Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

القراءات والقراء

القراءات والقراء

القراءات القرآنية علم يُعنى بكيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم كما نقلها الأئمة المتقنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما تتجلى أهمية هذا العلم في حفظ النص القرآني وتنوع الأداء ضمن ضوابط التواتر والإجماع.

حقيقة القراءات، وحدّها

القراءات لغة: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ أي نطق باللفظ فهي: التلفظ [انظر لسان العرب لابن منظور، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية مادة (قرأ)]، وتستعمل بمعنى اسم المفعول، فيراد بها: اللفظ المنطوق [هذا يؤخذ من كون القراءة والقرآن مصدرين، وأنه إذا أطلق انصرف لغة إلى الكلمات والحروف، لأنها هي التي تقرأ، كما في المصباح المنير للفيومي مادة (قرى)، وغيره].

وقراءات القرآن هي: صور نظم كلام الله تعالى من حيث وجوه الاختلافات المتواترة، المنسوبة إلى أئمة معينين ناقلين لها [يؤخذ هذا من جملة تعريفية في مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (٢ /٦، ٣٧١) تحقيق كامل بكري وزميله]، كقراءات نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.

فقراءة القرآن الواحدة هي: صورة نظم كلام الله تعالى من حيث ما فيها من وجوه الاختلافات المتواترة، المنسوبة إلى إمام معين ناقل لها، كقراءة نافع، أو ابن كثير، أو أبي عمرو.

-وقد يراد من القراءات: الصور الواردة بالتبادل على اللفظ، كقولنا: قراءات لفظ {ٱلصِّرَٰطَ} [الفاتحة: ٦] ثلاث: الصاد الخالصة، والصاد المخلوطة بصوت الزاي، والسين [هذا شائع في كتب القراءات، ككتاب "البدور الزاهرة" للشيخ عبد الفتاح القاضي - رحمه الله تعالى]

- وقد يراد من القراءات: الكلمات والكيفيات الواردة في قراءة واحد معين - كابن كثير مثلًا - المختلفة عما ورد في قراءة غيره، كقولنا: قراءات ابن كثير في سورة الفاتحة هي: {ٱلرَّحِيمِ*مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: ٣-٤] بإظهار الميمين - خلافًا لمن أدغمهما -، و{ملك} بدون ألف- خلافًا لمن قرأها {مالك} بالألف، و{الصراط} بالسين من رواية قنبل عنه- خلافًا لمن قرأها بالصاد الخالصة، وخلافًا لمن قرأها بالصاد المخلوطة بصوت الزاي-، و{عليهم} بكسر الهاء - خلافًا لمن ضمها -، وبصلة ميم الجمع - خلافًا لمن أسكنها [انظر السابق، وغيره، في مواضع كثيرة، مثل «إتحاف فضلاء البشر» للبنا ص ١١٨-١٢٥]

- ويتبين مما سلف أن حقيقة هذا المركب:

(قراءات القرآن) تعني الأجزاء، والكيفيات المخصوصة الداخلة في ذات القرآن وصفاته [انظر - مثلًا - رسالة (القراءات دراسات فيها وتحقيقات) للدكتور عبد الغفور محمود مصطفى]، وهي - حينئذ -: ما يستحق أن يسمى قراءات حقيقة، ويسمى قرآنًا، وهي المتواترة، المجمع عليها، المعمول بها في التلاوة التعبدية، لا غير ذلك.

- وهذه أمثلة من (صور النظم، والكلمات، والكيفيات)، أي من (القراءات):

- فمن صور النظم: (قراءة {فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ} [البقرة: ٣٧] بنصب {آدم}، ورفع {كلمات} لابن كثير، وبرفع {آدم}، ونصب {كلمات} بالكسر لغيره) [انظر إتحاف فضلاء البشر السابق١٣٤]، ومن الكلمات المختلفة المتواردة على الموضع الواحد: الواو في قراءة {وَلَا يَخَافُ عُقۡبَٰهَا} [الشمس:١٥] بالواو لغير نافع وابن عامر وأبي جعفر، والفاء في قراءتها بها لهؤلاء الثلاثة) [انظر السابق ٤٤٠].

- ومن الكيفيات: إدغام الميمين في {ٱلرَّحِيمِ*مَٰلِكِ} لبعض القراء العشرة، والإظهار للبعض الآخر [انظر السابق ١٢٢] وضم الهاء في {عَلَيۡهِمۡ} [الفاتحة: ٧] لحمزة، وكسرها لغيره [انظر السابق ١٢٣]. 

الحروف

قد تسمى القراءات - أعني الكلمات المختلفة وما إليها - حروفًا، فيقال: حروف القرآن، حروف القراء السبعة - مثلًا - حروف نافع، وقد أطلق العلماء لفظ حرف، وحروف، وقراءة، وقراءات بأكثر من إطلاق، فعلينا أن نتعرف على المراد من اللفظ المستعمل بمعونة السياق والمقام، فقد يراد من لفظ (القراءات) مثلًا ما هو أعم من المتواترات، وإليك بيان المراد من قولهم في كتب الفن:

فرش الحروف

قال ابن القاصح: "القراء يسمون ما قل دوره من حروف القراءات المختلف فيها فرشًا، لأنها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور فهي كالمفروشة، بخلاف الأصول، لأن الأصل الواحد منها ينطوي على الجميع، وسمى بعضهم الفرش فروعًا، مقابلة للأصول"[سراج القارئ المبتدي لابن القاصح ط٣ الحلبي ١٩٤٥م]، ومن أمثلة الفرش: إمالة {ٱلتَّوۡرَىٰةَ} [آل عمران: ٣] لأبي عمرو والكسائي ومن وافقهما إمالة كبرى، والفتح لعاصم ومن وافقه [انظر إتحاف... السابق ١٧٠]، ومن أمثلة الأصول: إمالة كل ألف بعدها راء متطرفة مكسورة لأبي عمرو ومن وافقه، وفتحها لابن كثير ومن وافقه، مثل {عُقۡبَى ٱلدَّارِ} [الرعد: ٢٢] إلى آخر ما يشبه ذلك [انظر السابق ٨٣].

توقيف القراءات

القراءات العشر المعمول بها، المعروفة في هذا الفن توقيفية، ومعنى التوقيف: التعليم، وهو تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، والأدلة على التوقيف عديدة، والفقرات التالية تتضمن قدرًا من تلك الأدلة:

- قال الله تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩]، فالقرآن منزل من عند الله تعالى، ولا قرآن بدون قراءة، والقراءات العشر متساوية - كما بيّناه في موضعه - فهي منزلة من عند الله تعالى، فهي توقيفية، والذي عَلّمها لنا هو الله تعالى، وقد قال سبحانه: {ٱلرَّحۡمَٰنُ *عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ} [الرحمن: ١-٢]، وأول من تعلم القرآن من البشر هو النبي- صلى الله عليه وسلم- وقد قال الله تعالى له، {إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ} [القيامة: ١٧-١٨]، وقام الرسول - صلى الله عليه وسلم- بتعليم الأمة، قال تعالى: {وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا} [الإسراء: ١٠٦]، وأمر الله الأمة بقبول تعليم القرآن والشريعة، قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: ٧] وأمر الله تعالى نبيه بتلاوة القرآن، كما دلّ عليه قوله تعالى: {وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ * وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ} [النمل: ٩١-٩٢] كما أمر سبحانه الأمة بقراءته فقال: {فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ} [المزمل: ٢٠]، ومدح المشتغلين بتلاوته فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ*} [فاطر: ٢٩-٣٠]،  فقامت الأمة بواجبها، واتبعوا، ولم يبتعدوا، وتعلموا من نبيهم- صلى الله عليه وسلم- ، ثم علّم بعضهم بعضًا، ويبقى أمر التوقيف على نمطه هذا إلى ما شاء اللهتعالى.

- واشتملت كتب الحديث على جزئيات كثيرة من القراءات، مسندة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم-، سالكة طرقًا غير طرق القراء، إذ هي طرق المحدثين - ولكل قوم طرقهم، وهذه طائفة من تلك الجزئيات نذكرها تدليلًا على التوقيف، واستئناسًا - وإن كانت هي وسائر ما رووه لم يقصدوا به رواية ختمة: عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ {مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: ٤] بالألف.

وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنه قرأه بدون ألف، (والضمير في (أنه) هنا وفيما يأتي للنبي - عليه الصلاة والسلام)، وروى أُبي - رضي الله عنه - أنه قرأ {وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ} [البقرة: ٤٨] بالتاء: {ولا تقبل}، وأنه قرأ وود {فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ} [البقرة: ٢٨٣] بدون ألف، وبضم كل من الراء والهاء، وأنه أقرأه بقراءتين: الياء، والتاء، في: {فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} [يونس: ٥٨]، وأنه أقرأ {فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ} [الكهف: ٨٦] بالهمز، ورُوي أيضًا عنه- صلى الله عليه وسلم-: {حَامِيَةٗ} بالألف بدون همز، وقرأ -صلى الله عليه وسلم-: {لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} [الكهف: ٧٧] بتشديد التاء الأولى في {لَاتَّخَذۡتَ} وإدغام الذال في التاء، وقرأها أيضًا {لَتَّخَذۡتَ} بحذف همزة الوصل، وتخفيف التاء، وإظهار الذال، وكسر الخاء، وكل ذلك في قراءات العشرة إلى غير ذلك من جزئيات كثيرة في أكثر من مائة وأربعين حديثًا شريفًا [انظر رسالة (القراءات...) ص ٢١٤ - ٢٧٣ تجد هذه الجزئيات وغيرها وأحاديثها، وتجد توضيح هذا الدليل بتوسع].

رسم القرآن والقراءات

واشتملت المصاحف العثمانية على جزئيات كثيرة من القراءات كان الرسم نصًا فيها، وكلها في قراءات العشرة وهي منقولة من صحف الصديق - رضي الله عنه – ومن مصاحف الصحابة التي كتبت بين يدي النبي- صلى الله عليه وسلم-، كما أن صحف الصديق منقولة مما كان في بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم-، مما كتب بحضرته، ومما كان مع الصحابة مما كتبوه أيضًا بين يديه - عليه الصلاة والسلام، وهذه طائفة منها لخدمة هذا الغرض بنحو ما أشرنا إليه آنفًا من تدليل، واستئناس:

كتب: {أَرَءَيۡتَ} [العلق: ٩] مثلًا بألف بعد الراء في بعض المصاحف العثمانية، وبدونها في بعضها الآخر، وبهما قرئ [انظر إتحاف فضلاء البشر ص ٠٤٤٤]، وكتب: {نَخۡشَىٰٓ} [المائدة: ٥٢] بالياء في بعض المصاحف، وبالألف في بعضها، وقرئ بالإمالة إلى الياء، وبالفتح [انظر سمير الطالبين للضباع ص ٦٢، وباب الإمالة في النشر]، وكتب {إِلَّا قَلِيلٞ} [النساء: ٦٦] {قليلًا} بالألف في المصحف الشامي، وبدونها في بقية المصاحف، وقرئ بالنصب، والرفع (٨٦).

وكتب، {مَن يَرۡتَدَّ} [المائدة: ٥٤] بدال واحدة في المكي والبصري والكوفي، وبدالين في البقية، وقرئ بالإدغام، والفك (٨٧)، وكتب: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ} [المائدة: ٥٣] بواو العطف في العراقية، وبدونها في البقية، وبهما قرئ [انظر كل ما سبق في سمير" الطالبين السابق ٧٤ — ٧٦]، وكتب: {ذُو ٱلۡجَلَٰلِ} [الرحمن: ٢٧] بالواو في غير المصحف العثماني الشامي، وبالياء في الشامي، وبهما قرئ [انظر كل ما سبق في سمير" الطالبين السابق ٧٤ - ٧٦]

إلى غير ذلك من الجزئيات المكتوبة في المصاحف العثمانية الستة، نصًا، أو إشارة [انظر تفصيل هذا الدليل، واستقصاء جزئياته في رسالة (القراءات ...) ص ٢٧٣ - ٢٩٥]

- وأسانيد القراء العشرة، وطرق قراءاتهم التي بلغت زهاء ألف طريق مفصلة متصلة مرفوعة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بتلاوة كل واحد على الآخر، وكلهم ثقات، متقنون، آخذون بالتوقيف البالغ الغاية في الدقة، الواصل إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، عن جبريل - عليه السلام - عن اللوح المحفوظ، عن رب العالمين - جل جلاله [انظر العجالة البديعة الغرر للمتولي، مطبوعة مع شرح الطيبة للنويري ص ٤٢ - ٤٣]، وقد فصل ابن الجزري تلك الأسانيد في كتابه الكبير "النشر في القراءات العشر" في حوالي مائة صفحة [انظر الجزء الأول منه ٩٨-١٩٤]، وذكر شارح "مسلّم الثبوت" أن أسانيد القراء العشرة صحيحة بالإجماع، متلقاه بالقبول، وأنها أصح الأسانيد، وأن غيرها إذا عارضها فإنه يكون سندًا لا يعبأ به [انظر فواتح الرحموت ٢/ ١٠]، وهناك غير ذلك من الأدلة الدالة على أن القراءات المعمول بها مروية بالتوقيف [انظر تفصيل تسعة أدلة على أن القراءات توقيفية في رسالة (القراءات دراسات فيها وتحقيقات) ص ٢٠٤ - ٣٧٦].

تواتر القرآن

التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمَن تواطؤهم على الكذب، كما يؤمن وقوع الكذب منهم في المنقول وقوعًا اتفاقيًا بدون تواطؤ في كل طبقة، من أول السند إلى منتهاه، والقرآن الكريم منقول بهذه الصفة في كل طبقة، والأدلة على تواتر القرآن عديدة، نسوقها في فقرات، تنطوي كل فقرة منها على بعضها، على النحو التالي:

١ - قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [المائدة: ٦٧]، والبلاغ العام إنما هو بالتواتر [انظر البرهان للزركشي ٢/ ١٢٥ طبعة دار المعرفة، بيروت بدون تاريخ] وقد كان، ويلاحظه من يلاحظ القرون، وقال تعالى: {سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ} [الأعلى: ٦] {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩] وأجمعت الأمة على أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجوه الغلط والتخليط [انظر البرهان السابق١٢٧] والحفظ إنما يتحقق التواتر [انظر السابق١٢٥] وهذا النص القرآني قد صارت به الأمة آمنة من أن يكون نقل القرآن آحاديًا في وقت من الأوقات [انظر رفع الحاجب لابن السبكي الورقة ٢٨ ١ مخطوط مكتبة الأزهر رقم ٤٥٥ أصول فقه]

٢ - وقد عرض القرآن على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- السادة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء [انظر معرفة القراء الكبار للذهبي١/ ٣٨] وقد حفظوه في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم-، وأخذ عنهم عرضًا، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة [انظر السابق ٣٩]، وقد جمع القرآن غيرُهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبي زيد وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر وعتبة بن عامر [انظرالسابق٣٩]، وعرض القرآن على بعض من ذكروا السادة أبو هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن السائب والمغيرة بن شهاب المخزومي والأسود بن يزيد النخعي وعلقمة ابن قيس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية الرياحي. [انظر السابق٤٠/ ٤١]

ومن لاحظ العصور وأحوال الرجال وجد الحصر للأعداد الكثيرة الناقلين للقرآن الكريم غير ممكن، ووجد الدقة والإتقان وسعة العلم أمرًا راسخًا يقطع به على تواتر كتاب الله وسلامته، بل وجد عددًا يبلغ أضعاف أضعاف ما يطلبون للتواتر من عدد [انظر-مثلًا- السابق برمته، وهو جزآن]، فهذا هو أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقرأ عنده نيف وستمائة وألف، لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يكون عليهم قائمًا، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى: أبي الدرداء - رضي الله عنه - [انظر السابق ١/ ٣٨-٣٩، وغاية النهاية ١/ ٦ -٧إلخ]، وهذا ابن مسعود - رضي الله عنه - يأمر قارئًا متعجلًا بالترتيل.

"قال إبراهيم النخعي: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال: فداك أبي وأمي رتّل، فإنه زين القرآن [انظر معرفة القراء الكبار ١/ ٤٥] هذا مع أنها عجلة - كما يبدو - لم تصل إلى درجة الإخلال بشيء في القراءة.

وكان ابن مسعود يقرئ رجلًا فقرأ الرجل، {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ} [التوبة: ٦٠] مرسلة فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن، فقال: أقرأنيها: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ} [التوبة: ٦٠] فمدها [أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والطبراني في الكبير، وهو حديث حسن، ورجال إسناده ثقات، انظر الإتقان للسيوطي ١/ ٩٦ ط الحلبي - القاهرة]، وعدد من ذكرت من الصحابة أقل من نصف عدد المذكورين في لطائف الإشارات للقسطلاني، ولم يرد الحصر بل أشار إلى أن هناك غيرهم من الصحابة القراء أيضًا [انظر لطائف الإشارات للقسطلاني ١/ ٥٠- ٥١]،

وذكر الذهبي واحدًا وعشرين من التابعين القراء وجعلهم الطبقة الثالثة، وهو كغيره لا يريد، ولا يدعي، ولا يمكنه الحصر [انظر مقدمة كتابه (معرفة القراء الكبار)، مع ص ١ ٥ إلى ص ٨٢ منه الجزء الأول]، ومعلوم أن الإسلام في امتداد، والقراء في ازدياد، وهذه "غاية النهاية" لابن الجزري، بلغت ترجمات القراء فيها ما يقرب من أربعة آلاف ترجمة، فإذا كان هذا عدد القراء المقرئين فكم يكون عدد التلاميذ الحفاظ؟!

وإن لنا أن نعتبر بعدد تلاميذ أبي الدرداء المذكور آنفًا، وطائفة قرأت على ابن مسعود [انظر السابق ٣٤] وأولاد جمعهم سيدنا عمر - رضي الله عنه -، في المكتب، ليحفظوا القرآن [انظر عنوان البيان ص ٢٩ لمخلوف ط الأولى ١٣٤٤هـ مطبعة المعاهد] وبلوغ عدد التابعين إلى أربعين في عد "الإتقان" [انظر هذا العدد الإتقان ١/ ٧٢- ٧٣]، وأربعة وأربعين فيما نعده في النشر [تأمل النشر لابن الجزري ١/٨]، ونعتبر بالازدياد كما أشرنا، فنعلم أن التواتر والصحة في جميع العصور من بديهيات الأمور، ونعلم أن المستقبل على نمط الماضي.

٣- ولا غرو بعد وضوح هذا الواقع التاريخي للناس، المبين لما أشرنا إليه أن يجمع المسلمون، وتتفق الكلمة على أن القرآن متواتر صحيح يمتاز في ذلك عن كل ما عداه.

قال في "تيسير التحرير": (والقرآن كله متواترًا إجماعًا) [انظر ٥ - ج ٣/ ١٢ ط الحلبي ١٩٣٢م]، وذكر ابن أمير الحاج في "شرح التحرير": (أن جميع القرآن متواتر إجماعًا) [انظر تقرير التحبير الجزء الثاني. ط القاهرة وغيرها]، وقال النويري (القرآن عند الجمهوران أئمة المذاهب الأربعة، منهم الغزالي وصدر الشريعة، وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي، هو: ما نُقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا- وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر- كما قال ابن الحاجب رحمه الله- للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به، وحينئذ فلابد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت - بعد الفحص الزائد- وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسي في تفسيره، والنووي والسبكي والإسنوي والأذرعي والزركشي والدميري والشيخ خليل وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم رحمهم الله، وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي، وتبعه بعض [انظر شرح الطيبة للنويري ظهر ١٨، ووجه١٩ ورقم٣٧٤رافعي] المتأخرين).

ثم جوّز النويري أن يكون الإجماع انعقد قبل مكي بل قال النويري: (بل هو الراجح لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك، كأبي عمرو بن العلاء وأعلى منه، بل هو الحق الذي لا محيد عنه) [انظر السابق وجه الورقة٢٠]

٤ - والعلم الضروري - من وراء تلك الأدلة النقلية - حاصل والضروري لا يحتاج إلى دليل- بأن القرآن الكريم مصون، ونقلته يفوقون الحصر، وفي القرطبي: أنه يعلم على القطع والبتات، أن قراءة القرآن تلقينًا متواترة عن كافة المشايخ، جيلًا فجيلًا، إلى العصر الكريم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي١/١٣]، وذكر عبد الجبار أن كون القرآن منقول بالتواتر، معلوم بالضرورة [انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ١٦/ ١٥٦، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٦٠م].

٥ - والأصل أن القرآن متواتر بتفاصيله وجوبًا، ودليل هذا الأصل: أن القرآن الكريم لكونه كلام الله تعالى ولكونه مشتملًا على الأحكام الشرعية ولكونه معجزًا، فإنه مما تتوافر الدواعي على نقله بتفاصيله، وتقضي العادة بحفظه، فلابد من تواتره بتفاصيله؛ هكذا قرر أهل الأصول التواتر [راجع إرشاد الفحول للشوكاني ص ٣٠ ط الحلبي]، والتفاصيل المتواترة وجوبًا - أو التي دلّ الدليل على وجوب تواترها - هي إجمالا: المتن، والهيئة، وعدم الزيادة، وعدم النقصان، بل يدخلان في الهيئة.

وقال الغزالي: (حد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلًا متواترًا، ونعني بالكتاب القرآن المنزل، وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، حتى كرهوا التعاشير والنقط، وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره، "ونقل إلينا متواترًا، فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه ليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه"، ثم قال: فإن قيل: لم شرطتم التواتر؟ قلنا: ليحصل العلم به، لأن الحكم بما لا يعلم جهل، وكون الشي كلام الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي، حتى يتعلق بظننا، فيقال: إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلًا، أو حلّلنا لكم، فيكون التحريم معلوم عند ظننا، ويكون ظننا علامة لتعلق التحريم به، لأن التحريم بالوضع، فيمكن الوضع عند الظن، وكون الشي كلام الله تعالى أمر حقيقي، ليس بوضعي، فالحكم فيه بالظن جهل) [انظر المستصفى ١/١٠١ ط الأميرية ١٣٢٤هـ، وقد نقل صاحب مناهل العرفان معظمه ١/٤٢٤- ٤٢٥ط عيسى الحلبي].

وقال محب الله، وعبد الولي: (قالوا اتفاقًا: ما نقل آحادًا فليس بقرآن قطعًا، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله، لتضمنه التحدي ولأنه أصل الأحكام، باعتبار المعنى والنظم جميعًا، حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة، ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة، ولذا علم جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع، وكل ما تتوافر دواعي نقله ينقل متواتر عادة، فوجوده ملزوم التواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم وهو التواتر انتقى الملزوم قطعًا، والمنقول آحادًا ليس متواترًا فليس قرآنًا) [انظر مسلم الثبوت بشرحه فواتح الرحموت ٢/٩ ط الأميرية سنة ١٣٢٤هـ، ونقله إلا كلمتين صاحب مناهل العرفان ١/٤٢٦]

- وقال السيوطي: (لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في أصله وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة، للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأن هذا المعجز العظيم، الذي هو أصل الدين القويم، والصراط المستقيم مما تتوافر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحادًا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن) [انظر الإتقان السابق١/ ٧٧- ٧٨ وقد استفاد كثيرا من البرهان للزركشي ٢/١٢٥ إلخ].

- وبهذا اتضحت دلالة النقل، والعقل، والواقع الماثل للعيان على تواتر القرآن وجوبًا، جملة، وتفصيلًا، مادة وهيئة، ومحلًا.

- ويؤخذ من التواتر القطع بأنه لا وصف لشيء من القرآن وراء التواتر ألبته من شهرة أو صحة غير مصحوبة بالتواتر، فضلًا عما دون ذلك.

- ويؤخذ مما سلف - وخصوصًا من كلام الغزالي - أن تواتر القرآن يدفع فرية الزيادة فيه، وفرية النقص منه، ويقطع دابرهما.

- ويؤخذ من جملة الأدلة أنه لا سبيل أصلًا إلى القطع بنموذج لقرآن منسوخ التلاوة، لأنه لا تدعى قرآنيته اليوم، ولا يدل دليل قطعي على أنه كان متواترًا، فكيف يقال إنه كان قرآنًا؟! أو يجب الإيمان بأنه كان قرآنًا؟ هكذا يقال في كل نموذج على حدته.

- أما إذا بلغ عدد النماذج إلى ما يفيد التواتر المعنوي فإنه يفيد القطع - في الجملة - بأن من القرآن ما نسخت تلاوته، وأما إذا ثبت نموذج ثبوتًا ظنيًا، وأفاد هذا النموذج حكمًا عمليًا فإن الأخذ به يصح عند الجمهور، شأنه شأن العمل بالقراءة الشاذة [انظر رسالة (القراءات...) السابقة ص٧٣٠- ٧٥٩].

هل قرئ بالشاذ على أنه قرآن؟

لم يقرأ بالشاذ - بحال - على أنه قرآن، هذ هو حال أهل الحق، والشاذ آحادي - قطعًا، والقرآن متواتر- قطعًا - فكيف يلتقيان؟!

ومن انحرف عن حال أهل الحق فقد أدبوه، واستتابوه، فتاب، وأناب [انظر شرح النويري على الطيبة بتحقيق الدكتور عبد الفتاح أبو سنة ص ٧٣، ٧٥، ٧٦].

القرآن والقراءات

إذا قرأت القرآن ثلاث مرات - مثلًا - بثلاث قراءات، لأبي جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر وجدت المرّة الأولى مشتملة على تشديد {ٱلۡمَيۡتَةَ} [البقرة: ١٧٣] وكسر الطاء في {فَمَنِ ٱضۡطُرَّ} [البقرة: ١٧٣] وحذف الهمز ونقل حركته إلى النون، مع كسرها في {مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ} [المائدة: ٣٢] وغير ذلك مما في قراءة أبي جعفر [انظر روضات الجنات للشيخ محمود بسنة ٢١ - ٢٢ وسائره].

 ووجدت المرة الثانية مشتملة على إثبات الياء وقفًا في {وَٱخۡشَوۡنِۚ} [المائدة: ٣] وفتح الفاء دون تنوين في {فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ} [البقرة: ٣٨] وغير ذلك مما في قراءة يعقوب [انظر السابق].

ووجدت المرة الثالثة مشتملة على قراءة {هُزُوٗا} [المائدة: ٥٧] بسكون الزاي وهمز مفتوح بعدها، وغير ذلك مما في قراءة خلف [انظر السابق].

وتجد القرآن واحدًا في الجميع، وما الفرق بينها وبينه إلا أنها صور مختلفة له، يفترق بعضها عن بعض بما تشتمل عليه كل ختمة في مواضع منها من وجوه تخصها، وتجعل لها صورة تفترق بها عن غيرها، وننظر إلى القراءات التي تتوارد على الموضع القرآني وننظر إلى القرآن في ختمة فنقول: القراءات التي دخلت في الختمة أجزاء دخلت في القرآن، وهو كل لها - فالفرق بينهما هو الفرق بين الكل وأجزائه، والقراءات التي لم تدخل في هذه الختمة أجزاء للقرآن في غير هذه الختمة [انظر (القراءات...) ص ١٦٩ وما حولها].

مراجع للاستزادة

·         الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم أو المصحف المرتل بواعثه ومخططاته، بقلم: لبيب السعيد، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، سنة ١٩٦٧م.

·         السيوف الساحقة المنكر نزول القراءات من الزنادقة، تأليف: محمد بن علي بن خلف الحسيني الحداد، مطبعة المعاهد، سنة ١٣٤٤هـ.

·         القراءات القرآنية تاريخ وتعريف، تأليف: الدكتور عبد الهادي الفضلي، دار المجمع العلمي بجدة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.

·         القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، تأليف: الدكتور محمد الحبش

الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩م، دار الفكر، دمشق.

الخلاصة

القراءات القرآنية هي أوجه النطق المختلفة للقرآن، نقلها الأئمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر، وهي توقيفية لا اجتهادية، كما أن كل قراءة معتمدة تعتبر جزءًا من القرآن إذا توفرت فيها شروط التواتر والإجماع، أما الشاذ فلا يُعد قرآنًا، والاختلاف بين القراءات يشمل النطق والكلمات وبعض الأحكام، لكنه لا يمس المعنى الكلي للقرآن، وقد حفظت الأمة هذه القراءات بدقة عبر الأجيال، مما يثبت سلامة النص القرآني ووحدته.

موضوعات ذات صلة

القراءات القرآنية تنقسم إلى أنواع متعددة بحسب شروطها وقبولها عند العلماء

علم توجيه القراءات يبحث في بيان أسباب اختلاف القراءات القرآنية من حيث اللغة والمعنى والدلالة

تُعرف القراءات القرآنية بأنها المذاهب التي اتبعها أئمة القراءة في نطق القرآن الكريم، وهي جزء لا يتجزأ من نزول القرآن على سبعة أحرف

موضوعات مختارة