وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تعد العمليات الإرهابية ضد الأشخاص من أكثر الجرائم شيوعًا وأكثرها خطورة على أمن وسلامة المجتمع واستقراره، فهي تنقض غزل العمران، وتؤدي إلى توتر العلاقات بين الدول.
إن هذه العمليات تستهدف غالبًا رؤساء الدول، وأعضاء الحكومات، والدبلوماسيين، والمسؤولين، لا لشيء إلا لتحقيق أغراض سياسية ضيقة تعادي مفهوم الدولة، كما تستهدف - أيضًا - رجال المال والأعمال لاستغلالهم في ابتزاز الأموال؛ لتمويل العمليات الإرهابية، ويتمثل ذلك في احتجاز الرهائن والاغتيالات والتفجيرات.
إن المتطرفين الذين يسفكون الدماء المعصومة يجهلون أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية (النفس) كأحد الضروريات الخمس، والسلطان بصفته المؤسسية هو الضامن لمنع التظالم بين الناس، وهو الذي يأخذ على يد الباغي؛ ليأمن الضعيف، ويستقر الساعي، إن استهداف الشخصيات العامة هو في حقيقته استهداف للمجتمع بأسره؛ لأن المسؤول يمثل النظام الذي يدير مصالح العباد، وفي كتابات "إمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨هـ)" نجد تأصيلًا دقيقًا؛ لكون صيانة الأوطان من أغراض السياسة الكلية [إمام الحرمين الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، ص ١٥].
لقد جعلت الشريعة الإسلامية حفظ النفس مقصدًا كليًّا يسبق الكثير من الجزئيات، وفي استهداف الشخصيات العامة، ورجال المال والأعمال عدوان صارخ على استقرار الديار، والله - عز وجل - يقول في محكم التنزيل: ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا﴾ [المائدة: ٣٢]، فكيف بمن يستحل دماء المسؤولين بدعاوى سياسية زائفة؟ لا خلاف أن هؤلاء قد سلكوا مسبل الخوارج الذين استحلوا دماء الصحابة الأطهار بدعوى الحاكمية المشوهة، وهم اليوم يحاولون تكرار المأساة تحت مسميات حديثة، متناسين أن السلطان والمسؤولين هم أدوات النظام الذي يمنع المجتمع من الانزلاق نحو الهرج والفوضى.
لقد تفنن العقل المتطرف في ابتكار وسائل للضغط على الدول، ومن أبشعها احتجاز الرهائن، وتعتبر هذه الصورة من أكثر صور الإرهاب انتشارًا في الفترة الأخيرة، وذلك بسبب التشديد الذي فرضته الدول على وسائل النقل الجوي، فأصبح نادرًا ما تقع حوادث خطف للطائرات، فلجأ الإرهابيون إلى حجز الرهائن كوسيلة للضغط على الدول؛ لتنفيذ مطالبهم، ويقصد باحتجاز الرهائن: السيطرة المادية على فرد أو مجموعة من الأفراد في مكان ما بطريقة تفقدهم حريتهم ولو تطلب ذلك استعمال القوة والعنف ضد هؤلاء الرهائن، وذلك من أجل إجبار طرف ثالث على تحقيق بعض المطالب [منتصر سعيد حمودة، الإرهاب الدولي، ص ١٢٨].
ورغم أن هذه الصورة تكون في العادة متلازمة مع جريمة اختطاف وسائل النقل كالطائرات والسفن، وتغيير مسارها إلا أنها قد تحدث في عمليات السطو المسلح، وتسهيل هروب المجرمين، ومن الأمثلة الخطيرة: احتجاز الرهائن في البيرو عام ١٩٩٦م من قبل جماعة (توباك أمارو) المناوئة لنظام الحكم؛ حيث قامت باحتجاز نحو ٦٠٠ شخص بينهم دبلوماسيون ورجال أعمال في منزل السفير الياباني، وانتهت الجرائم باقتحام قوات الجيش والشرطة؛ لمقر العملية، ونتج عن ذلك مصرع عدد من الإرهابيين، كما قامت مجموعة من المسلحين أثناء دورة الألعاب الأولمبية في ميونخ عام ١٩٧٢م باختطاف أعضاء البعثة الرياضية الإسرائيلية، وانتهى الأمر بمقتل الرهائن والمخطوفين بتدخل أجهزة الأمن الألمانية.
وفي إطار حماية الدبلوماسيين والأشخاص المتمتعين بحماية دولية فقد أبرمت اتفاقيات تجرم ذلك الفعل [اتفاقية منظمة الدول الأمريكية ١٩٧١/٢/٢م، واتفاقية الأمم المتحدة في نيويورك ١٩٧٣/١٢/١٤م]. ونظرًا لاتساع رقعة الإرهاب لتطال رجال الأعمال، والشخصيات المهمة، فقد أقرت الاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن عام ١٩٧٩م، وعرفت المادة الأولى منها هذه الجريمة بأنها: القبض على شخص واحتجازه، والتهديد بقتله أو إيذائه؛ لإجبار طرف ثالث على القيام بعمل معين أو الامتناع عنه كشرط للإفراج عن الرهينة [عبد العزيز مخيمر: الإرهاب الدولي، ص ١٨٤-١٨٩].
لقد ألزمت هذه الاتفاقيات الدول بإدراج هذه الجرائم ضمن تشريعاتها الوطنية [هيثم فالح شهاب: جريمة الإرهاب وسبل مكافحتها، ص ١٩]، وقد نص قانون مكافحة الإرهاب العماني على تجريم احتجاز الرهائن في المادة (٥) التي تنص على: "يعاقب بالسجن المطلق كل من قبض على شخص في غير الأحوال المسموح بها في القانون أو احتجزه كرهينة أو هدَّد باستمرار حجزه، وكان ذلك بهدف ارتكاب جريمة إرهابية، أو بقصد التأثير على السلطات العامة بالدولة، وتكون العقوبة الإعدام إذا أفضى الفعل إلى موت الشخص المحتجز" [قانون مكافحة الإرهاب العماني: رقم ٨/٢٠٠٧م].
أما الاغتيال، فهو صورة وحشية تتمثل في قتل الشخصيات الهامة التي لها تأثير على الرأي العام، وتطال رؤساء الدول والساسة، ورجال الفكر والصحافة، وتتوقف الشخصية المستهدفة بالنسبة للإرهابي حسب الهدف من العملية؛ لإحداث حالة من الفزع أو الرعب [د. نبيل أحمد حلمي: الإرهاب الدولي، ص ٣٤]، ومن أبرز عمليات الاغتيال في الوطن العربي: حادثة اغتيال الرئيس المصري "أنور السادات" عام ١٩٨١م، واغتيال الرئيس الجزائري "بوضياف" عام ١٩٩٢م، واغتيال رئيس وزراء لبنان "رفيق الحريري" عام ٢٠٠٥م، ومحاولة اغتيال الرئيس "حسني مبارك" في أثيوبيا عام ١٩٩٥م.
إن هذه الأفعال الغادرة هي خروج صريح عن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم : «لا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٦٤٦٩].
لقد أصبحت صورة التفجيرات منتشرة في مناطق الصراعات والعنف، فنجد الإرهابيين لا يفرقون بين من يستهدفونهم، وقد لا يكون للضحايا قيمة سياسية، ولكن القيمة تكمن في أعدادهم الكبيرة؛ لبث الفزع، وزعزعة الأمن والطمأنينة داخل الدول المستهدفة، وفقدان العامة الثقة في قدرة أجهزة الأمن على حمايتهم؛ لذلك يتجه هؤلاء الإرهابيون إلى أماكن التجمعات في الأسواق، ومحطات القطارات، والأندية، ودور العبادة، فيضعون فيها المواد المتفجرة أو تفخيخ المركبات أو عن طريق الانتحاريين فتخلف الكثير من القتلى والجرحى.
إن استهداف دور العبادة، والأسواق هو قمة الإفساد في الأرض الذي حذر منه الشرع الحنيف، فالدولة الوطنية هي التي توفر الأمان للناس؛ ليتمكنوا من ممارسة شعائرهم، وعمارة أرضهم، وقد شهد العالم ولا يزال مثل تلك العمليات في مصر والسعودية وأوروبا، وهي جرائم ترتكب يوميًا في مناطق النزاع [سامي علي حامد عياد: استخدام تكنولوجيا المعلومات في مكافحة الإرهاب، ص ٤٩]، هؤلاء الإرهابيين يضربون أسس الاجتماع البشري، ويحولون الحياة إلى غابة، بينما جاء الإسلام؛ ليرسخ قيم السلام والرحمة والعدل والمودة.
إن التفجيرات العشوائية تعكس عمق الانحراف الفكري؛ فالمتطرف يرى في قتل الأبرياء طريقًا للجنة، بينما الحقيقة هي ما أخبر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٣١٦٦]، فكيف بمن يقتل المسلمين والمصلين في بيوت الله؟! فهذه الأفعال إنما هي ترجمة حقيقية؛ لغياب الوعي بمقاصد الشريعة الغرَّاء التي جعلت بناء الإنسان مقدمًا على أي شعار سياسي أو أيديولوجي زائف.
تعتبر العمليات الإرهابية ضد الأموال والمنشآت من الصور التي يلجأ إليها الإرهابيون، وتظهر في عمليات التخريب التي غالبًا ما تستهدف المنشآت العامة والمؤسسات ذات الأهمية السياسية أو الاقتصادية كالسفارات والقنصليات وشركات الطيران والفنادق والمناطق السياحية، وغالبًا ما يكون الهدف منها: إثارة الرعب والضغط على الحكومات؛ لتغيير اتجاهاتها [سامي علي حامد عياد: استخدام تكنولوجيا المعلومات في مكافحة الإرهاب ص ٤٧].
إن استهداف المنشآت هو استهداف لعصب الحياة، وقوة الدولة، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك: تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام ١٩٩٨م، والهجوم على الملحقية الثقافية الأمريكية في كلكتا عام ٢٠٠٢م، وكذلك تفجير برجي التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م عن طريق طائرات مدنية مختطفة، وهو ما أدى إلى تغير مسار السياسة العالمية، كما نذكر التفجيرات الإرهابية في عمان بالأردن عام ٢٠٠٥م التي استهدفت ثلاثة فنادق، وتفجير المبنى الفدرالي في أوكلاهوما عام ١٩٩٥م من قبل متطرف أمريكي، وسلسلة تفجيرات القطارات في مدريد عام ٢٠٠٤م ولندن عام ٢٠٠٥م [سهيل حسين الفتلاوي: الإرهاب الدولي وشرعية المقاومة، ص ٩١].
إن حماية هذه المنشآت هي جزء لا يتجزأ من صيانة الأوطان، فالمال العام، والمنشآت العامة هي ملك للأمة وللأجيال القادمة، وتخريبها هو عدوان على حق كل مواطن في العيش الكريم، والدولة الوطنية بجيشها وشرطتها وقضائها هي الكيان الوحيد القادر على مواجهة هذا التخريب، ومحاربة التطرف تبدأ من استعادة هيبة الدولة في النفوس، وإدراك أن مؤسسات الدولة هي الضمانة الوحيدة؛ لعدم العودة إلى عصور الجاهلية، والهرج والفوضى.
إننا بحاجة إلى (فقه العمران) الذي يرى في بناء المصنع والمدرسة والمسجد جهادًا حقيقيًّا، وفي الدفاع عن مؤسسات الدولة عبادة مقدسة تحمي الدين والدنيا معًا.
إن الإرهاب هو العدو الأول للإسلام وللأوطان، وصيانة الأرواح والممتلكات ليست مجرد واجب أمني، بل هي قربى إلى الله، ووفاء بميثاق الاستخلاف، والدولة القوية هي الصخرة التي تتحطم عليها أوهام المارقين؛ ليبقى الإنسان مكرمًا، والوطن آمنًا، والدين محروسًا.
التصدي للإرهاب والتطرف هو مسار طويل الأمد يتطلب تكاتف الجميع.
الأمن للفرد والمجتمع والدولة من أهم مقومات الحياة.
الحديث عن مِصر حديث عن حضارةٍ امتدّت جذورها في أعماق التاريخ.