وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ماهية العقوبة وتطورها التاريخي
العقوبة هي: أحد نوعي الجزاء الجنائي الذي يفرضه المشرع وينطق به القاضي على من يثبت عليه ارتكاب السلوك الإجرامي [د. رؤوف عبيد - أصول علمي الإجرام والعقاب سنة ١٩٧٧ ص ٤٨٥].
والعقوبة بالمعنى المتقدم تتسم بعدة خصائص وهي:
(أ) أنها شرعية: بمعنى ضرورة خضوعها لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولذا فلا يملك القاضي أن ينطق بعقوبة غير مقررة أو أن يرتفع بالعقوبة عن الحد المقرر في النص أو أن يهبط عن الحد الأدنى إلا في الحالات الخاصة التي خولها المشرع له.
(ب) أنها عادلة: ومعنى عدالة العقوبة كونها متناسبة مع مقدار الجرم الذي ارتكبه الجاني، ولذا وجب أن يتحقق هذا التناسب الطردي بين الجريمة والعقوبة المقررة لها من حيث النوع والمقدار.
(ج) أنها شخصية: وهذا يعني أنها لا تمس سوى من ارتكب الجريمة وحده أو ساهم فيها بإحدى طرق المساهمة الجنائية، ومن ثم فلا يخضع للعقاب أهل المجرم أو أصدقاؤه.
(د) أنها متساوية: ويقصد بذلك أن العقوبة التي يقررها المشرع للجريمة تكون واحدة بصرف النظر عن شخصية مرتكبها، بيد أنه لا يخل بمبدأ المساواة أن تكون العقوبة ذات حدين أعلى وأدنى ليحكم القاضي في نطاقهما، لأن هذا إنما يخضع لسلطة القاضي التقديرية والتي يدخل فيها مراعاة شخصية المجرم وظروفه ومن ثم اختيار العقوبة المناسبة له.
(هـ) لا يحكم بها إلا من جهة القضاء: وهذا يعد من أهم الضمانات التي يتمتع بها المتهم، وذلك لضمان الحيدة التامة والبعد عن التعسف [المرجع السابق].
التطور التاريخي للعقوبة:
إن الحديث عن التطور التاريخي للعقوبة يقتضي ضرورة بيان نشأة العقوبة وتطورها قديمًا وحديثًا، ثم التعرض لأنواع العقوبات في القانون المصري.
أولًا: نشأة العقوبة وتطورها قديمًا وحديثًا:
مما لا شك فيه أن العقوبة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ويرجع تاريخها إلى بداية الحياة على وجه الأرض، حيث كانت تعد قديمًا أنها شر ينزل بالمجرم مقابل الشر الذي أوقعه بالمجني عليه وبالمجتمع، وقد مرت بعدة صور مرتبطة بالتطور الذي واكب الحياة ففي مجتمع العائلة كانت العقوبة تأديب من رب العائلة لأحد أفرادها الخارجين على نظامها، أما إذا كان الجاني من عائلة أخرى فكانت العقوبة تتخذ مظهر الانتقام الفردي، وفي مجتمع العشيرة كانت العقوبة تتخذ مظهر الانتقام الجماعي عندما يكون الجاني من عشيرة أخرى، وفي مجتمع القبيلة اتخذت العقوبة صورة التكفير عن الجريمة وكان مرجع ذلك هو تفسير سبب الجريمة بالاستعانة بالدين، وكان ذلك بالاعتقاد أن أرواحًا شريرة سكنت جسم الجاني وألجأته لارتكاب جريمته، ولذا وجب طرد هذه الأرواح الشريرة من جسمه عن طريق إنزال العقاب به حتى ترضى الآلهة عنه بعد أن غضبت عليه من جراء إقدامه على ارتكاب الجريمة [د. محمود نجیب حسني -علم العقاب سنة ١٩٦٦ ص١٢،١١].
وعندما اندمجت العشائر أو القبائل مع بعضها البعض لتكوين المدينة ظل الانتقام (التكفير) من المجرم هو السائد ولكن ضم غرضًا سياسيًّا يتمثل في انتقام الحاكم من كل خصومه الذين يهددون سلطانه وكان مبنيًّا في بداية الأمر على أساس فكرة التفويض الإلهي مما أضفى على العقوبة صورًا كثيرة من القسوة والعنف وظل طابع القسوة هو الصفة الغالبة على العقوبة حتى جاءت المسيحية فجردت العقوبات من القسوة لأن العقوبة هدفها هو التأهيل الديني الذي يؤدي إلى توبة الجاني، ولذا استبعدت العقوبات الشديدة وأساليب التنفيذ القاسية، ولذا كانت عقوبة الإعدام ليست محل ترحيب من الكنيسة، وقد قيل في شأن ذلك "إن الكنيسة تفزعها الدماء المراقة" [د. محمود نجیب حسني -المرجع السابق- ص ٤٤].
وبالرغم من انتشار المسيحية في أوروبا وانتشار تعاليمها الداعية للرحمة والتسامح، فقد ظلت العقوبات متسمة بالقسوة، وما أن جاءت الثورة الفرنسية ١٧٨٩ حتى بدأت تعاليمها والمبادئ التي جاءت بها تجد لها صدى في مجال العقوبة حيث قل الإيلام وقلت القسوة التي كانت سمة هذه العقوبات وانتهت معظم العقوبات القاسية فقل نطاق تطبيق عقوبة الإعدام والعقوبات البدنية الأخرى وذلك باستخدام الظروف المخففة ومنح رئيس الدولة حق العفو عن العقوبات، وأصبح أسلوب تنفيذ العقوبة منطويًّا على إصلاح المجرم وتأهيله، لقد ساهم في هذا التحول نضج القيم الاجتماعية وتغير نظرة المجتمع إلى المجرم، وتطور النظم السياسية وتحول نظام الحكم من الاستبداد إلى الديمقراطية، وتغير المجتمع من الناحية الاقتصادية التي كانت قائمة أساسًا على الزراعة إلى الاتجاه للتصنيع الذي يحتاج إلى أيد عاملة كثيرة [الوجيز في علم العقاب تأليف دكتور سامح السيد جاد -استاذ القانون الجنائي بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة ونائب رئيس جامعة الأزهر السابق- ص١٦،١٥،١٤،١٣].
إن تغير الأوضاع والأحوال الزمنية له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية؛ لأن ما كان من الأحكام الشرعية مبنيًا على عرف الناس وعاداتهم تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم باختلاف العادة عن الزمن السابق [كتاب الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية -محمد صدقي-ص٣١٠].
سلك المشرع الإسلامي سياسة التدرج عند تجريم السلوكيات الفاشية (الشائعة) في المجتمع الجاهلي، ومن أبرز أمثلتها:
عقوبة الزنا: بدأت بعقوبات أولية اختلف الفقهاء في تكييفها، وانتهت إلى تشريع الحد النهائي (الرجم للمحصن، والجلد مع النفي أو بدونه لغير المحصن).
تحريم الخمر: نظرًا لمتانة صلتها بحياة القوم وعاداتهم، تدرج الشارع في تحريمها بالتركيز أولًا على أن أضرارها ومفاسدها تفوق منافعها.
لم يتجه الإسلام إلى هدم وإلغاء كافة القواعد القانونية التي عرفها العرب قبل البعثة؛ بل تعامل معها كالتالي:
الإبقاء على الصالح: أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكثير من المبادئ والأعراف الجاهلية المستقرة التي تتماشى مع بناء مجتمع سليم وصالح، تشابهت العديد من النواحي الفقهية والتشريعية الإسلامية اللاحقة مع القواعد التي قام عليها المجتمع الجاهلي قديمًا [السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية الدكتور: أحمد فتحي بهنسي ص٤٨].
مرت السياسة الجنائية بتطورات كبيرة على مر العصور، فقد تأثرت بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما جعلها تتكيف مع احتياجات المجتمع في كل مرحلة زمنية، فبدأت بمفهوم الردع والقصاص في القوانين القديمة، لتنتقل إلى مفهوم العدالة والردع العام في العصور الوسطى، ثم تطورت في العصر الحديث لتُدمج مفاهيم إعادة التأهيل والوقاية خاصة مع بروز المدرسة الوضعية في علم الإجرام [انظر د أحمد فتحي سرور، الإجراءات الجنائية الوسيط في، دار الشروق ،٢٠١٥، ص١٢٣].
وفي عصر الفضاء السيبراني، يقتضي هذا التحول قيام السياسة الجنائية بالتكيف مع التغيرات الجذرية المستجدة وظهور أشكال جديدة من الجريمة تتسم بالتعقيد والانتشار السريع، مما فرض تحديات غير مسبوقة على أدوات السياسة الجنائية التقليدية [مجلة الشريعة والقانون بالقاهرة عدد٤٥مايو ٢٠٢٥ص٢٦٣١].
بدأ التركيز على التطور التكنولوجي الذي أثر في تطور الجرائم؛ حيث أصبح من الضروري مواجهة الجرائم المستحدثة في الفضاء السيبراني، دفع ذلك لتطوير السياسات الجنائية لتشمل تقنيات جديدة؛ مثل التحقيقات الإلكترونية وحماية المعلومات، إضافة إلى ذلك، شهدت هذه المرحلة تطورًا في الفكر العقابي؛ إذ بدأت دول عديدة بالتوجه نحو العقوبات البديلة كالغرامات والبرامج الإصلاحية المجتمعية؛ بهدف تحقيق إعادة تأهيل أفضل للجناة، وأدى تزايد استخدام التكنولوجيا وانتشار الإنترنت إلى ضرورة تحديث السياسات الجنائية؛ لمواكبة تطور جرائم المعلوماتية وما تفرضه من تحديات تتطلب تعديل الفلسفات الجنائية القديمة، وتشمل:
التحديات القانونية: الحاجة لتحديث القوانين لمواكبة الجرائم الرقمية الجديدة.
التحديات الإجرائية: تطوير أدوات التحقيق والبحث الجنائي في الجرائم الإلكترونية.
التحديات الوقائية: إنشاء آليات لتوعية وحماية الأفراد والمجتمعات من المخاطر الرقمية [المرجع السابق ص٢٦٣٣،٢٦٣٢].
عندما شرع الله -تعالى- العقوبات، جعلها على أكمل الوجوه المحققة لمصلحة الردع والزجر دون تجاوز؛ فلم يشرع في السب والقذف قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخِصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، فمن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصح إلحاقها بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالضرب بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف، ولا سرقة اللقمة بسرقة المال العظيم، ولما كانت العقوبات مقدرة بميزان العدل على قدر الجرائم، بل وتتفاوت في الجريمة الواحدة (وهو ما أخذت به التشريعات الوضعية عن الشريعة الإسلامية)، ولما تفاوتت مراتب الجنايات؛ تعين تفاوت مراتب العقوبات. ولو وُكل ترتيب العقوبات إلى عقول الناس لذهبت بهم الآراء كل مذهب؛ ولعظم الاختلاف بينهم، فكفاهم الله تعالى كلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته ورتب على كل جريمة ما يناسبها من العقوبة [السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية الدكتور: أحمد فتحي بهنسي ص٩٨].
أما في القوانين الوضعية فتمثل مراكز الإصلاح والتأهيل بيئة تقويمية متكاملة تهدف إلى إعادة بناء شخصية السجناء نفسيًا وجسديًا وفكريًا؛ ليخرجوا بعد قضاء مدة العقوبة أعضاء فاعلين في مجتمعهم قادرين على المساهمة في بناء المجتمع، وتتلخص أهم مهام وواجبات مراكز الإصلاح والتأهيل في تنفيذ العقوبة المقررة على النزيل وفقًا للقانون، والعمل على إعادة بناء وتأهيل النزلاء المحكوم عليهم، وذلك من خلال إعادة تقويم سلوك النزلاء وتعزيز السلوك الإيجابي والقضاء على السلوك السلبي لديهم، وتنمية وصقل مهاراتهم وقدراتهم العملية، واستغلال الطاقات الكامنة لدى النزلاء وتسخيرها بالاتجاه الصحيح، وتوفير البرامج التثقيفية والتأهيلية والرياضية الترويحية للنزلاء والإشراف على تنفيذها، والعمل على مراعاة حقوق النزلاء والحفاظ على كرامتهم الإنسانية وعدم التعدي عليها على أي وجه، كما تهدف إلى تنمية الجانب القيمي للنزلاء ومساعدة النزلاء على فهم ذاتهم من حيث قدراتهم ومواهبهم وتدريبهم على تحمل المسؤولية الاجتماعية وزيادة إحساسهم الذاتي ومساعدة النزلاء على اكتساب مهارات مهنية تساعدهم على دخول معترك الحياة والاندماج مع المجتمع من جديد [الإطار القانوني لمراكز الإصلاح والتأهيل في النظام العقابي المصري -رامي متولى القاضي ص٤٢].
كز جانب من الفقه الجنائي على دور مراكز الإصلاح والتأهيل في (أنسنة) المؤسسات العقابية وإضفاء طابع إنساني على التنفيذ العقابي داخل السجون. ويستشف هذا بوضوح من نصوص القانون رقم (١٤) لسنة ٢٠٢٢، حيث تظهر الفلسفة العامة في التعامل بروح الإنسانية مع النزلاء من المحكوم عليهم والمحبوسين احتياطيًا، وهو ما ينعكس على المصطلحات المستخدمة للدلالة على هذه المؤسسات ونزلائها، ولا تقتصر إنسانية التنفيذ العقابي على استبدال الألفاظ فحسب، بل تمتد إلى طريقة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية؛ لتمتزج بالسمة التأهيلية الإصلاحية لإعادة إدماج النزلاء كأفراد صالحين، بدلًا من مجرد عقابهم، وتحقيقًا لذلك، أوجبت المادة (٣١) المعدلة بالقانون رقم (١٤) لسنة ٢٠٢٢ على إدارة المراكز تشجيع النزلاء على الاطلاع، والتعلم، وتيسير الاستذكار لمن يرغب في استكمال الدراسة، فضلًا عن ذلك، حظرت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من ذات القانون وضع القيد الحديدي في قدمي المحكوم عليه داخل أو خارج مراكز الإصلاح والتأهيل، إلا في حالات الخوف المعقول من هربه، وبناءً على أمر يصدر من مساعد الوزير لقطاع الحماية المجتمعية أو مدير الأمن المختص [المرجع السابق ص٤٨].
العقوبة تطورت من وسيلة للردع والقسوة إلى أداة إصلاحية تهدف لإعادة دمج الجناة مجتمعيًا، مشددًا على مرونة السياسة الجنائية في التوفيق بين ثبات النصوص الشرعية والقانونية ومواكبة الجرائم الرقمية المستحدثة.
القضاء في الإسلام هو نظام عادل لفصل الخصومات وتحقيق العدل بين الناس
السياسة تدبير أمور الرعية في الداخل والخارج، وتعد صحيفة المدينة نقلة نوعية من المنظور السياسي
السياسة في الإسلام تشمل تدبير شؤون الناس داخليًّا وخارجيًّا، مع بُعد ديني وأخلاقي
الدستور القانون الأساسي الذي يوضح النظام السياسي الذي تتبناه الدولة