كيف فكك ابن عباس الأصول الفكرية للتكفير؟
عبر استراتيجية حوارية وعلمية رصينة، جادلهم فيها بالسنة النبوية وفقه المقاصد والموازنات، ليفحم شبهاتهم حول التحكيم والقتال، ويعيد الآلاف لجادة الصواب.
كيف فكك ابن عباس الأصول الفكرية للتكفير؟
عبر استراتيجية حوارية وعلمية رصينة، جادلهم فيها بالسنة النبوية وفقه المقاصد والموازنات، ليفحم شبهاتهم حول التحكيم والقتال، ويعيد الآلاف لجادة الصواب.
عقب وقوع فتنة الخروج، أصبح لهؤلاء الفتية المعتزلين مجموعة من الآراء والشبه الجديدة التي طرأت على حياة المسلمين، مهددةً السلم المجتمعي والوحدة العقدية، وفي تعاملٍ ينم عن حكمة بالغة، اتبع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مع هؤلاء طريقة الحوار والمناظرة؛ سعيًّا لاستنقاذ العقول قبل الأجساد، فأرسل إليهم حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وزوده بنصيحةٍ منهجيةٍ فريدة، وهي أن يجادلهم بالسنة النبوية؛ معللًا ذلك بأن القرآن الكريم حمال وجوه، أي أن نصوصه قد تحتمل تأويلاتٍ بعيدةً يمتطيها ذوو الأهواء، بينما السنة النبوية هي المبينة والموضحة والمقيدة لتلك الاحتمالات، يقول ابن عباس - رضي الله عنهما - واصفًا تلك اللحظة التاريخية: لَمَّا اعْتَزَلْتُ الْحَرُورِيَّةَ فَكَانُوا فِي دَارٍ عَلَى حِدِّتِهِمْ فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ عَنِ الصَّلَاةِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَأُكَلِّمَهُمْ، قَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفُهُمْ عَلَيْكَ قُلْتُ: كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْيَمَانِيَّةِ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثَفِنُ الْإِبِلِ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّمَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِمْ نَزَلَ الْوَحْيُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُحَدِّثُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ لَنُحَدِّثَنَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَا تَنْقُمُونَ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَخَتَنِهِ وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُ؟ “قَالُوا: نَنْقُمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَوَّلُهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا قَالُوا: وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا قَالُوا: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا لَا تُنْكِرُونَ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحْكُمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلْ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، قَالَ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينِ فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَنْتُمْ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ فَاخْتَارُوا أَيَّتَهُمَا شِئْتُمْ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ: “اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ” فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ:” وَاللَّهُ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " فَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، "فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا وَبَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَقُتِلُوا" [أخرجه عبد الرزاق في المصنف: ١٨٦٧٨]، لقد كان اختيار الوقت والهيئة (اللباس الحسن) رسالةً تربويةً صامتة ضد التزمت المظهري الذي غلب على الخوارج، وبدايةً لكسر حدة الجمود الفكري لديهم.
بدأ ابن عباس مناظرته بتحديد المرجعية وتوضيح الفوارق العلمية، فقال لهم: " جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِمْ نَزَلَ الْوَحْيُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ".
لقد وضع ابن عباس يده على الجرح الغائر؛ وهو غياب الفقهاء والعلماء عن صفوف الخوارج، وضحالة فهمهم للدين لاعتمادهم على حداثة السن والعاطفة المشتعلة بعيدًا عن نور التأصيل، وعندما سألوه عن حلته (ثيابه)، رد عليهم بالوحي الذي يجهلون مقاصده: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ [الأعراف: ٣٢].
ثم انتقل للموضوعات الجوهرية، سائلًا إياهم عما ينقمونه على سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فكانت شبهاتهم ثلاثًا: تحكيم الرجال في دين الله، والقتال دون سبي أو غنيمة، ومحو لقب "أمير المؤمنين" من اسمه عند كتابة وثيقة التحكيم.
زعم الخوارج أن عليًًا كفر لأنه "حكم الرجال في دين الله"، مستشهدين بقوله تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، وهنا تجلت عبقرية ابن عباس في الاستدلال، إذ رد عليهم بآياتٍ صريحةٍ تثبت مشروعية تحكيم البشر في قضايا هي دون الدماء رتبة؛ فاستشهد بقوله تعالى في جزاء الصيد للمُحرم: ﴿یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وبقوله في شقاق الزوجين: ﴿فَٱبۡعَثُوا۟ حَكَمࣰا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمࣰا مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ﴾ [النساء: ٣٥] ، ثم وجه إليهم سؤاله المفحم: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحْكُمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلْ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ.
لقد كانت مقارنةً مذهلة بين مقاصد الشريعة العليا (حفظ النفس والنسل) وبين فروعٍ فقهيةٍ يسيرة، وبذلك سقطت ركيزتهم الأولى التي قامت على اجتزاء النصوص وعزلها عن سياقاتها المقاصدية.
كانت شبهة الخوارج الثانية هي اعتراضهم على قتال سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لأصحاب الجمل دون أن يسبي نساءهم أو يغنم أموالهم، قائلين: "وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ؟".
فأجابهم ابن عباس - رضي الله عنهما - بسؤالٍ هز كيانهم العقدي: أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا؟ فإن فعلتم فقد كفرتم، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينِ فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥۤ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ [الأحزاب: ٦]، لقد وضعهم حبر الأمة أمام حقيقةٍ شرعيةٍ لا مفر منها؛ وهي أن حرمة أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ثابتةٌ بنص القرآن، وقتال الفتنة لا يبيح ما تبيحه حروب الكفار الأصليين، إن الخوارج خلطوا بين قتال البغي وقتال الكفر، فجاء ابن عباس - رضي الله عنهما - ليحرر المصطلحات ويصحح المفاهيم، مما جعلهم يُذعنون قائلين: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
أما شبهتهم الثالثة، فكانت اعتراضهم على محو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لصفة "أمير المؤمنين" حين اعترض عليها الخصم، زاعمين أنه بمحو هذا الوصف فقد نفى عن نفسه الإمامة وصار أميرًا للكافرين، وهنا استدعى ابن عباس - رضي الله عنهما - حادثة الصلح الأعظم في الحديبية، حين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًّا - رضي الله عنه - أن يكتب: «اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، فرفضت قريش ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه :٢٧٣٢].
بين ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل من علي- قد محا صفة الرسالة من الوثيقة لتأليف القلوب وتحقيق مصلحة الصلح، ولم يخرجه ذلك من النبوة يقينًا، فإذا جاز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فمن باب أولى أن يجوز لعلي محو لقب أمير المؤمنين لحقن دماء المسلمين، لقد كان قياسًا نبويًّا لا يرد، جعل الخوارج يعترفون بخطئهم للمرة الثالثة.
أثمرت هذه المناظرة العلمية الرصينة عن رجوع عشرين ألفًا من الخوارج إلى الجماعة، بينما أصر أربعة آلاف على غيهم؛ وهم الذين قاتلهم علي لاحقًا في النهروان بعد أن استباحوا الدماء المعصومة، وتكشف هذه واقعة أن الخوارج لم يكن فيهم أحد من فقهاء الصحابة ولا غيرهم، بل كانوا أعرابًا قرؤوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السُنَنِ الثابتة [ابن حزم: الفصل (٤/١٥٦)]، وإن ضحالة علم هؤلاء القوم جعلتهم يُكفرون المسلمين عند أقل نازلة في دقائق الفتيا، لقد أثبت ابن عباس أن "التكفير" ينشأ دائمًا من "الفهم الضيق" واجتزاء النصوص، وأن العلاج الحقيقي يكمن في ربط الناس بكبار العلماء والرجوع إلى السنة المبينة لمقاصد الكتاب، وتظل هذه المناظرة مرجعًا لكل مصلح يريد مواجهة الفكر المنحرف بالحجة لا بالقوة فحسب، مؤكدةً أن الحق أبلج، وأن الباطل مهما علا صوته بالشعارات، فإنه ينهزم أمام نور العلم والبرهان.
الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين
ظاهرة التكفير في العصر الحديث وصِدَامها بالثوابت الشرعية، لها أثرها التاريخي الممتد من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -
يعد ضبط أحكام التكفير من أوجب الواجبات العلمية لحماية جناب الدين وعصمة دماء المسلمين