التواتر
هو نقل جمع عن جمع يؤمَن تواطؤهم على الكذب، كما
يؤمن وقوع الكذب منهم في المنقول وقوعًا اتفاقيًا بدون تواطؤ في كل طبقة، من أول
السند إلى منتهاه، والقرآن الكريم منقول بهذه الصفة في كل طبقة، والأدلة على تواتر
القرآن عديدة، نسوقها في فقرات، تنطوي كل فقرة منها على بعضها، على النحو
التالي:
١
- قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ
فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ
لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [المائدة: ٦٧]، والبلاغ
العام إنما هو بالتواتر [انظر البرهان للزركشي ٢/ ١٢٥ طبعة دار المعرفة، بيروت بدون تاريخ] وقد
كان، ويلاحظه من يلاحظ القرون، وقال تعالى: {سَنُقۡرِئُكَ
فَلَا تَنسَىٰٓ} [الأعلى: ٦] {إِنَّا
نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩] وأجمعت
الأمة على أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجوه الغلط
والتخليط [انظر البرهان السابق١٢٧] والحفظ إنما يتحقق التواتر [انظر
السابق١٢٥] وهذا
النص القرآني قد صارت به الأمة آمنة من أن يكون نقل القرآن آحاديًا في وقت من
الأوقات [انظر رفع الحاجب لابن السبكي الورقة ٢٨ ١ مخطوط مكتبة الأزهر رقم ٤٥٥
أصول فقه]
٢
- وقد عرض القرآن على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- السادة
عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن
ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء [انظر معرفة
القراء الكبار للذهبي١/ ٣٨] وقد
حفظوه في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم-، وأخذ
عنهم عرضًا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة [انظر السابق ٣٩]، وقد
جمع القرآن غيرُهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبي زيد وسالم مولى أبي حذيفة وعبد
الله بن عمر وعتبة بن عامر [انظرالسابق٣٩]، وعرض
القرآن على بعض من ذكروا السادة أبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن
السائب والمغيرة بن شهاب المخزومي والأسود بن يزيد النخعي وعلقمة ابن قيس وأبو عبد
الرحمن السلمي وأبو العالية الرياحي. [انظر السابق٤٠/
٤١]
ومن
لاحظ العصور وأحوال الرجال وجد الحصر للأعداد الكثيرة الناقلين للقرآن الكريم
غير ممكن، ووجد الدقة والإتقان وسعة العلم أمرًا راسخًا يقطع به على تواتر كتاب
الله وسلامته، بل وجد عددًا يبلغ أضعاف أضعاف ما يطلبون للتواتر من عدد [انظر-مثلًا-
السابق برمته، وهو جزآن]، فهذا
هو أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقرأ عنده نيف وستمائة وألف، لكل عشرة
منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يكون عليهم قائمًا، وإذا
أحكم الرجل منهم تحول إلى: أبي الدرداء - رضي الله عنه - [انظر السابق ١/ ٣٨-٣٩،
وغاية النهاية ١/ ٦ -٧إلخ]، وهذا ابن مسعود - رضي الله
عنه - يأمر قارئًا متعجلًا بالترتيل.
"قال
إبراهيم النخعي: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال:
فداك أبي وأمي رتّل، فإنه زين القرآن [انظر معرفة القراء الكبار ١/ ٤٥] هذا
مع أنها عجلة - كما يبدو - لم تصل إلى درجة الإخلال بشيء في القراءة.
وكان ابن
مسعود يقرئ رجلًا فقرأ الرجل، {إِنَّمَا
ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ} [التوبة: ٦٠] مرسلة
فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال:
كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن، فقال: أقرأنيها: {إِنَّمَا
ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ} [التوبة: ٦٠] فمدها [أخرجه
سعيد بن منصور في سننه، والطبراني في الكبير، وهو حديث حسن، ورجال إسناده ثقات،
انظر الإتقان للسيوطي ١/ ٩٦ ط الحلبي - القاهرة]، وعدد
من ذكرت من الصحابة أقل من نصف عدد المذكورين في لطائف الإشارات للقسطلاني،
ولم يرد الحصر بل أشار إلى أن هناك غيرهم من الصحابة القراء أيضًا [انظر
لطائف الإشارات للقسطلاني ١/ ٥٠- ٥١]،
وذكر الذهبي
واحدًا وعشرين من التابعين القراء وجعلهم الطبقة الثالثة، وهو كغيره لا يريد، ولا
يدعي، ولا يمكنه الحصر [انظر مقدمة كتابه (معرفة القراء الكبار)، مع ص ١ ٥ إلى ص ٨٢ منه
الجزء الأول]، ومعلوم أن الإسلام في امتداد،
والقراء في ازدياد، وهذه "غاية النهاية" لابن الجزري،
بلغت ترجمات القراء فيها ما يقرب من أربعة آلاف ترجمة، فإذا كان هذا عدد
القراء المقرئين فكم يكون عدد التلاميذ الحفاظ؟!
وإن
لنا أن نعتبر بعدد تلاميذ أبي الدرداء المذكور آنفًا، وطائفة قرأت على ابن
مسعود [انظر السابق ٣٤] وأولاد
جمعهم سيدنا عمر - رضي الله عنه -، في المكتب، ليحفظوا القرآن [انظر
عنوان البيان ص ٢٩ لمخلوف ط
الأولى ١٣٤٤هـ مطبعة المعاهد] وبلوغ عدد التابعين إلى أربعين في
عد "الإتقان" [انظر هذا العدد الإتقان ١/ ٧٢- ٧٣]، وأربعة وأربعين فيما نعده في النشر
[تأمل النشر لابن الجزري ١/٨]، ونعتبر
بالازدياد كما أشرنا، فنعلم أن التواتر والصحة في جميع العصور من بديهيات الأمور،
ونعلم أن المستقبل على نمط الماضي.
٣- ولا غرو بعد وضوح هذا الواقع التاريخي
للناس، المبين لما أشرنا إليه أن يجمع المسلمون، وتتفق الكلمة على أن القرآن
متواتر صحيح يمتاز في ذلك عن كل ما عداه.
قال في
"تيسير التحرير": (والقرآن كله متواترًا إجماعًا) [انظر
٥ - ج ٣/ ١٢ ط الحلبي ١٩٣٢م]، وذكر
ابن أمير الحاج في "شرح التحرير": (أن جميع القرآن متواتر
إجماعًا) [انظر تقرير التحبير الجزء الثاني. ط القاهرة وغيرها]، وقال
النويري (القرآن عند الجمهوران أئمة المذاهب الأربعة، منهم الغزالي
وصدر الشريعة، وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي، هو:
ما نُقل بين دفتي المصحف نقلًا
متواترًا- وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز
بسورة منه، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر- كما قال ابن الحاجب رحمه
الله- للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، والقائلون بالأول لم
يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به،
وحينئذ فلابد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما
علمت - بعد الفحص الزائد- وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية
وابن تيمية والتونسي في تفسيره، والنووي والسبكي والإسنوي والأذرعي
والزركشي والدميري والشيخ خليل وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم رحمهم الله، وأما
القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا
أبو محمد مكي، وتبعه بعض [انظر شرح الطيبة للنويري ظهر ١٨، ووجه١٩ ورقم٣٧٤رافعي] المتأخرين).
ثم جوّز
النويري أن يكون الإجماع انعقد قبل مكي بل قال النويري: (بل
هو الراجح لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك، كأبي عمرو بن العلاء وأعلى منه، بل هو
الحق الذي لا محيد عنه) [انظر السابق وجه الورقة٢٠]
٤
- والعلم الضروري - من وراء تلك الأدلة النقلية - حاصل والضروري لا يحتاج إلى
دليل- بأن القرآن الكريم مصون، ونقلته يفوقون الحصر، وفي القرطبي: أنه يعلم
على القطع والبتات، أن قراءة القرآن تلقينًا متواترة عن كافة المشايخ، جيلًا فجيلًا،
إلى العصر الكريم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر الجامع
لأحكام القرآن للقرطبي١/١٣]، وذكر عبد الجبار أن كون
القرآن منقول بالتواتر، معلوم بالضرورة [انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل
لعبد الجبار ١٦/ ١٥٦، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٦٠م].
٥
- والأصل أن القرآن متواتر بتفاصيله وجوبًا، ودليل هذا الأصل: أن القرآن الكريم
لكونه كلام الله تعالى ولكونه مشتملًا على الأحكام الشرعية ولكونه معجزًا، فإنه
مما تتوافر الدواعي على نقله بتفاصيله، وتقضي العادة بحفظه، فلابد من تواتره
بتفاصيله؛ هكذا قرر أهل الأصول التواتر [راجع إرشاد الفحول للشوكاني ص ٣٠ ط
الحلبي]، والتفاصيل المتواترة وجوبًا - أو
التي دلّ الدليل على وجوب تواترها - هي إجمالا: المتن، والهيئة، وعدم الزيادة،
وعدم النقصان، بل يدخلان في الهيئة.
وقال
الغزالي: (حد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة
نقلًا متواترًا، ونعني بالكتاب القرآن المنزل، وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة
بالغوا في الاحتياط
في نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط، وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره، "ونقل
إلينا متواترًا، فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو
خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أن يهمل
بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه"، ثم قال: فإن قيل: لم شرطتم التواتر؟
قلنا: ليحصل العلم به، لأن الحكم بما لا يعلم جهل، وكون الشي كلام الله تعالى أمر
حقيقي ليس بوضعي، حتى يتعلق بظننا، فيقال: إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلًا،
أو حلّلنا لكم، فيكون التحريم معلوم عند ظننا، ويكون ظننا علامة لتعلق التحريم به،
لأن التحريم بالوضع، فيمكن الوضع عند الظن، وكون الشي كلام الله تعالى أمر حقيقي،
ليس بوضعي، فالحكم فيه بالظن جهل) [انظر المستصفى ١/١٠١ ط الأميرية
١٣٢٤هـ، وقد نقل صاحب مناهل العرفان معظمه ١/٤٢٤- ٤٢٥ط عيسى الحلبي].
وقال محب
الله، وعبد الولي: (قالوا اتفاقًا: ما نقل آحادًا فليس بقرآن قطعًا، ولم يعرف
فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله،
لتضمنه التحدي ولأنه أصل الأحكام، باعتبار المعنى والنظم جميعًا، حتى تعلق بنظمه
أحكام كثيرة، ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة، ولذا علم جهد الصحابة
في حفظه بالتواتر القاطع، وكل ما تتوافر دواعي نقله ينقل متواتر عادة، فوجوده
ملزوم التواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتقى الملزوم قطعًا،
والمنقول آحادًا ليس متواترًا فليس قرآنًا) [انظر مسلم
الثبوت بشرحه فواتح الرحموت ٢/٩ ط الأميرية سنة ١٣٢٤هـ، ونقله إلا كلمتين صاحب
مناهل العرفان ١/٤٢٦]
-
وقال السيوطي: (لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في
أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة،
للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأن هذا المعجز العظيم، الذي هو
أصل الدين القويم، والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله،
فما نقل آحادًا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن) [انظر الإتقان
السابق١/ ٧٧- ٧٨ وقد استفاد كثيرا من البرهان للزركشي ٢/١٢٥ إلخ].
-
وبهذا اتضحت دلالة النقل، والعقل، والواقع الماثل للعيان على تواتر القرآن وجوبًا،
جملة، وتفصيلًا، مادة وهيئة، ومحلًا.
-
ويؤخذ من التواتر القطع بأنه لا وصف لشيء من القرآن وراء التواتر ألبته من شهرة أو
صحة غير مصحوبة بالتواتر، فضلًا عما دون ذلك.
-
ويؤخذ مما سلف - وخصوصًا من كلام الغزالي - أن تواتر القرآن يدفع
فرية الزيادة فيه، وفرية النقص منه، ويقطع دابرهما.
-
ويؤخذ من جملة الأدلة أنه لا سبيل أصلًا إلى القطع بنموذج لقرآن منسوخ التلاوة،
لأنه لا تدعى قرآنيته اليوم، ولا يدل دليل قطعي على أنه كان متواترًا، فكيف يقال
إنه كان قرآنًا؟! أو يجب الإيمان بأنه كان قرآنًا؟ هكذا يقال في كل نموذج على
حدته.
- أما إذا بلغ عدد النماذج إلى ما يفيد التواتر المعنوي فإنه يفيد
القطع - في الجملة - بأن من القرآن ما نسخت تلاوته، وأما إذا ثبت نموذج ثبوتًا ظنيًا،
وأفاد هذا النموذج حكمًا عمليًا فإن الأخذ به يصح عند الجمهور، شأنه شأن
العمل بالقراءة الشاذة [انظر رسالة (القراءات...) السابقة ص٧٣٠- ٧٥٩].