Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المؤسسة الدينية في مصر (٥-٥)

الكاتب

أ.د علي جمعة

المؤسسة الدينية في مصر (٥-٥)

تقف المؤسسة الدينية في مصر شامخة بمنهجها القائم على التثبت والتعقل؛ لتمثل صمام أمان في وجه حملات التشكيك الخارجية، والادعاءات الداخلية، إنها لا تستجيب لضجيج "قيل وقال"، بل تبني مواقفها على أصول علمية رصينة، تجمع بين الحكمة في الدعوة، والدقة في الفهم، والدوام على العمل؛ لإعمار الأرض، وإصلاح النفس.

منهجية التثبت في عصر المعلومات

المؤسسة الدينية في مصر لها موقف واضح في تاريخها وحاضرها من أعداء الإسلام، ومن أدعياء الإسلام، فأعداء الإسلام- وهم من خارج أبنائه- الذين يعادونه، ويرفضون التعاون معه، ويعملون على حربه، وأذية أهله، وأدعياء الإسلام هم من المنتسبين إليه، ولكنهم على قسمين: المنافقين والمرجفين، وحذرنا الله - سبحانه وتعالى - من هذه الطوائف الثلاث، ونعى عليهم.

وموقف المؤسسة الدينية يقوم على امتثال أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فيهم جميعًا، وهذه الأسس نراها واضحة في المصادر التي يأخذ منها المسلمون دينهم، ونرى المعترض على المؤسسة الدينية يريدها أن تنتهج منهجًا آخر، يراه من عاطفته أو انطباعه هو، أو من رغبته وأمنيته إن كان صادقًا، أو من شهوته ومصلحته إن كان قد اختلط عليه الطريق.

فأول الأسس: هو التأكد من المعلومات ووقوعها فعلًا وفهمها فهمًا جيدًا؛ يقول رسول الله ﷺ: «‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌كَرِهَ ‌لَكُمْ ‌ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [متفق عليه: رواه البخاري في كتاب "الزكاة" باب "قول الله تعالى: ﴿لَا یَسۡءَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافࣰاۗ ﴾ وكم الغنى" حديث (١٤٧٧) ، ومسلم في كتاب "الأقضية" باب "النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات" حديث (٥٩٣) من حديث المُغيرة بن شُعبة - رضي الله عنه]، وقال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ ‌وَالظَّنَّ، فَإِنَّ‌‌ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» [متفق عليه: رواه البخاري في كتاب "النكاح" باب "لا يخطب على أخيه حتى ينكح أو يدع" حديث (٥١٤٤)، وفي كتاب "الأدب" باب "ما ينهى عن التحاسد والتدابر" حديث (٦٠٦٤)، وفي باب ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ﴾حديث (٦٠٦٦)، وفي كتاب "الفرائض" باب "تعليم الفرائض" حديث (٦٧٢٤)، ومسلم في كتاب "البر والصلة والآداب" باب "تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش" حديث (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه]، ويقول: «‌بِئْسَ ‌مَطِيَّةُ ‌الرَّجُلِ: زَعَمُوا» [رواه أحمد في "مسنده" (٤/۱۱۹) ، وأبو داود في كتاب "الأدب" باب "في قول الرجل زعموا" حديث (٤٩٧٢) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٥٢/٥) من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي لله عنه]، أي: أسوأ عادة للرجل أن يستخدم لفظة "زعموا"؛ للتلميح عن غرضه، فينقل الأمر بدون تثبت، وكثرة تلك الأخبار التي تستخدم هذا المنهج تكون العقلية الهشَّة التي لا تعتمد على الحقائق في التفكير، بل تعتمد على الإشاعات والأكاذيب والأهواء.

تتبع المؤسسة الدينية منهج التثبت من المعلومات الذي أكد عليه الإسلام، والذي عن طريقه نقل الدين إلينا، ويتم ذلك بخصال الحلم والأناة، وحسن الخلق، والعفو والصفح، والحكمة، قال رسول الله ﷺ لِأَشَجِّ عبد قيس: «إِنَّ ‌فِيكَ ‌لَخَصْلَتَيْنِ ‌يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» [رواه مسلم في كتاب "الإيمان" باب "الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه" حديث (۱۸) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه]، وفي رواية الطبراني: «يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسٌولَهُ» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (۲۰/٣٤٥)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦/ ۱۷۹) حديث (۷۲۰۳)، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (۹/ ۳۸۸) وحسَّنه]، وهذا ما افتقده كثير من المعترضين على المؤسسة الدينية حيث يطالبونها بأن تبادر بعد كل هيعة وميعة، وأن تتبع الأخبار فتتفاعل مع صادقها وكاذبها، وهي لم تفعل هذا في حياتها الطويلة، ولن تفعله إن شاء الله - تعالى؛ لأن ذلك يذهب بجلالها، ويخالف ما تعلمته من دين الله يقول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِیرࣱ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدࣰا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُوا۟ وَٱصۡفَحُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ * وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البقرة: ١٠٩-١١٠]،. . ويقول سبحانه: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾   [النحل:١٢٥]، ويقول سبحانه: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ويقول - أيضًا: ﴿لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ * إِنَّمَا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ قَٰتَلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِیَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰۤ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن یَتَوَلَّهُمۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨-٩]. 

الشمول والعمق في فهم النص

تبني المؤسسة الدينية أحكامها على فهم شامل للقرآن الكريم والسنة المشرفة، وعلى فهم عميق لهما في ذات الوقت، والخروج عن الشمول أو العمق منهي عنه قال تعالى: ﴿أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضࣲۚ فَمَا جَزَاۤءُ مَن یَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡیࣱ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ یُرَدُّونَ إِلَىٰۤ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]، ويقول سبحانه: ﴿یَٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]

ولذا نراها تفرق بين مفهوم القتال ودستوره وبين القتل المحرم، وإرجاف المرجفين يقول تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدࣰا فِیهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِیمࣰا * یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَتَبَیَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنۡ أَلۡقَىٰۤ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنࣰا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِیرَةࣱۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَتَبَیَّنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا﴾ [النساء: ٩٣-٩٤]

الدين والفطرة في مواجهة الأدلجة

وهناك من يتذكر المؤسسة الدينية إذا أرادها؛ لتعليق قصوره أو تقصيره عليها، وتاريخ المؤسسة الدينية أنها اختصت بحماية العبادة والدعوة والعلم الشرعي منذ عصر محمد علي، واستقل التعليم المدني بسيره دون تأثير من المؤسسة الدينية، ونشأت الجامعات ابتداء من الجامعة الأهلية حتى صارت الجامعات المصرية اثنتي عشرة جامعة مستقلة بالمجلس الأعلى للجامعات، وجامعة الأزهر مستقلة في نفسها تتبع المجلس الأعلى للأزهر، ومع هذا نرى بعض دعاة العلمانية ينعون على المؤسسة الدينية فشلهم في تحويل الناس إلى فكر العلمانية الشاملة التي يريدونها، فصار الأمر مضحكًا يدعو إلى الأسف وإلى الشفقة، ونحن ننصح بأن يراجعوا أنفسهم، وأن يدرسوا تاريخ الشعوب، ومقتضيات الفطرة الإنسانية، ومكانة الدين فيها، وأن يعلموا أن التجارب السابقة التي كانت أكثر جدة، وأعمق تأثيرًا مثل: تركيا لم تخرج الناس من الدين، وأن فرنسا تراجع الآن مناهج تعليمها بعد فشل العلمانية في تنحية الدين من حياة الناس، والنتيجة أخرجت جيلًا يرثى لحاله، والرئيس "بوش" يدعو الآن؛ لتدريس نظرية "التصميم الذكي للكون والحياة"، وهي نظرية تشجع فكرة أن هناك قوة خفية تقف وراء التطور البشري، وخلق الكون بجانب نظرية (التطور والنشوء والارتقاء) حيث قال ما نصه: (إن التلاميذ في المدارس ينبغي أن يتعلموا نظرية "التصميم الذكي" كنظرية منافسة للنشأة والتطور) [نقلًا عن صحيفة الواشنطن بوست الأربعاء ٣/ ٨/٢٠٠٥م]، وقد أثارت تصريحات بوش انتقادات حادة من جانب خصوم نظرية "التصميم الذكي" الذين يقولون إنه لا يوجد دليل علمي على تأييدها ولا يوجد أساس تربوي لتدريسها.

ويقول الجانب الأكبر من العلماء في المؤسسة البحثية العلمية إن نظرية "التصميم الذكي" لم تختبر ولكنها مجرد مسعى يتم التسويق له ببراعة؛ لإدخال التفكير الديني - خاصة المسيحي - في تفكير التلاميذ.

نأمل من أولئك أن يقرأوا مصادرهم في الغرب، ولا يقفوا عند ستينيات القرن العشرين، فهناك تجربة قد غيَّرت كثيرًا من الأفكار وكثيرًا من المبادئ والأسس، ونرجو ألا ينطبق عليهم كلام سارتر في مقدمة "معذبو الأرض"؛ حيث يقول (إذا قلنا: هنا أخوة. قالوا: هناك خوه خوه يصيحون بها وهم لا يعرفون معناها).

لقد حمت المؤسسة الدينية العبادة بالاتباع لا الابتداع، وكان منهجها وسطيًّا قائمًا على الحجة والبرهان، وأسس علمية رصينة في مجال التوثيق والفهم، وأدوات منهجية، واهتمت بالدعوة، وكانت الأسس هي: الحكمة والموعظة الحسنة، واهتمت بالعلم، وكان أساسها: المنهج والعقلية العلمية لا الانطباع والخرافة، وهذه الثلاثة هي التي يحتاجها الناس في حياتهم: عبادة مخلصة، ودعوة نيرة، وعلم نافع، يزكي النفس ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠]، وتخرج المسلم الذي يعمر الأرض ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤا۟ إِلَیۡهِۚ إِنَّ رَبِّی قَرِیبࣱ مُّجِیبࣱ﴾ [هود: ٦١]، ويعبد الله على حق ﴿مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]

والمؤسسة الدينية في مسيرتها لا تهتم كثيرًا بالاتهامات، وإنما تسمع للنصيحة، فـ «‌الدِّينُ ‌النَّصِيحَةُ» [رواه مسلم في كتاب "الإيمان"باب"بيان أن الدين النصيحة" حديث (٥٥) من حديث تميم الداري - رضي الله عنه]، ولكن قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِی ٱلۡأَرۡضِ یُضِلُّوكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ إِن یَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]

إتقان العمل، ومواكبة المتغيرات

وإذا كان هذا هو حال المؤسسة الدينية وفكرها، وأنه يمكن الاستفادة منها الاستفادة الأكمل، فنحن نعلم أننا في عالم لا يقف عند حد، وأنه مستمر في سيره وتطوره، وأننا نحتاج إلى العمل ليل نهار من أجل أن نثبّت أقدامنا في هذا العالم، وحتى نستمر في أداء المهمة التي أوكلت إلينا.

إنّ وصفنا لواقع المؤسسة الدينية لا يعني أننا انتهينا من واجبنا، وأننا أدينا ما علينا، بل الذي تعلمناه في تلك المؤسسة ومن مشايخها الكرام- رحمهم الله- أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأن الإنسان عليه أن يقوم بواجب الوقت- وهو دائم ومستمر- وأن: « ‌أَحَبَّ ‌الْأَعْمَالِ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌أَدْوَمُهَا ‌وَإِنْ ‌قَلَّ» [متفق عليه: رواه البخاري في كتاب "الرقاق" باب "القصد والمداومة على العمل" حديث (٦٤٦٤)، (٦٤٦٥) ، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها" باب "فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره" حديث (۷۸۳) من حديث عائشة - رضي الله عنها]، و«‌إنَّ ‌اللَّهَ ‌يُحِبُّ ‌إذَا ‌عَمِلًا ‌أَحَدُكُمْ ‌عَمَلا ‌أَنْ ‌يُتْقِنَهُ» [رواه أبو يعلى في "مسنده" (٧/ ٣٤٩) حديث (٤٣٨٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (۱/٢٧٥) حديث (۸۹۷)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/٣٣٤) حديث (٥۳۱۲) من حديث عائشة - رضي الله عنها]، وأن طلب العلم والعمل من المهد إلى اللحد، ومع المحبرة إلى المقبرة، وإنما ما ذكرناه هو؛ لتصحيح الصورة القائمة التي تصدر عن كثير من الناس من غير علم ولا اطلاع على واقع أو حقيقة، والتي تشتمل على تحميل مسئولية دون إعطاء سلطة، بل مع التأكيد المستمر على نفي السلطة، بل والخوف والفزع بشأنها، وهذا شأنهم إذا سلبت السلطة، فلا تسأل أيها الناصح الكريم من سلبت منه.

مسؤولية التطوير، وتقنيات العصر

المأمول من المؤسسة الدينية أن تدخل في تقنيات العصر، وقد بدأت في الدخول، ولكن هذا يحتاج إلى مال كثير وإلى جهد أكبر وإلى همة لا تتوقف، ونحتاج إلى وجود عالمي متصل بالوجود الداخلي، والتمثيل لدى المؤسسات الدولية، وتحتاج من الجميع الالتفاف إلى مرجعيتها التي كانت لها ولا زالت تقوم بها، ولا ينبغي لمن أراد الاستفادة أن يؤخرها عن مكانها التي جعله الله لها.

تحتاج المؤسسة الدينية إلى قناة فضائية وإلى تقوية جريدتها التي نجحت في إصدارها وإلى نشر مجلتها على مستوى العالم التي تصدر منذ أكثر من ثمانين سنة، وإلى تدريب مستمر على كل المستحدثات والمستجدات.

فاللهم أرشدنا إلى الصواب، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وثبت أفئدتنا على حب الإيمان، والعمل الصالح، وسدد خطانا، وتقبل منا صالح أعمالنا، وافتح علينا فتوح العارفين بك، آمين وصلاة وسلامًا على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الخلاصة

إن المؤسسة الدينية لا تدعي الكمال لكنها تؤمن بأن "العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة"؛ لذا فهي تمضي في طريقها نحو "المأمول" بقلب مفتوح للنصيحة، وعقل مستوعب للتقنية، والحفاظ على جلالها ومرجعيتها ليس مجرد خيار ديني، بل هو مشروع حضاري يضمن بقاء القيم النيرة في عالم متسارع لا يرحم المتذبذبين.

موضوعات ذات صلة

تتشكل المؤسسة الدينية في مصر من أربع هيئات كبرى: هي الأزهر الشريف، وجامعته، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، وهي مؤسسات تتبع نظام الدولة ودستورها.

الأزهرُ الشريفُ مؤسسة دينيّة علميّة إسلاميةٌ عريقةٌ تأسّست في العصر الفاطميّ، تحوّلت تدريجيًّا من مركز نشر المذهب الشيعيّ إلى صرحِ أهل السنّة بفضل جهود الدولة الأيوبيّة والمماليك.

يتطلب قيام الدولة ثلاث عناصر رئيسية، هي: الإقليم، والشعب، والحكومة، وهو ما تجلى في تكوين رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة بالمدينة المنورة.

موضوعات مختارة