Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حماية الهوية

الكاتب

هيئة التحرير

حماية الهوية

هل يضمن الرخاء المادي وحده تحصين عقول الشباب ضد لوثات الفكر المتطرف؟ 

تتطلب الوقاية "وعيًا مركبًا" يجمع بين كفاية العيش وسداد الفكر؛ فالتطرف بناء منحرف يسكن العقول الخاوية ويتخذ من الأزمات الاقتصادية غطاءً لمآربه.  

الهجرة العشوائية واغتراب الذات الروحية

إن ما شهدته الساحة العربية من تحولات اقتصادية واجتماعية، وما صاحبها من تكثيف لحركة الهجرة من السكينة الريفية إلى صخب الحواضر، أدى إلى بروز ظاهرة (الأحياء العشوائية) التي غدت أحزمة فقر تُطوق عنق المدن الكبرى، إن هذه البيئات بما تحمله من أميّة مستشرية، وبطالة جاثمة، وإحساس خانق بالهامشية، أورثت ساكنيها شعورًا بفقدان الهوية، والبحث عن انتماء بديل [د. مصطفى محمد موسى، التكدس السكاني العشوائي والإرهاب، ص ٧١، ٧٢].

وهنا تبرز الأزمة حين يعجز هؤلاء النازحون عن التكيف مع (روح المدينة) وقيمها المدنّية، فيحدث صدام بين موروثهم الثقافي، وبين واقعهم المرير، مما يولد سخطًا نفسيًّا يجعل من تلك العشوائيات (أوكارًا لتفريخ المتشددين)؛ فالمستطرف يبحث عن جريح النفس؛ ليدس فيه سمومه، فتتحول العوزة المادية إلى نقمة عقائدية، فيستقطبونهم تارة بالإغراء، وتارة بملء فراغ الهوية الضائعة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوۤا۟ إِلَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، والركون هنا قد يكون ركونًا فكريًّا ناتجًا عن ضيق ذات اليد وعمى البصيرة.

العولمة واختلال الموازين البرلمانية والدولية

لقد انتبه الضمير العالمي ممثلًا في المؤتمر السابع بعد المائة للاتحاد البرلماني الدولي بمراكش (٢٠٠٢م)، إلى أن الإرهاب ليس شجرة بلا جذور، بل هو ثمرة مُرّة لصراعات وحروب تُغذيها المظالم الاقتصادية، وقد صدعت السيدة نجمة هبة الله، رئيسة مجلس الاتحاد البرلماني الدولي، بحقيقة كبرى وهي ضرورة (أنسنة العولمة)؛ بحيث لا تخدم فئة النخبة فقط، بل تمتد لتشمل المهمشين والفقراء الذين يمثلون (الصيد الثمين) لشبكات الإرهاب العالمي [تقرير الأمانة العامة للاتحاد البرلماني الدولي، مراكش، ٢٠٠٢م].

إن الشريعة الغراء جاءت لترسيخ (العدل المطلق)، فمنع الفئات الهشة من الوقوع في مصيدة التطرف يتطلب سياسات اقتصادية رحيمة، لا تجعل المال (دُولة بين الأغنياء)، بل وسيلة لإعمار الأرض، وحفظ كرامة الإنسان، فالفقر حين يتزاوج مع الشعور بالظلم العالمي، يخلق بيئة خصبة لمن يريدون هدم صرح الحضارة الإنسانية.

الاستقرار النفسي وفلسفة الكفاية في الشريعة

إن الاقتصاد ليس أرقامًا صماء، بل هو (قوام النفس)؛ فكلما اضطرب دخل الفرد، اضطرب رضاه النفسي، واهتز ولاؤه المجتمعي، إن هذا الاضطراب قد ينقلب إلى كراهية تقود صاحبها إلى النقمة على المجتمع، وهو ما يسميه علماء النفس (ضعف الانتماء الوطني)؛ حيث يستغل المغرضون هذه الثغرة ليوهموا الشاب المحبط بقدرتهم على تغيير واقعه المادي، فيُدفع دفعًا نحو العنف [د. صالح بن غانم السدلان، أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، ص ٢٠].

إن البطالة بين الشباب هي القنبلة الموقوتة التي تفتح الباب أمام الجريمة المنظمة والإرهاب، فالجوع قد يسوق الإنسان لبيع أغلى ما يملك وهو (فطرة السلام)؛ والناس يحركهم العوز، ويسكنهم الكفاف والمال [د. محمد علي حسين الهواري: مفهوم الإرهاب وأسبابه وسبل علاجه، ص ٣٨]، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [أخرجه الترمذي، ٣٧١]، وهو ما يتطلب منا بناء جدار من (الأمن الاقتصادي) يحمي النفوس من الانزلاق، إن التفاوت في الخدمات بين الريف والحضر، وسوء توزيع الثروات كالصحة والتعليم والإسكان، يخلق (إحباطًا فرديًّا) يتحول بمرور الوقت إلى (سخط اجتماعي) عارم.

نسبية الفقر وجوهر الفكر المتشدد

ورغم أهمية العامل الاقتصادي، إلا أنني أرى - من خلال تتبع حركات التطرف - أن الفقر ليس هو (العلة الوحيدة)؛ بل هو عامل مساعد، فالواقع يخبرنا أن منظمات إرهابية نبتت في دول ذات اقتصاد جبار، كأمريكا، واليابان، وأوروبا، بينما سلمت من شرها دول فقيرة، كالهند، وبعض بقاع أفريقيا، والأدهى من ذلك أن رؤوس الإرهاب كانوا من الطبقات المترفة والمؤهلات العليا؛ فمؤسس (الجيش الأحمر) كان أستاذًا جامعيًّا، ومنظمة (بادر ماينهوف) قامت على أكتاف فلاسفة، وكذلك أسامة بن لادن الذي نشأ في رغد من العيش، وطبيبه الظواهري.

هذا يؤكد لنا يقينًا أن الإرهاب هو في الأصل (بناء فكري متشدد) وعقيدة منحرفة، وجدت في الاستعداد النفسي، أو الظرف الاقتصادي، أو الشعور بالإحباط (قشرة خارجية) لتبرير قبحها، إن الهدف النهائي لهؤلاء المرجفين هو بث الكراهية، وزعزعة الثقة في المؤسسات الوطنية، وإكراه الناس على طاعة (كهنة الدماء)، لتحقيق أغراضهم السياسية الدنيئة [صيانة الأوطان من أغراض السياسة]، إن مواجهة هذا الفكر تتطلب يقظة تربوية تقتلع جذور (الغلو) وتزرع مكانها (الرحمة المهداة).

الخلاصة

إن معركتنا مع الإرهاب هي معركة (وعي مركب) يجمع بين سد الفجوات الاقتصادية، وتصحيح المسارات الفكرية، فالبناء النفسي المتماسك هو السياج الحقيقي ضد الاستقطاب، إن الواجب الوطني والديني يحتم علينا رعاية الفقير فكريًّا وماديًّا، لقطع الطريق على كل متربص يسعى لاختطاف عقول أبنائنا، فالإسلام جاء ليبني لا ليهدم، وليحيي لا ليميت.

موضوعات ذات صلة

بتحصين العقول بالوعي، وترسيخ قيم المواطنة، ونشر الفكر الوسطي. 

بالوعي الرشيد تُحفظ الدماء، وبالفكر السليم تُبنى الأوطان وتُصان.

بالوعي الرشيد تُحفظ الدماء، وبالفكر السليم تُبنى الأوطان وتُصان. 

موضوعات مختارة