Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

سُعار الغلو وسراب القوة

الكاتب

هيئة التحرير

سُعار الغلو وسراب القوة

كيف يتحول القهر إلى غلو؟

يولد الإرهاب من رحم المظالم الكبرى وازدواجية المعايير الدولية التي تهدر الكرامة؛ فغياب العدل في قضايا كفلسطين يخلق بيئة خصبة للتطرف الفكري والعنف.

عوار السياسة الدولية، وفلسفة (الكيل بمكيالين)

الناظر في خريطة العالم المعاصر بعين البصيرة والأناة، يدرك يقينًا أنَّ من أعظم الروافد التي تغذي مستنقعات الغلو والتطرف هي تلك السياسات الجائرة التي تُعلي من شأن (الأنا) الاستعمارية على حساب الحق الإنساني المشترك، إنَّ ما يسمى بسياسة (الكيل بمكيالين) ليست مجرد خطأ دبلوماسي، بل هي خطيئة أخلاقية كبرى؛ إذ كيف يرجو العالم استقرارًا، وهو يرى الممارسات العنصرية تُشرعن، والتفرقة على أساس العرق والقوة تُحمى بمظلات دولية؟!

إنَّ أوضح تجليات هذا العوار هو الدعم المتواصل والفاضح الذي تقدمه القوى الاستعمارية، والأنظمة المهيمنة لدولة الكيان الصهيوني، وهو دعمٌ يتجاوز حدود المنطق السياسي إلى (الهيمنة العمياء) التي تمد المعتدي بالمال والسلاح، بينما تغض الطرف عن أنين الشعب الفلسطيني المقيم تحت وطأة التنكيل.

كما أن الوقوف في وجه الشرعية الدولية، ونقض القرارات الأممية المتكرر باستخدام (حق النقض - الفيتو)؛ لصالح إسرائيل في ظل نظام عالمي أحادي القطب، قد أوجد حالة من (اليتم الأخلاقي) لدى بعض الشعوب والأمم [د. محمد علي حسين الهواري، مفهوم الإرهاب وأسبابه وسبل علاجه، ص ٣٩، د. عدنان طراد إبراهيم، الإرهاب الدولي، ص ٣٨].

غليان النفوس من القهر إلى الغلو

إنَّ النفس البشرية جُبلت على حب العدل، فإذا ما حُوصرت بأسوار القهر مالت إلى الانفجار، ومشاعر الإحباط واليأس التي تملأ صدور الشباب اليوم ليست نابعة من فراغ، بل هي (غليانٌ وجودي) ناتج عن رؤية مظاهر الهوان تُصب صبًا على حياض الأمة حين يرى الشاب القوي الممتلئ بالغيرة على دينه ووطنه، تلك التعديات المتسلطة من قوى البغي العالمية، وما يحل ببعض بلدان العالم الإسلامي من اضطرابٍ وتدخلاتٍ تُهدر الكرامة، ويرى الإرهاب الصهيوني وهو يسوم المستضعفين سوء العذاب دون رادعٍ من نظام أو زاجر من ضمير، فإنه يقع في فخ (العجز المقيت)، هذا العجز هو البيئة الخصبة التي يستغلها دعاة الغلو؛ حيث يقدمون لهذا الشاب المحبط (وهمًا) بالخلاص عبر العنف، فيتحول الغليان الفطري للنصرة إلى (تطرف فكري) يبتغي تغيير واقع الأمة بضرباتٍ طائشة، ظنًا منه أن الدم يغسل العار، بينما الحقيقة أنَّ الغلو لا يزيد الأمة إلا جراحًا فوق جراحها [د. أسماء بنت عبد العزيز الحسين، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، ص ١١].

تهافت القيم الإنسانية، وانهيار الثقة الدولية

المشهد العالمي الراهن يكشف عن فجوةٍ لافتة بين النظريات الأخلاقية التي سطرتها (المواثيق) وبين واقع (الممارسات) على بساط الحقيقة؛ إذ تبدو المبادئ الإنسانية والمثالية في حاجةٍ ماسة إلى آلياتٍ أكثر فاعلية وحزمًا حين يتصل الأمر بحماية حقوق الفئات الأقل قدرةً، والأكثر احتياجًا للعدل.

إنَّ هذا الوهن في بنية التماسك القيمي العالمي، والافتقار إلى سياساتٍ حازمة في مواجهة الاختلالات، قد أفسح المجال؛ لظهور ما يمكن تسميته بـ (أخطبوط الإرهاب الدولي) الذي يتمدد في الفراغات الناتجة عن غياب القسط، متخذًا شكل صرخة احتجاجٍ انحرفت بوصلتها، وتشوهت غاياتها نتيجة الشعور العام بغياب التوازن والعدالة.

لا شك أن التمادي في الاستبداد، وغياب التوازن العدلي، والسياسات المنحازة هي التي دفعت البعض؛ لتبني فلسفة (الانتقام العشوائي)؛ للإضرار بمصالح القوى المهيمنة، كما شهدنا في تفجير السفارات بدار السلام ونيروبي (١٩٩٨م)، وصولًا إلى أحداث سبتمبر (٢٠٠١م) التي استهدفت المركز الاقتصادي والعسكري الأمريكي [د. عبد العزيز مخيمر، الإرهاب الدولي، ص ٩٥، د. أسامة محمد بدر، ص ٧٩]، والمسؤولية الأخلاقية والتاريخية تقع على عاتق الإدارات التي كرست (غطرسة القوة)، واستهترت بالحياة الإنسانية مما أوجد مناخًا تتنفس فيه الذهنية الإرهابية وتنتعش [د. محمد السيد سعيد، مجلة المستقبل العربي، ٢٠٠١م، ص ٥١].

الجرح الفلسطيني، وسر السرطان الإرهابي

لا يمكن لعلاجٍ أن ينجح ما لم يضع يده على أصل العلة، وأصل العلة في اضطراب الشرق هو (المظلمة الفلسطينية)، واستمرار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني دون حلٍ عادل هو الوقود الأزلي الذي يغذي ماكينات التطرف في شتى بقاع الأرض، وقد أكد قادة عالميون أنَّ الانتصار على الإرهاب يمر حتمًا عبر بوابة القدس، وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني [د. محمد سعادي: الإرهاب الدولي بين الغموض والتأويل، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، ۲۰۰۹، ص ١٥٨].

إنَّ (الإرهاب الممنهج) الذي تمارسه الدولة العبرية منذ نشأتها من قتل وتهجير، وتدمير للبيوت، وإذلال يومي، وحصارٍ خانق لقطاع غزة يمثل أعتى صور الهمجية التي رصدتها الذاكرة المعاصرة، وإنَّ ما جرى في لبنان عام ١٩٨٢م من قتلٍ لعشرين ألف إنسان لأغراض سياسية وبدعمٍ وتسليحٍ للصياهنة، كما وثق المفكر (نعوم شومسكي)، هو البرهان الساطع على أنَّ القوة حين تنفصل عن الأخلاق تصبح إرهابًا محضًا [نعوم شومسكي، العولمة والإرهاب، ٢٠٠٣م، ص ٧١].

إن مواجهة التطرف الديني لا تكون فقط بالخطاب الوعظي، بل بانتزاع أنياب الظلم السياسي الذي يجعل من الدين غطاءً للانفجار النفسي؛ ولذا أمر الإسلام بتطبيق مبدأ القسط حتى مع الأعداء قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة:٨]، وقال أيضاً: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ [النساء: ١٣٥] [النساء: ١٣٥]، فهو يتبرأ من كل فعلٍ يهدم العمران، لكنه في الوقت ذاته يأمرنا بمواجهة الظلم؛ لقطع دابر المرجفين.

الخلاصة

إنَّ معركة الوعي هي معركة (استرداد الحقوق) بقدر ما هي معركة (تصحيح الأفهام)؛ فالإرهاب لن ينتهي بالآلة الأمنية وحدها، بل بترسيخ قيم العدل التي تُضيء الآفاق، وتُطمئن القلوب، وواجبنا هو بناء إنسان مؤمن بربه - جل وعلا - محب لوطنه، شامخ بكرامته، لا ينكسر أمام عوز المادة، ولا ينجرف وراء غلو الفكر؛ صيانةً لحياض الإسلام، وحمايةً لمستقبل الأجيال.

موضوعات ذات صلة

 إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف.

 إنَّ قراءة ضلالات الخوارج ليست ترفًا تاريخيًّا، بل هي ضرورةٌ فكرية لكشف الداء الذي يستحل الدماء بدعوى التوحيد.

مهما ضاقتِ الحياةُ فإن دينَ الإسلام ينقلُ البشرَ من الضيقِ إلى السعةِ، ومن الشدةِ إلى اللينِ.

موضوعات مختارة