ما هي الغاية العظمى من التشريع الإسلامي وكيف شوهها الغلاة؟
غاية الشريعة هي "عمارة الأكوان لا إبادة الإنسان"، لكن النابتة همشوا المقاصد واستباحوا الحرمات، فحولوا "الرحمة المهداة" إلى نقمة تهدد أمن المجتمعات وكرامة الخلق التي عصمها الله
ما هي الغاية العظمى من التشريع الإسلامي وكيف شوهها الغلاة؟
غاية الشريعة هي "عمارة الأكوان لا إبادة الإنسان"، لكن النابتة همشوا المقاصد واستباحوا الحرمات، فحولوا "الرحمة المهداة" إلى نقمة تهدد أمن المجتمعات وكرامة الخلق التي عصمها الله
لقد جاء الإسلام حنيفًا ليضرب سياجًا منيعًا حول الكليات الخمس: حفظ النفس، والعقل، والدين، والعرض، والمال، وعلى هذه المحاور دارت رحى التشريع، فجعل الإسلام (الأصل) في علاقة الناس هو السلم والتعايش، وجعل الأمن مقدمًا حتى على إظهار شعائر الإيمان في لحظات الفتنة؛ استلهامًا من موقف نبي الله هارون - عليه السلام - حين آثر الحفاظ على وحدة بني إسرائيل وأمنهم المجتمعي على الصدام، فقال: ﴿إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ ﴾ [طه: ٩٤]، وهذا هو المنهج النبوي الذي تجلى في مكة والمدينة؛ حيث كان الإنكار والتربية يقدمان على القتال والفتنة، صيانةً للمهج والأرواح، وإدراكًا بأنشالأديان جاءت لعمارة الأكوان لا لإبادة الإنسان.
في المقابل نجد أن غياب (الدرس الأصولي الرصين) في بيئة (النابتة) قد أدى إلى استهانة فجة بهذه المقاصد العليا، فالمنهج الوسطي المرتضى يرى في الأصول مفتاحًا لتنزيل فقه النوازل وواجب الوقت بما يحفظ الكليات، أما هؤلاء فقد همشوا هذا العلم، فعميت بصائرهم عن رؤية المقاصد، وانغمسوا في جزئياتٍ منتزعة من سياقها، إن هذا الغياب المنهجي جعلهم يستبيحون ما عصمه الله، فصارت النفوس عندهم رخيصة، والأعراض مباحة، والفرقة دينًا يتدينون به، مما أدى إلى تجريف المعنى الحقيقي للشريعة وإحلال نزعة التشدد التي لا ترقب في مؤمن ولا في إنسان إلًّا ولا ذمة.
إن من أبشع تجليات غياب المقاصد لدى هذه التيارات هو (استهراء الأعراض) والطعن في خيار الأمة، لقد أباح هؤلاء لأنفسهم احتقار الخلق والوقيعة في علماء المسلمين، فصار السب والشتم بضاعة رائجة في مجالسهم؛ فيصفون كبار الأئمة كابن عساكر والزركشي والعراقي بـ(الجهمية) وغير ذلك من ألقاب التضليل؛ بل وصل الشطط ببعضهم إلى نسبة (السب) لذات الله العلية - تعالى الله عن ذلك - واستخدام آيات الوعيد النازلة في الكفار لضرب الصالحين، والحق أن الإنسان في الإسلام هو (بنيان الرب)، ملعونٌ من هدمه، واحترام آدميته صفة ملائكية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فكل تطاول على الكرامة الإنسانية هو عمل (شيطاني) يستجلب اللعنة، ويهدم مقصدًا كليًّا وهو (حفظ العِرض).
لقد لخص الصحابي الجليل عمرو بن العاص - رضي الله عنه - هذه القيمة بقوله: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ - عَزَّ وَجَل - مِنِ ابْنِ آدَمَ" [رواه البيهقي]، إن هذا المبدأ هو الذي يجب أن يحكم خطابنا الدعوي والوطني لمحاربة التطرف، فالمسلم الحق هو مَن سلم الناس- كل الناس - من لسانه ويده، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» [المعجم الكبير للطبراني ١٨/٣٠٩ — الطبراني (ت ٣٦٠)] إن (النابتة) بمناهجها الإقصائية تهدد هذا الأمن النبوي، وتستبدل (الرحمة المهداة) بـ(نقمةٍ مسلطة)، مما يوجب علينا استرداد المقاصد العليا من أيديهم وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان بوصفها أصل الأصول في حضارة الإسلام.
قال تعالى: ﴿إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِی﴾ [طه: ٩٤]، (دلالة على تقديم الأمن المجتمعي ووحدة الصف).
ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [المعجم الكبير للطبراني ١٨/٣٠٩ — الطبراني (ت ٣٦٠)].
إن معركتنا ضد التطرف هي معركةٌ (مقاصدية) بامتياز؛ فالدين جاء لصيانة الإنسان لا لإهانته، ولعمارة الأرض لا لخرابها، ولا نجاة للأمة إلا بالعودة إلى فقه (الكليات) الذي يرى في النفس البشرية قداسةً، وفي الأمن ضرورةً، وفي الرحمة غايةً ومنهاجًا.
قد كشف لنا هذا المنهج ضحالة فكرهم وافتقارهم لأدوات الاستنباط الشرعي الرصين التي امتلكها جيل الصحابة.
التطرف والإرهاب يمثلان تهديدًا شاملًا للمجتمعات، ويتطلب مواجهتهما تكاتف جهود التعليم والتنمية والحوار.
إن صيانة الأوطان من غوائل الفكر المنحرف تبدأ بامتلاك رؤية كلية تجمع بين سداد الفكر.