Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نِظامُ الحواشي وحِراسةُ العَقْل

الكاتب

هيئة التحرير

نِظامُ الحواشي وحِراسةُ العَقْل

هل الحواشي العلمية عبءٌ على العقل أم سياجٌ يحميه من السطحية والتطرف؟ وكيف نحمي نصوص الشريعة من الانتقائية الموجهة؟

في ظل تزايد الدعوات التي تنبذ التراث بحجة "التصفية"، يبرز دور الشروح والحواشي ليس كترف فكري، بل كضرورة منهجية وأمنية تحمي المفتي من الغلط، في هذا المقال، نبحر في "معمل اللغة" الأزهري، لنكشف كيف تصنع الحواشي عقليةً نقديةً قادرة على فهم السياقات، بعيدًا عن أوهام السطحية وشطط التأويل.

مأزق الانتقاء الموجه وسراب الألقاب

لقد تسللت إلى واقعنا العلمي نابتةٌ مارست (الوصاية المعرفية) عبر ما يسمى (الانتقاء الموجه)؛ حيث عمدوا إلى نَبذ التراث الأصولي بدعوى (التصفية والتربية)، مستبدلين نِتاج القرون بكتيباتٍ هزيلة توشّحت بألقابٍ برّاقة كـ(منهج السلف) أو (الطائفة المنصورة)، إنَّ هذا المسلك هو في حقيقته (اجتزاءٌ للشريعة)؛ حيث تُبتر الأحكام عن سياقاتها المنهجية، مما يُنتج عَقلًا مُتشظيًا يظنُّ الجمودَ ورعًا والسطحيةَ حَقًّا، إنَّ الانفصال عن (الجماعة العلمية) التي شيدت صرح الأصول هو الثغرة التي نَفذ منها التشدد ليُحيل الدِّين إلى (قشورٍ ظاهرة) تُباع للعوام باسم السلفية، والسلفُ منها براء.

الحواشي كعاصمٍ من الورطة الظلماء

إنَّ المنهج الأزهري الراسخ يرى في الشروح والحواشي (نِظامًا أمنيًّا) يحمي المفتي من الانزلاق في (الورطة الظلماء)؛ فالألفاظ قوالبُ المعاني، والمتونُ المختصرة قد تحوي من الإيجاز ما يُلبس الحقيقة بالوهم، يقول المحقق ابن عابدين مُحذرًا: "فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها"، إنَّ الاستعانة بالحواشي ليست مضيعةً للوقت، بل هي الامتثال لأمر الله - تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالحواشي هي التي تفكُّ مَغاليقَ العبارة وتُبينُ حدودَ الاستنباط، حمايةً للدين من تخرصاتِ غيرِ المؤهلين.

واجب الوقت وصناعة الملكة اللسانية

لم تكن الحواشي ترفًا فكريًّا، بل كانت قيامًا بـ(واجب الوقت) حين ضعفت المَلَكة اللسانية، فمنذ عصر السعد التفتازاني والجرجاني، تحولت الحاشية إلى (معملٍ لغوي) يشحذُ ذهن الطالب على (التدقيق اللفظي) ومعرفة الفوارق الدقيقة بين التراكيب، إنَّ اللغة هي وعاء الوحي، وبدونها يصبح النص نهبًا للتأويلات الهوجاء، لقد صيغت هذه التحشيات لضبط النقل على أعلى مستوى، ممتثلةً لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» [الأربعون النووية ١/‏٤٣ — النووي (ت ٦٧٦)]، فالوعيُ المذكور في الحديث (فوعاها) هو ما تزرعه الحاشية من دقة الفهم وعمق الإدراك.

صناعة العقلية النقدية وعمارة الكون

إنَّ الهجوم على (الحواشي) هو هجومٌ على (المنطق التفكيري)؛ فالحاشية تُعلم الدارس كيف يُفرق بين الشيء وسببه، وبين الحكم وغايته، إنها (سِجلُّ الأذكياء) الذي ينقل إلينا مناقشات قاعات الدرس، مما يبني (مَلَكةً علمية) لا تقبل الأفكار المعلبة، إنَّ هذا التكوين الرصين هو الذي يحارب التطرف؛ لأن المتطرف يعجز عن (التحليل) ويكتفي بـ(التلقين)، بينما خريج الحواشي يمتلك أدوات النقد والموازنة، إنَّ الهدف الأسمى لهذا التراث هو تحقيق مراد الله من عمارة الأرض، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]؛ فالاستعمار (العمارة) يقتضي عقلًا (تحليليًّا) لا (سطحيًّا)، ونظامًا (جامعًا) لا (انتقائيًّا).

الخلاصة

إن الشروح والحواشي هي صمام الأمان الذي صان عقول الأمة من فخاخ الجمود والسطحية، هي ليست مجرد تراث، بل هي "هندسة بيان" تشكل الملكة الاستنباطية وتُعصم المفتي من الزلل، إن التمسك بهذا المنهج هو السبيل الوحيد لبناء عقل تحليلي يواجه التطرف، ويحقق مراد الله في عمارة الأرض بعلمٍ ورسوخٍ ويقين.

موضوعات ذات صلة

إن التمييز بين وهج المقاومة الشريفة ودخان الإرهاب المظلم هو ميزان الاستقامة في عصرنا.

 إنَّ استقرار الأوطان، وصيانة الأديان لا ينهضان إلا على دعامتين: وعيٍ فكريٍّ يمنع شطط العقول، وكفاية اقتصادية تحفظ كرامة النفوس.

إن الدولة في ميزان الوحي ليست مجرد بناء مادي، بل هي الروح الجامعة التي تمنح الوجود الإنساني استقراره.

موضوعات مختارة