وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد صاغ الخوارج نظريتهم في الحكم بعيدًا عن مقاصد الاستقرار التي جاء بها الإسلام، فقرروا أن الخلافة اختيارٌ حرٌّ لا ينضبط بنسبٍ ولا قبيلة، وأجازوا أن يكون الإمام عبدًا حبشيًّا، ورغم أن ظاهر هذا القول يحمل معنى العدل، إلا أنهم استخدموه مطيةً للخروج المسلح، فأوجبوا عزل الإمام أو قتله بمجرد ما يتراءى لهم أنه جارَ أو حاد عن الحق وفق موازينهم المتشددة.
وقد خالفوا بذلك جمهور أهل السنة والجماعة الذين رأوا في شرط (القرشية) رعايةً لمصلحة اجتماع الكلمة، كما كفروا سادة الصحابة كعثمان وعلي -رضي الله عنهم- بذريعة التحكيم، غافلين عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: ٥٨]، إن هذا المسلك لم يكن إلا تأسيسًا لفكر الفوضى الذي يستحل الدماء بدعوى الإصلاح.
لقد رفع الخوارج شعار (لا حكم إلا لله) في وجه الإمام علي -رضي الله عنه- وهي الكلمة التي وصفها -كرم الله وجهه - بعبارته الخالدة: "كلمة حق أُريد بها باطل"، لقد وقعوا في تناقضٍ صارخ، فبينما نفوا تحكيم الرجال، حكّموا هم أنفسهم آراءهم وأهواءهم في دماء المسلمين وأعراضهم!
إن القرآن الكريم صريح في إسناد الحكم للرجال في مواضع شتى؛ ففي شأن الصيد قال تعالى: ﴿يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي شقاق الزوجين قال سبحانه: ﴿فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾ [النساء: ٣٥]، فإذا جاز التحكيم البشري في شقاق زوجين أو جزاء صيد، فكيف لا يجوز في دماء الأمة وحقن أرواحها؟ إن هذا الانغلاق يعكس جهلًا عميقًا بمقاصد الشريعة التي جعلت للعلماء وأولي الأمر مساحة للنظر فيما لم ينزل فيه نص قاطع، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء: ٨٣].
اتفق جمهور الخوارج (سوى النجدات في بعض تفاصيلهم) على أن العمل ركنٌ في الإيمان يزول بزواله، فقرروا أن مرتكب الكبيرة كافرٌ كفرًا يخرجه من الملة ويوجب له الخلود في النار، لقد سوّوا بين المعصية والكفر، وضربوا عرض الحائط بالمنهج النبوي الذي صان حرمة المسلم، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» [رواه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦)].
فبأي حجة استحل الخوارج دماء أهل القبلة؟ لقد غفلوا عن سعة رحمة الله التي فرقت بين الكبيرة والصغيرة؛ حيث قال سبحانه: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا﴾ [النساء: ٣١]، إن هذا الغلو لم ينتج إلا تفتيتًا للمجتمع واستباحةً للمحرمات بدعوى الغيرة على الدين.
إنَّ المآل الحتمي لكل فكر متطرف هو التآكل الذاتي، وهذا ما حدث فعليًّا للخوارج، حيث تحولوا إلى فرقٍ يكفر بعضها بعضًا ويستحل بعضها دماء بعض، فنجدة بن عامر قتله أصحابه بعد تكفيره، والميمونية تبرأت من الإبراهيمية، وهكذا دواليك في سلسلة من الانقسامات التي لا تنتهي.
كما أجمعوا على بدعة القول بــ(خلق القرآن)، وهو ما يظهر مفارقتهم لما استقر عليه ضمير الأمة الإسلامية، إن هذا التشرذم هو العقوبة الربانية لمن ترك الجماعة واعتصم برأيه الخاص، مخالفًا هدي النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - في لزوم السواد الأعظم، إن مذهبهم قام على السيف والإقصاء، بينما قامت الشريعة على الرحمة والبيان، وحفظ الضرورات الخمس وفي مقدمتها (النفس).
إنَّ مذهب الخوارج يمثل الانغلاق الفكري الذي يجتزئ النصوص ليصنع منها مقاصل للأبرياء، فهو مذهبٌ يبدأ بتكفير العاصي، وينتهي بتفجير المجتمعات وتفتيت الدول، ولن يستقيم أمر الأمة إلا بالعودة إلى المنهج الأزهري الوسطي الذي يفرق بين المعصية والكفر، ويحفظ للصحابة قدرهم، ويصون حرمة الدم المسلم فوق كل اعتبار.
إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف.
إنَّ قراءة ضلالات الخوارج ليست ترفًا تاريخيًّا، بل هي ضرورةٌ فكرية لكشف الداء الذي يستحل الدماء بدعوى التوحيد.
إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام.