Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شتات العقل المعاصر: تفكيك أزمة المرجعية الفكرية وأبعادها

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

شتات العقل المعاصر: تفكيك أزمة المرجعية الفكرية وأبعادها

يؤدي غياب المرجعية الفكرية المنضبطة إلى تشتت الأفراد وانتشار الشائعات والأفكار المتطرفة، بما يضعف المناعة الفكرية ويزعزع الثقة بالمؤسسات الوطنية والدينية والتعليمية؛ ومن ثم فإن فهم هذا الاضطراب المعرفي يمثل الخطوة الأولى لإعادة بناء الوعي الرشيد وترسيخ المنهج الوسطي واستعادة الثقة في العلم الموثوق.

مفهوم أزمة المرجعية الفكرية في الواقع المعاصر

يُقصد بها غياب أو ضعف الإطار المعرفي والأخلاقي والشرعي المنضبط الذي يحتكم إليه الأفراد والمجتمعات لتفسير الأحداث، وضبط السلوكيات، والتمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ.

وهي حالة من (السيولة الثقافية) والتيه الفكري تنشأ نتيجة تراجع دور العلماء والمؤسسات المتخصصة المؤهلة، وتصدّر غير المتخصصين وأدعياء العلم للمشهد المعرفي عبر الفضاء الرقمي، مما يؤدي إلى تشتت العقول بين تيارات متناقضة وفتاوى شاذة تُفقد المجتمع أمنه الفكري وبوصلته الأخلاقية.

أسباب غياب المرجعية الفكرية الرشيدة وتراجع الثوابت

تتعدد العوامل التي تسببت في ذلك، وعلى رأسها:

١- البعد عن العلماء الراسخين، وأخذ العلم عن أنصاف المتعلمين أو الجهلة المتعالمين.

حذّر النبي- صلى الله عليه وسلم- من هذا الأمر فقال: «إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا» [رواه البخاري، كتاب: العلم، باب: كيف يقبض العلم؟، رقم: (١٠٠)، (ج ١، ص: ٣١)].

فالله سبحانه وتعالى جعل العلم هداية للناس، وبيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله لا يقبض العلم بإزالته من قلوب العلماء، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، فإذا قُبض العلماء دخل في ميدان العلم من ليس من أهله، وتكلم في دين الله الجهلة والمتعالمون، وصار الناس يسألونهم عما أُشكل عليهم، وهم يجيبونهم بجهل فضلوا هم وأضلوا غيرهم.

٢- الطفرة الرقمية الهائلة ووجود وسائل التواصل الاجتماعي التي أثرت على دور المفكرين والفقهاء والعلماء الراسخين؛ مما سمح لغير المتخصصين من أصحاب الأفكار المنحرفة بالظهور وتصدُّر المشهد وتوجيه الرأي العام.

تجليات الأزمة ومظاهر التشتت المعرفي لدى الشباب

تظهر هذه المعضلة جلية في:

أ- فوضى الفتاوى الشرعية غير المنضبطة بنصوص الوحيين وفهم العلماء الثقات.

ب- اقتحام غير المؤهلين لمجالات التخصص الدقيق، حيث أصبح الفضاء الافتراضي ساحة لتلقي المعارف الدينية والفكرية من مصادر مجهولة ومضللة.

ج- ظهور التعصب الأعمى للفرق والجماعات، والدوران في فلك تلك الجماعات دون وعي أو بصيرة.

د- وجود حالة من القلق والاضطراب لدى بعض الشباب ممن التبست عليهم المفاهيم، وتاهوا في وسط هذا الزخم من الوسائل، وتلك الأفكار المتعارضة والمتباينة، مما قد يحمل البعض منهم على التشكك في كل حق، وقد يحملهم هذا الاضطراب على ترك الدين بالكلية.

تداعيات غياب المرجعيات المنضبطة وأثرها في تغذية التطرف

يعد غياب المرجعية الفكرية الحصينة بمثابة الثغرة التي تنفذ منها:

أ- جماعات الغلو والتطرف لتجنيد العقول المتعطشة للحق، فتقدم لهم نماذج بديلة متشددة تحت غطاء شعارات جذابة وتأويلات منحرفة للنصوص الشرعية، وفهم مغلوط لها.

ب- محاولة زعزعة السلم الاجتماعي عبر تأجيج خطابات العنف والكراهية والإقصاء والتبعية الثقافية العمياء، مما يعرقل مسيرة البناء والتنمية الفكرية والوطنية.

ج- قد يؤدي غياب المرجعية المنضبطة إلى ترك بعض الناس لدينهم والوقوع في براثن الإلحاد أو غيره من الأفكار المنحرفة الداعية إلى نبذ الدين بالكلية.

د- عدم الثقة بعلماء هذه الأمة وتراثهم الذي أقام حضارة ممتدة في أعماق التاريخ.

سؤال وجواب

س: كيف يؤثر غياب المرجعية الفكرية الموثوقة على تماسك الفرد والمجتمع؟

ج: يؤدي غيابها إلى تشتت الأفراد بين تيارات فكرية متناقضة، مما يضعف المناعة الفكرية للمجتمع، ويجعله مرتعًا سهلًا لانتشار الشائعات والأفكار المتطرفة، ويزعزع الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسات الوطنية والدينية والتعليمية.

س: ما هو الدور المنوط بالمؤسسات الدينية مثل وزارة الأوقاف لمواجهة هذه الأزمة؟

ج: مواصلة الحضور الرقمي بلغة رصينة وجاذبة تحاكي لغة العصر، وتأهيل الأئمة والوعاظ للتعامل مع الشبهات الحديثة بمرونة ووعي، وفتح قنوات تواصل مباشرة تضمن حصول الشباب على المعرفة الدينية والشرعية الصحيحة من مناهجها الوسطية المعتدلة، وقد قطعت الوزارة شوطًا كبيرًا في هذا الميدان من خلال إطلاق منصتها الرقمية التي تستهدف أن تكون أكبر منصة رقمية على مستوى العالم تسهم في نشر الفكر الوسطي، وتواكب واقع العالم المتغير بلغة عصرية تناسب الجميع.

س: هل يكمن الحل في الانغلاق ومقاطعة الفضاء الرقمي لحماية العقول؟

ج: إطلاقًا، فالمقاطعة تزيد الفجوة وتترك الساحة خالية للجهلاء والمتطرفين؛ بل يكمن الحل في تدريب الأجيال على مهارات التفكير النقدي، والتمييز بين العالم المتخصص والناشط الرقمي، مع ضرورة تفعيل وتوطين المحتوى الفكري والشرعي الرصين رقميًّا وبقوة.

الخلاصة

تظل أزمة المرجعية الفكرية من أخطر تحديات العصر التي تستوجب تكاتف الجهود لتجديد الخطاب المعرفي وترسيخ التفكير النقدي المعتدل لدى الأجيال الناشئة لحمايتهم من الوقوع في براثن الغلو والتشتت، وإن إعادة الاعتبار لسيادة العلم الرصين والتخصص الدقيق يمثل صمام الأمان الحقيقي لاستقرار المجتمعات الإسلامية وصيانة هويتها وقيمها الأخلاقية الشريفة، وبناء هذه الجسور المعرفية القوية يغلق الأبواب أمام دعاة الفرقة ويحفظ للأوطان سلامتها الفكرية ومسيرتها الرائدة في التعايش والبناء.

موضوعات ذات صلة

الجهل بكليات الإسلام مع اعتزال العلماء والوقوع في فخاخ الإعلام المضلل أورث ثقافة العنف والتبعية.

المواجهة الحقيقية تبدأ من هدم البنيان الفكري للإرهاب قبل الميادين.

هل الحواشي العلمية عبءٌ على العقل أم سياجٌ يحميه من السطحية والتطرف؟