: لماذا يُعد الهجوم على أصول الفقه هجومًا على الشريعة نفسها؟
لأن هذا العلم هو "ميزان الفهم" وعصمة الأذهان، وتجاوزه يعني السقوط في فخ الظاهرية المشوهة وأحادية الرأي التي تفرخ التطرف وتغلق أبواب الاستنباط والرحمة.
: لماذا يُعد الهجوم على أصول الفقه هجومًا على الشريعة نفسها؟
لأن هذا العلم هو "ميزان الفهم" وعصمة الأذهان، وتجاوزه يعني السقوط في فخ الظاهرية المشوهة وأحادية الرأي التي تفرخ التطرف وتغلق أبواب الاستنباط والرحمة.
يُعد علم أصول الفقه (علم الفحول)، وهو الميدان الذي لا يثبت فيه إلا من تمهر في دقة الفهم ورُزق سعة التدبر، إن القواعد الأصولية لم تكن يومًا مجرد (قوالب جامدة)، بل هي مسوغات شرعية لتنوع طرق الاستنباط، وضمانة حقيقية لاستيعاب اختلاف الأئمة والمذاهب ضمن إطار الوحي.
لكننا نرى في هذا الزمان (نابتة) استبدت بهم (دكتاتورية الفكر) و(أحادية الرأي) التي هي مفرخة التطرف، فلم يطيقوا صبرًا على دقائق هذا العلم؛ لأن السطحية لا تجتمع مع الدقة، والضيق لا يتسع للموسوعية، فاندفعوا يرمون قواعد العلم بأنها (طاغوت) ويدعون أنها مخالفة للكتاب والسنة، وما علموا أن الطعن في (ميزان الفهم) هو طعن في (المفهوم) نفسه، قال تعالى:
﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰۤ أُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِینَ یَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء: ٨٣]، فجعل الله الاستنباط رتبةً عُليا لا يصل إليها إلا أهل العلم والتمكين.
من أعجب ما يُسمع في عصرنا، وصفُ كتب الأصول بأنها (مجرد دعاوى)، أو الادعاء بأن القواعد الأصولية أُسِّست لإبطال السنن وتمرير المذاهب، ولقد بلغت الجرأة ببعضهم أن وضعوا كتبًا في (مزالق الأصوليين) ليصوروا لطلبة العلم أن الأئمة الأكابر قد زلوا عن جادة الوحي!
إنَّ هذه الهجمة الشرسة، خاصة على (قواعد الحنفية) أو (خبر الآحاد)، هي في الحقيقة (عجزٌ عن الفهم) فما يراه هؤلاء (منـزلقًا) هو عند أساطين العلم (مَحاسن) و(دقة مسلك)، إذ إن الأصولي يبني قاعدته على استقراءٍ تام لنصوص الشريعة، لا على نظرة أحادية قاصرة تولد التشدد، وقد جاء في الحديث الشريف: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» [سنن الترمذي - ت شاكر ٥/٣٤ — الترمذي (ت ٢٧٩)] فالتفاوت في الفقه والاستنباط سُنة نبوية، والجمود على الظاهر دون الأصول هو الحرمان بعينه.
إنَّ الطعن في القواعد الأصولية ليس مجرد خطأ علمي، بل هو (مرضٌ نفسي) يربي الطالب على سوء الظن بعلماء الأمة، فحين يقرر بعض المتشددين أن (من خالف أهل الحديث في قاعدة واحدة خرج عنهم)، فهم يمارسون (إرهابًا فكريًّا) يمنع الطالب من التبحر والاستفادة من تراث الإسلام العظيم، ويقوده قسرًا إلى مسارات التطرف والتبديع.
هذه النفسية تجعل طالب العلم (مزورًا) عن المعرفة، خائفًا من (بعبع) الابتداع، فيتحول إلى (ظاهري) مشوه يحمل السنن ولا يفقه مقاصدها، إنهم يفترضون في أنفسهم الغيرة على السنة، ويُخونون الأصوليين الذين بذلوا أعمارهم في صونها وتقعيدها، وما أصدق قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين» [رواه البيهقي].
شتان بين منهجين: منهجٌ أزهريٌّ أصيل يربي في الطالب احترام السلف، ويعلمه أن الجالس على موائدهم (متطفلٌ) يرجو بركتهم ويفهم مرامهم، مما يفتح له أبواب (الفتح الرباني)؛ وبين منهج (النابتة) الذي يربي الطالب على تتبع (الزَّلات) المزعومة، واتهام الأئمة بالضلال والابتداع.
إن اتهام النفس عند عدم الفهم هو أول طريق العلم، أما اتهام العلم وأهله فهو سدٌّ منيع أمام النور، فالطالب الذي يرى في (المذاهب) و(الأصول) قيودًا، سيظل في حيرة من أمره، تتقاذفه أمواج (أحادية الرأي) حتى يغرق في التطرف، إنَّ تعظيم القواعد والضوابط هو تعظيمٌ لشرع الله، وصيانةٌ له من عبث العابثين وتأويل الجاهلين.
إنَّ الهجوم على أصول الفقه هو هجومٌ على (العقل الفقهي) للأمة، وثمرةٌ لنفسية متطرفة تقتاتُ على تضليل السلف وتجهيل العلماء، والواجبُ العودةُ إلى أدبِ الفحول وتعظيمِ القواعد؛ فمن حُرمَ الأصولَ حُرمَ الوصول، ومن ساءَ أدبُه مع الأئمة، سُدَّت في وجهه أبوابُ الفهم عن الله ورسوله.
إنَّ صيانة العقل الأصولي هي حمايةٌ لمنابع الفهم عن الله ورسوله.
إنَّ الإسلام ما جاء ليجعل من العالم ساحةً للأشلاء؛ بل نـزل ليُشيّد صرحًا من التعايش الرحيب.
إنَّ الإسلام ما نـزل ليُحيل العالم إلى غابةٍ من الضغائن، بل جاء ليُتمم مكارم الأخلاق ويُرسخ قِيَم التعايش.