كيف تحولت كلمة "الإرهاب" من صفة للخشية والوقار إلى شعار للبطش والترويع؟
يكمن السر في "الجناية اللغوية" التي شوهت مادة (رهب)؛ ففرق شاسع بين رهبة الحب والتعظيم، وبين إرهاب الدماء والتحطيم.
كيف تحولت كلمة "الإرهاب" من صفة للخشية والوقار إلى شعار للبطش والترويع؟
يكمن السر في "الجناية اللغوية" التي شوهت مادة (رهب)؛ ففرق شاسع بين رهبة الحب والتعظيم، وبين إرهاب الدماء والتحطيم.
تدور معاني كلمة (إرهاب) في قواميس العربية، وحياض لغتنا الشريفة حول مدارات الخوف، أو الرهبة، أو الفزع الشديد الذي يغشى النفس، وإذا استنطقنا الأصل اللغوي، وجدنا أن مادة: (ر هـ ب)، وما اشتق منها كالفعل: (رهب) أي: خاف، وأرهبه، واسترهبه: أي: أخافه وبث في قلبه الفزع، هي دلالات تعكس حالة الوجل البشري، ومن هذا المورد جاء لفظ (الراهب)، وهو المتعبد الذي انقطع للعبادة خشيةً ووجلًا، و(الرهبة) التي هي اجتماع الخوف بالفزع [ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، ج١، ص ٤٣٦؛ الفيروز آبادي: القاموس المحيط، ج١، ص ١١٨].
بيد أنَّ الوعي اللغوي المعاصر، ومن خلال مجمع اللغة العربية، قد أقرَّ كلمة (الإرهاب) كاصطلاحٍ حادث لوصف حالةٍ مخصوصة، وهي ممارسة العنف وسبله لتحقيق مآرب سياسية؛ فالإرهابيون بهذا المعنى هم الزمرة التي تضلُّ طريق الرشاد، وتسلك سبيل الترويع والبطش؛ لبلوغ أهدافها السلطوية [د. أحمد محمد أبو مصطفى: الإرهاب ومواجهته جنائيًا، ص ٣٢].
لقد وردت مادة (رهب) في التنزيل الحكيم بجمالٍ بيانيٍّ يقصد ترسيخ (الخشية) لا (الترويع)، وتتجلى هذه المعاني في ثلاثة منازع:
أولًا: الخوف والخشية الإيمانية:
وهو مقام التعظيم لله - جل وعلا - كما في قوله تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتِیَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِیۤ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِیَّٰیَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وفي قوله سبحانه: ﴿وَفِی نُسۡخَتِهَا هُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّلَّذِینَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ یَرۡهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وقوله في وصف عباده الصالحين: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ یُسَٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَٰتِ وَیَدۡعُونَنَا رَغَبࣰا وَرَهَبࣰاۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِینَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فالرهبة هنا هي (رهبةُ حبٍّ وإجلال) ترتقي بالإنسان، لا (رهبةُ ذلٍّ وبطش) تُهينه.
ثانيًا: مقام الرعب والفزع البشري:
وهو عارضٌ يغشى النفس عند ملاقاة الهول، كما في قوله تعالى لموسى - عليه السلام: ﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَیۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ [القصص: ٣٢]، وفي مقام سحرة فرعون: ﴿قَالَ أَلۡقُوا۟ۖ فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ سَحَرُوۤا۟ أَعۡیُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَاۤءُو بِسِحۡرٍ عَظِیمࣲ﴾ [الأعراف: ١١٦]؛ فالمسترهب هنا هو من يستخدم القوة الزائفة للتلاعب بعقول الناس وإفزاعهم، وهو جوهر السلوك الإرهابي المذموم.
ثالثًا: مقام الردع والمنعة:
وهو إعداد القوة لصيانة الأوطان وحماية المقدسات، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فالإرهاب هنا هو (الردع المعنوي) الذي يمنع وقوع الاعتداء، وليس العدوان الابتدائي على الأبرياء؛ فالدين جاء لصناعة (الأمان) لا (الخوف).
إذا ما يَمَّمنا وجوهنا شطر اللغة الإنجليزية، نجد أن مصطلح "Terrorism" يضرب بجذوره في الأصل اللاتيني "ters" ومنه استُلت كلمة "Terror" التي تعني الفزع المطبق أو الرعب الشديد [د. منتصر سعيد حموده، الإرهاب الدولي، ص ١٧؛ د. عبد الرحمن رشدي الهواري، ندوة الإرهاب والعولمة، ص ١٩].
وتعضد القواميس العالمية هذا المنحى؛ إذ يعرف قاموس "Oxford" الإرهاب بأنه (استخدام العنف والتخويف بصفة خاصة؛ لتحقيق أغراض سياسية) [P. ١٤٨٠] ويضيف قاموس Longmanبُعدًا أكثر دقة بكونه (استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، وبصفة خاصة ضد السلطة الحاكمة ورعاياها) [P.١٣٠٨] فالمصطلح في الغرب والشرق بات يصبُّ في مجرى واحد، وهو استباحة الدماء والأموال والممتلكات وبث الهلع في قلوب الآمنين تحت غطاء مطالب سياسية أو أيديولوجية شاردة [محمد عبد الله طالب السري: الإرهاب ص ١٦].
إنَّ المفهوم اللغوي للإرهاب يحمل في طياته تحذيرًا خفيًّا؛ فكل من خرج باللفظ عن مدار (الخشية الإلهية) ليسكنه في مدار (الترويع البشري) فقد خان اللغة والشرع معًا، إنَّ الإرهاب هو صناعة الفزع، والإسلام هو صناعة السكينة، ولا يلتقيان حتى يلتقي الضدُّ بالضد؛ فالواجب تفكيك هذا الخلط اللساني الذي يمارسه المتطرفون لاستباحة الحياة بدعوى النص.
الفهم السطحي يهدد جوهر الإسلام ويشوه صورته.
الإرهاب خروج عن الفطرة وانتهاك لقدسية الحق.
التطرف الديني يشوه الإيمان ويحفز ظاهرة الإلحاد.