Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

سياجُ الأصول

الكاتب

هيئة التحرير

سياجُ الأصول

هل أصول الفقه مجرد قواعد جافة أم معيار لحماية فكر الأمة؟

 الحقيقة أنها السياج الذي يصون الاستنباط. فامتزاجها بالمنطق هو كمال الصيانة، والسبيل الأوحد لحماية الملة من سطحية المتطرفين وعجز المتعالمين.

أصولُ الفقه بين مَحجَّة الفقهاء وطرق المتكلمين

لقد طعنت (النابتة) في مصداقية المنظومة الأصولية الموروثة، وزعموا أن خلط الأصول بمسائل الكلام والمنطق قد (أفسد العلم) وشوه جماله، حتى تجرأ بعضهم بوصف تلك الدقائق العلمية بأنها (إضاعةٌ للوقت) وعلمٌ لا ينفع، والواقع أن هؤلاء ما ضاقوا بالعلم إلا لضيقِ أفهامهم عن إدراكه، وما عابوا المنطق إلا لأنهم حُرموا أدوات التحقيق.

إنَّ حجة الإسلام الغزالي حين قدَّم للأصول بمقدمة منطقية، لم يكن ذلك ترفًا، بل كان تشييدًا لـ(معيار العلم) الذي لا يُوثق بفهمِ من لم يحيط به. فكيف يستقيم لمن يجهلُ قوانين الفكر أن يستنبط أحكام رب العالمين؟ قال تعالى: ﴿‌أَفَمَن ‌یَمۡشِی ‌مُكِبًّا ‌عَلَىٰ ‌وَجۡهِهِۦۤ ‌أَهۡدَىٰۤ ‌أَمَّن ‌یَمۡشِی ‌سَوِیًّا ‌عَلَىٰ ‌صِرَٰطࣲ ‌مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [الملك: ٢٢]، فالمنطق والكلام هما الاستواء في الفهم، والسطحية هي الانكباب الذي لا يورث إلا تيهًا وتطرفًا.

أصولُ الفقه بين عمق التحقيق وعُسر الفهم

إنَّ عُسر الفهم عند (بُلداء الطلبة) صار حكمًا على (أساطين العلم)، حتى رأينا من يزدري حواشي السعد التفتازاني، والجرجاني، والقطب الرازي، ويعدها تعقيدًا يُنفر من العلم، والحقيقة أن هذه (الحواشي الشريفة) هي التي صقلت عقول المجتهدين، وأورثتهم (الملكة العلمية) التي تفرق بين الحق والباطل.

لقد استشهد بعضهم بكلام الإمام أبي المظفر السمعاني في (القواطع) ليضربوا به منهج المتكلمين، وغفلوا عن أن السمعاني نفسه كان يعظم الباقلاني والجويني والشيرازي، ولم يقصد أبدًا تجريد العلم من أدوات العقل، إن القصور ليس في (المناهج الموروثة)، بل في (الهمم القاصرة) التي استوحشت طريق الطلب، فعادت باللائمة على كنوز التراث بدلًا من اتهام عجزها، وفي الحديث: «أَلا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» [أخرجه أبو داود في السنن]، فبدلًا من السؤال والتعلم، اختار المتطرفون الطعن والتبديع.

المحاسن العلمية للمباحث الكلامية في كتب الأصول

إنَّ امتزاج الأصول بالمسائل الكلامية والمنطقية هو من أعظم (محاسن) هذا العلم، فهو الذي يمنح الطالب (نظرة كلية) للخريطة العلمية، ويجعل القواعد الأصولية ممتزجة بـ(أصول الدين) فلا تنفصل الفروع عن أصولها.

 إنَّ حماة الملة كالباقلاني والغزالي والمطيعي، لم يكتبوا تلك التقريرات لتعجيز الناس، بل لبناء (عقلية محققة) قادرة على تفنيد الشبهات ومواكبة المستجدات، فمن يزعم أن (اللغة أفسدت الأصول) أو أن (الكلام أثقله)، إنما يدعو إلى (دين بلا عقل)، وهو المرتع الخصيب لظهور الفرق الضالة التي تجتزئ النصوص وتُهمل القواعد الكلية، قال سبحانه: ﴿‌وَتِلۡكَ ‌ٱلۡأَمۡثَٰلُ ‌نَضۡرِبُهَا ‌لِلنَّاسِۖ ‌وَمَا ‌یَعۡقِلُهَاۤ ‌إِلَّا ‌ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فالعلم لا يُنال بالتبسيط المُخل، بل بالتحقيق والتدقيق.

الذود عن حياض الأكابر وحماية التراث

يُطل علينا في هذا الزمان (متصدرون متعالمون) يحتقرون تراث الشيخ بخيت المطيعي، والعلامة حسن العطار، وسيد شريف الجرجاني، ويعدون علمهم (ضلالًا عن سبيل الرشد)، ويا لله! كيف يتجرأ من لا يحسن فك عبارة بسيطة على هامة من هامات الأرض؟

إنَّ هؤلاء المحققين هم الذين حفظوا للأمة هويتها العقلية أمام كل جبار عنيد، وهم الذين ميزوا بين (الظن واليقين) في الاستنباط، إنَّ محاربة التطرف تبدأ من استعادة هيبة هؤلاء العلماء وتدريس حواشيهم وتفهم مراميهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن أراد للأمة أن تكون (بلا ذاكرة) وبلا (ميزان عقل)، ولن نكف عن الفخر بعلماء الإسلام الذين صاغوا بمدادهم سياجًا يحمي الملة من تزييف الغالين وانتحال المبطلين.

الخلاصة

إنَّ الهجوم على المناهج الأصولية والكلامية هو (بوابة التطرف) الكبرى؛ لأنه يهدف إلى تجريد العقل المسلم من أدوات النقد والتحقيق، والاعتصام بحواشي المحققين وتعظيم الملكة العلمية هو السبيل الأوحد لصناعة جيلٍ يجمع بين نور الوحي ودقة الفكر، بعيدًا عن ضيقِ أفقِ الناقدين وسطحيةِ المتعالمين.

موضوعات ذات صلة

 إنَّ الدرسَ الأصوليَّ ليس قيدًا جامدًا على النص؛ بل هو (نظامٌ عقلي) يُحيل الفكرَ السيال إلى قواعدَ منضبطة.

إنَّ الإسلام ما نـزل ليُحيل العالم إلى غابةٍ من الضغائن، بل جاء ليُتمم مكارم الأخلاق ويُرسخ قِيَم التعايش.

 إن معركتنا اليوم مع التطرف ليست مجرد مواجهة أمنية؛ بل هي معركة فكرية وجودية تتطلب صياغة عقل سَوي يستعصي على الاختطاف.

موضوعات مختارة