عرف باسم الجوامع، والجامع في اصطلاح المحدثين كتاب الحديث المرتب على الأبواب، والذي يوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه، وعددها ثمانية أبواب رئيسة، وهي: العقائد، الأحكام، السير، الآداب، التفسير، الفتن، أشراط الساعة، المناقب. [منهج النقد في علوم الحديث د/ نور الدين عتر، ص ١٩٨ - ١٩٩]

الجامع لمعمر بن راشد من أشهر هذه الجوامع:

مؤلفه مَعْمَر بن راشد، أبو عروة بن عمرو الأَزْدِي الإمام الحافظ، ولد سنة خمس أو ست وتسعين، شهد جنازة الحسن البصري وطلب العلم وهو حَدَث.

 حَدَّث عن: قتادة، والزهري، وهمام بن منبه، وطبقتهم، وعنه: السفيانان، وابن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وخلق.

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "لست تضم معمرًا إلى أحد إلا وجدته فوقه". [سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠]

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله: "ثقة ثبت فاضل". [تقريب التهذيب ٢/ ٢٦٦]

وقال صاحب شذرات الذهب: "وله الجامع المشهور في السير أقدم من الموطأ" [١/ ٢٣٥]، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائة.

وقد روى عنه الجامع تلميذه الحافظ أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المولود سنة ست وعشرين ومائة، والمتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين.

ولقد لزم عبد الرزاق شيخه معمر بن راشد وأكثر في الأخذ عنه، يقول عبد الرزاق: "كتبت عن معمر عشرة آلاف حديث". [سير أعلام النبلاء ٧/ ١١]

وكتاب الجامع لمعمر بن راشد مطبوع بآخر مصنف عبد الرزاق يبدأ بالحديث رقم (١٩٤١٩)، وينتهي بالحديث رقم (٢١٠٣٣)، ويبدأ بباب وجوب الاستئذان، ثم يتبعه بأبواب في الاستئذان والسلام، ثم بابين في الخاتم والتختم، ثم آخرين في ركوب الدابة، ثم باب كم الشهر، ثم باب الطيرة، ثم بابين في المجذوم، ثم عود إلى الطيرة، ثم أبواب في الأكل والأطعمة، ثم باب قتل الكلاب والحية والعقرب، ثم باب حب المال، ثم باب الدعاء، ثم باب في أسماء الله -تعالى- وأسماء النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم باب في هديَّة المُشْرِك، وهكذا يستمر الجامع إلى أن ينتهي بباب بر الوالدين.

وقد ترى التناسق بين أبوابه في بعض الأحيان مما يصلح أن تكون تحت كتاب واحد، وفي أحيان أخرى تعجز أن تؤلف بينها، والملاحظ على موضوعات الجامع أنها ليست قاصرة على السير كما قال صاحب الشذرات.

والملاحظ أيضًا أن عبد الرزاق راوي الجامع أدخل فيه بعض الروايات من غير طريق معمر، وإن كانت هذه الروايات قليلة، وذلك مثل الحديث رقم (١٩٤٤٠)، قال فيه عبد الرزاق: عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والَّذي نفس محمد بيدِه لا تدخلوا الجنَّةَ حتّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتّى تحابُّوا ألا أُخْبركم بما تحابون عليه؟ أفشوا السَّلامَ بينَكم». [المصنف ٣٨٦/١٠]

وابن طاووس هذا الذي روى عنه عبد الرزاق عنعنة هو شيخ معمر، وهو عبد الله بن طاووس بن كيسان اليماني وروايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلة، ومثل حديث رقم (١٩٤٨٢)، قال فيه عبد الرزاق: عن أيوب عن عكرمة قال: "رَكِبَ النَّبِيُّ دابَّةً، وَحَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ خَلْفَهُ". [السابق ٣٩٧/١٠]

ومثل حديث رقم (١٩٦٤٣)، يقول فيه عبد الرزاق: "عن الزهري عن رجل عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يُستجابُ لأحدِكم ما لَم يَعْجَلْ، فَيقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُ فَلَمْ يُستجَبْ لِي» [السابق ١٠/ ٤٤١-٤٤٢]، وكذلك أيوب الذي روى عنه عبد الرزاق عنعنة هو السختياني شيخ معمر، والزهري في المثال الثالث شيخ معمر أيضًا، وهذه الأمثلة الثلاثة تجاوز فيها عبد الرزاق شيخه معمرًا وروى عن شيوخه عنعنة، والقاسم المشترك بينها أنها بعد معمر غير متصلة فالمثالان الأولان مرسلان والثالث فيه مبهم، وهو الراوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، فلعل عبد الرزاق اختصر الإسناد وأسقط شيخه إشارة إلى انقطاع الإسناد فوقه.

الجامع لعبد الله بن وهب:

عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد الفِهْري [الفهري: بكسر الفاء وسكون الهاء وفي آخرها راء، نسبة إلى فهر بن مالك. اللباب في تهذيب الأنساب٢/٤٤٨] المصري الحافظ، ولد سنة خمس وعشرين ومائة.

روى عن: ابن جريج، وحيوة بن شريح، ومالك، والليث، وابن لهيعة، وخَلْق، وروى عنه: شيخه الليث، وابن مهدي، وحرملة بن يحيى، وعِدَّة.

قال عنه الحافظ بن حجر - رحمه الله: "ثقة حافظ عابد من التاسعة"، [تقريب التهذيب١/ ٤٦٠، وانظر ترجمته في: سير الأعلام ٩/ ٢٢٣، وتهذيب التهذيب ٦/ ٧١] مات سنة سبع وتسعين ومائة -رحمه الله.

اعتنى عبد الله بن وهب بتدوين الحديث وكتابته في مؤلفات عد منها الحافظ الذهبي، [سير الأعلام٩/٢٢٥]: الموطأ، والجامع، والبيعة، والمناسك، والمغازي، والردة، وكتاب تفسير غريب الموطأ، وكما نرى في هذه النماذج التي ذكرها الذهبي أن مصنفات ابن وهب تتعدد وتتنوع، ويوجد بينها التأليف الموضوعي في الحديث.

وقد طبع كتاب الجامع بتحقيق الدكتور / مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير، حققه في رسالته: العالمية (الدكتوراة)، وقد وجدت مخطوطته في مدينة أدفو بأسوان، ويرجع تاريخ كتابتها إلى القرن الثالث الهجري، وهي مسجلة بدار الكتب المصرية.

وقد اشتمل الجامع على أحاديث بلغت سبعة عشر وسبعمائة، وهي مروية بالأسانيد كل حديث بإسناد على حدة، وبعضها متصل مسند، وبعضها مرسل أو معضل، وفيها ما هو بلاغ بلا إسناد يقول فيه ابن وهب: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال... كما في الحديث رقم (١٦٩).

واحتوى الجامع على الكتب الآتية: الأنساب... الصمت... الخاتم... الطيرة والعدوى والهام والصفر والغول.

ومن الجوامع أيضًا الجامع الكبير والصغير لسفيان الثوري - رحمه الله-.

خامسًا: التصنيف في السيرة النبوية والمغازي

السيرة النبوية والمغازي لمحمد بن إسحاق:

من الأسماء التي لمعت في عالم الرواية العلامة الحافظ الإخباري محمد بن إسحاق بن يَسَار القرشي المُطَّلِبِي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية -على ما وصفه الذهبي- [في سير أعلام النبلاء ٧/٣٣] كنيته أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله.

ولد سنة ثمانين، ورأى أنس بن مالك -رضي الله عنه- بالمدينة، وسعيد بن المسيب، وروى عن جمع من التابعين منهم أبوه، وعمه موسى بن يسار، وأبان بن عثمان، وغيرهم.

 روى عنه من الأئمة الكبار: يزيد بن أبي حبيب وهو من شيوخه، وشعبة والثوري والحَمَّادان، وخَلْق كثير.

وقد استفاض ثناء الأئمة عليه ومدحهم له من ذلك قول الزهري -رحمه الله-: "لا يزال بالمدينة علم ما بقي هذا (يعني ابن إسحاق)"، وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق"، فابن إسحاق عَلَم المغازي والسِّير، وأمير المؤمنين فيها، ومحدث يجيد كل فن، يروي له أصحاب السنن، وهو صدوق عند أكثر أئمة الجرح والتعديل، تقبل روايته إلا إذا دلَّس، ومع ذلك فأكثر عنعنته صرح فيها بالسماع من طرق أخرى. مات -رحمه الله- سنة خمسين ومائة، وقيل: بعدها [انظر: الجرح والتعديل ٧/ ١٩١، وتاريخ بغداد ١/ ٢١٤، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٧٢، وتهذيب التهذيب٩/ ٣٨]

التعريف بكتابه:

كتاب ابن إسحاق في السيرة والذي جاء على ثلاثة أجزاء، جزء كان في الابتداء، فعن سرد قصص الأنبياء، وحكاية ما جرى منذ أن كانت الخليقة على وجه البسيطة إلى عهد النبوة الخاتمة، ثم كان الجزء الثاني سردًا تفصيليًا لوقائع السيرة، وكان الجزء الثالث في سيرة الخلفاء الراشدين، ثم في تاريخ الأمويين.

كتاب ابن إسحاق على هذا الترتيب لم يصلنا ولم نقف عليه، وإنما وصلنا بدقة وتهذيب وحسن وترتيب ما يخص السيرة النبوية بواسطة رَاوِيَة ابن إسحاق النجيب: ابن هشام، فابن هشام هو الذي أَشْهَر سيرة ابن إسحاق وهذَّبها، ولم يتتلمذ ابن هشام على ابن إسحاق، ولم يأخذ عنه السيرة مشافهة، وإنما رواها عنه بوسائط وأكثر من دارت عليه رواية ابنِ هشام: أبو محمد زياد بن عبد الله البَكَّائي - بفتح أوله وتشديد ثانيه - نسبة إلى البكاء صيغة مبالغة من البكاء على ما ضبطه السمعاني [الأنساب ١/٣٨٢]، وهم جماعة من بني عامر بن صعصعة.

وقد نزل زياد الكوفة وأقام بها ونسب إليها وأكثر الأخذَ عن ابن إسحاق وأطال ملازمته حتى إنه قيل: إنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق، وقد أخرج البخاري ومسلم للبكائي، وقد وثق لا سيما في ابن إسحاق، كما قال ابن معين وغيره، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. [انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٩، وطبقات ابن سعد ٦/ ٣٩٦، ووفيات الأعيان ١/ ٨٦، وتهذيب الكمال٩/ ٤٨٥، وتهذيب التهذيب٣/ ٣٧٥]

أما ابن هشام راوي السيرة ومهذبها فهو: عبد الملك بن هشام بن أيوب، العلامة النحوي الإخباري أبو مجد الذهلي وقيل: العميري، المتوفى سنة ثمان عشرة ومائتين. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٢٨، ووفيات الأعيان ٣/ ١٧٧، وحسن المحاضرة ١/ ٥٣١]

 ما الذي أخذ ابن هشام وما الذي ترك؟

 أسفر ابن هشام عن منهجه، وأبان الذي أخذ من كتاب ابن إسحاق وأشار إلى الذي ترك؛ حيث قال: وأنا -إن شاء الله- مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومَن وَلَد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ولده، وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول، من إسماعيل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة للاختصار، إلى حديث سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له، ولا شاهدًا عليه، لما ذكرت مِن الاختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يَشْنُع الحديث به، وبعضٌ يَسُوء بعضَ الناسِ ذِكْرُه، وبعضٌ لم يُقِر لنا البَكَّائي بروايته، ومُستقصٍ -إن شاء الله تعالى- ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به. [سيرة ابن هشام ٤/١]

هكذا أعرب بيانُه ما خط بنانُه، وهاك تلخيص هذا المنهج الدقيق العميق:

أولًا: بدأ الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم -عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم- فإبراهيم أبو الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- وإسماعيل أبو العرب الذين بُعث فيهم نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ثم يستطرد ابن هشام فيتابع الكلام عن ولد إسماعيل -عليه السلام- الذين جاءوا في النسب الشريف، أي الآباء المباشرون، الذين تسلسل منهم، وجاء من أصلابهم سيد ولد آدم -عليه السلام- مرتِّبًا لهم الأول فالأول إلى أن يصل إلى عبد الله بن عبد المطلب.

ثانيًا: ترك ابن هشام الكلام عن غير آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- المباشرين من ولد إسماعيل طلبًا للاختصار، وقاصدًا مباشرة إلى سرد أحداث السيرة العطرة.

ثالثًا: ترك ابن هشام من كلام ابن إسحاق ما ليس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذِكْرٌ فيه.

رابعًا: ترك الذي لم ينزل فيه شي، من القرآن.

خامسًا: ترك كل ما ليس له اتصال بهذا الكتاب، وكل ما لم يعش على بيانه أو يقرب منه.

سادسًا: ترك كثيرًا من الأشعار التي ذكرها ابن إسحاق غير منسوبة فظلت مبهمة حتى على ذوي الرواية والدراية للشعر وبه، وكأنه يؤسس لما ذكر بعد ابن النديم في المقالة الثالثة من أن هناك أسفارًا انتحلت لابن إسحاق وذكرها.

سابعًا: ترك الكلام على أشياء رأى أن ذكره يشنع، وسردها يستبشع.

ثامنًا: ترك ابن هشام ما رأى أن ذكره يسوء بعض الناس، وقد سمح بذلك لبعض الأيدي أن تشير إليه بأصابع الاتهام تزعم أنه جامل بعض الخلفاء بترك هذه الأشياء وتجنب إغضابهم.

تاسعًا: ترك ابن هشام من كلام ابن إسحاق ما لم يقر له البَكَّائي بروايته، ولعله رأى أن البَكَّائي أوثق مَن نقل كتاب ابن إسحاق والعجب قائم منه لسرده أخبارًا من غير طريق زياد البَكَّائي على ما يَبِين لك في الكتاب.

عاشرًا: أفاد ابن هشام تحريه استقصاء كلام ابن إسحاق فيما عدا هذه الأمور التي تركها، وانظر إلى دقته، إنه مستقصٍ في ذكر الخبر بمبلغ الرواية له، والعلم به، ومعنى هذا أنه يدقق فيما ينقل، ويستيقن مما يثبت.

المغازي لأَبَانَ بن عثمان:

يرى المصنفون في السيرة أن من أوائل المتكلمين فيها التابعي الجليل: أبان بن عثمان بن عفان، وكان أبان امتدادًا لأبيه (الخليفة الثالث -رضي الله عنه-) في صلاحه وورعه.

ترى هل أفرد أبان هذا الكلام عن السيرة، من حيث الاصطلاح الشائع، أم أنه كبقية جيله من التابعين بإحسان اشتغل بالرواية، فعده الكثيرُ مِن المشتغلين بالسيرة، ومِن أوائل المتكلمين فيها.

قال الأستاذ الدكتور/ أبو شهبة -رحمه الله-: "وأول من عرف بالمغازي والسيرة جماعة، منهم أبان بن عثمان بن عفان، ابن الخليفة الثالث -رضي الله عنه- وكان أبان واليًا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين، وعرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جمعت لم تكن إلا صحفًا فيها أحاديث عن وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأيامه ومغازيه، وقد فُقِدَت فيما فُقِدَ من كتب المسلمين". [السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١/٢٨]

وعلى هذا أيضًا الأستاذ الدكتور/ عبد الموجود محمد عبد اللطيف [الفصول الزكية في سيرة خير البرية -صلى الله عليه وسلم- ص ١٢]

وقد حقق أ. د/ بشار عواد في سنة وفاة أبان، وفي كونه من أوائل المتكلمين في السيرة، تحقيقًا طيبًا دقيقًا فقال: "هكذا قال المزي: إن خليفة -يعني ابن خياط- ذكر وفاته سنة ١٠٥هـ، وهو وَهْمٌ تابعه عليه الناس مثل الذهبي في بعض كتبه وغيره، في حين أن الذي قاله خليفة هو ما قاله ابن سعد أيضًا، وهو أنه توفي في خلافة يزيد بن عبد الملك [تاريخه: ص ٣٣٦ من الطبعة العمرية الثانية]، وكان ذكر قبل هذا أن يزيد بن عبد الملك مات سنة ١٠٥هـ [ص ٣٣١]، ونقل العلامة مغلطاي عن كتاب [التعريف بصحيح التاريخ]، لأبي جعفر بن أبي خالد أنه توفي سنة ١٠٢بالمدينة [إكمال ٤٣/ ١] قال بشار: "وكانت ولاية يزيد بن عبد الملك بعد وفاة عمر بن عبد العزيز في أواخر رجب ١٠١هـ، فتكون وفاته بعد هذا التاريخ، ولا عبرة بعد ذلك بقول من قال بوفاته قبل هذا التاريخ" [انظر مثلًا: الوافي، للصفدي٥/ ٣٠١]، وتوهم جملة من الباحثين فنسبوا تأليفًا وعناية بالمغازي لأبان بن عثمان بن عفان هذا [انظر مثلًا بحث في نشأة علم التاريخ لأستاذنا الدوري: ٢٠-٢١]، ولم تكن له عناية بها، إنما ذاك شخص آخر هو أبان بن عثمان بن زكريا اللؤلؤي البجلي مولاهم، أبو عبد الله المعروف بالأحمر، اتهمه العقيلي، وقال الإمام الذهبي في ديوان الضعفاء والمتروكين: "تُكُلِّمَ فيه"، وقال في الميزان: "ولم يُترك بالكلية". وقد ذكره الطوسي في فهرسته وغيره، وقال الصفدي: "وما عرف من مصنفاته إلا كتاب جمع فيه المبتدأ والمبعث والمغازي والوفاة والسقيفة والردة، فليصحح هذا الوهم". [اقرأ تعليقات د/ بشار عواد على تهذيب المزي ١٩/ ٢]

فالصفدي يجزم بأن للؤلؤي كتابًا في السيرة، ويكون لسميه أبان عثمان بن عفان كلام في السيرة بمعنى السنة واشتغال بالرواية، ثم إن المترجمين له لم يشيروا من قريب أو من بعيد إلى اختصاصه أو شهرته بالكلام في السيرة، وانظر ترجمته عند ابن سعد [الطبقات٥/ ١١٢]، وخليفة بن خياط [السابق ص ٢٤٠]، وابن قتيبة [المعارف، ص ٢٠١]، ووكيع [أخبار القضاة١/ ١٢٩]، وابن أبي حاتم [مقدمة الجرح والتعديل ١/ ٢٩٥]، والنووي [تهذيب الأسماء واللغات١/ ٩٧]، والمزي [تهذيب الكمال ٢/ ١٦]، وابن كثير [البداية والنهاية٩/ ٢٦٢]، وابن حجر [تهذيب التهذيب ١/ ٩٧]، وابن تغري بردي [النجوم الزاهرة١/ ٢٥٣]، وابن العماد [شذرات الذهب٢/ ٣٥]، وابن عساكر [تهذيب تاريخ دمشق [٣/ ٢٤١]

سادسًا: التأليف في أحد الأبواب بخصوصه

كتاب الجهاد والزهد لعبد الله بن المبارك: أحد أعيان القرن الثاني الهجري، علم من أعلام الرواية فيه، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح، فخر المجاهدين وقدوة الزاهدين، ولد سنة ثماني عشرة ومائة.

 سمع: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، وأممًا سواهم، وحدث عنه: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وخَلْق كثير.

وقد منح الله ابن المبارك التقوى والعبادة والإخلاص والجهاد، وسعة العلم والإتقان والمواساة وما لا يحصى من الصفات الحميدة، قال ابن مهدي: الأئمة أربعة: مالك، والثوري، وحماد بن زيد، وابن المبارك.

وقال ابن معين: كان ثقة متثبتًا، وكانت كتبه التي حدَّث بها نحوًا من عشرين ألف حديث. توفى -رحمه الله- سنة إحدى وثمانين ومائة. [انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ١٠/ ١٥٢، ووفيات الأعيان ٢/ ٢٣٧، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤، وتهذيب التهذيب ٣٨٢/ ٥]

وقد وصف الذهبي عبد الله بن المبارك بأنه (صاحب التصانيف النافعة) [تذكرة الحفاظ ١/٢٧٥]، عَدَّ منها محقق كتاب الجهاد تسعة مصنفات، سنقف على كتابين منها مؤلفين في باب خاص وهما:

١- كتاب الجهاد:

وقد طبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بتحقيق الدكتور/ نزيه حماد الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة سابقًا (أم القرى حاليًا)، وقد ذكر محقق الكتاب مقدمة ترجم فيها لعبد الله بن المبارك، ثم ذكر كلمة عن الجهاد (موضوع الكتاب) تحدث فيها عن المؤلفات في هذا الموضوع، ثم تحدث عن توثيق نسبة الكتاب لعبد الله بن المبارك من خلال جريان ذكره في كتابات الأئمة المتقدمين، ثم تحدث عن نسخة الكتاب التي اعتمد عليها، وعن رواة الكتاب عن عبد الله بن المبارك، ثم عن منهجه في تحقيق الكتاب.

والكتاب احتوى على مائتين واثنتين وستين رواية بعضها مرفوع وبعضها موقوف على الصحابة أو التابعين، وهي كلها تدور حول موضوع الجهاد، فالعنوان مطابق للمعنون، وليس لعبد الله بن المبارك في هذا الكتاب إلا الرواية، فلم نقف له فيه على شيء من أعمال الدراية أو التعليق على الحديث.

٢- كتاب الزهد

نشر هذا الكتاب في الهند باسم كتاب الزهد والرقائق بتحقيق الأستاذ/ حبيب الرحمن الأعظمي سنة ١٣٨٥هـ - ١٩٦٦م، وقد قدم له محققه بمقدمة ذكر فيها كلمة عن الزهد (موضوع الكتاب)، وأجاب عن تساؤل: ما هي الدنيا المذمومة والمأمور بالزهد فيها؟ ثم تحدث عن درجات الزهد وأقسامه، ثم عن المؤلف في الزهد، ثم تحدث عن نسخ الكتاب التي اعتمد عليها، ثم ترجم لأصحاب سماعات هذه النسخ، ثم ترجم للمصنف عبد الله بن المبارك.

أما الكتاب فمشتمل على حشد من الروايات وتكثر فيه الروايات المرسلة ويستمر ترقيم الروايات حتى نصل إلى رقم ألف وستمائة وسبع وعشرين، ثم يبدأ ترقيم جديد كتب أعلاه: ما رواه نعيم بن حماد في نسخته زائدًا على ما رواه المروزي عن ابن المبارك في كتاب الزهد، ويستمر هذا الترقيم الجديد لهذه الزيادات حتى يصل إلى رقم أربعمائة وست وثلاثين، وعنده تنتهي روايات الكتاب.

ومن المؤلفات في باب خاص كتاب الفرائض لسفيان الثوري، وكتاب المناسك للضحاك بن مزاحم.

الخلاصة

لم تكن جهود التابعين وأتباعهم في خدمة الحديث النبوي مجرد رواية للأخبار فحسب، وإنما كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا لحماية الوحي وصيانة ميراث النبوة، لقد أسسوا مناهج التصنيف المختلفة، وميزوا بين الصحيح السقيم، وقدموا نماذج راقية في التثبت والتدوين، وهكذا غدت أعمالهم صرحًا منيعًا لحفظ السنة، ونبراسًا هاديًا للأمة، فكانوا أمناء صادقين على دين الله، ونفع الله بهم الإسلام والمسلمين.

موضوعات ذات صلة

صدرت السنة النبوية المطهرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأشكال متنوعة، شملت قوله وفعله وإقراره وصفاته الخِلقية والخُلقية.

شهدت السنة النبوية منذ فجرها صيانة دقيقة وعناية متتابعة، حتى بلغت ذروتها في القرن الثالث الهجري الذي اعتُبر العصر الذهبي للتدوين والتأليف في الحديث الشريف.

مناهج المحدثين في الفترة الممتدة من أوائل القرن الحادي عشر إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

موضوعات مختارة