وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الناظر في حقائق الوجود يدرك يقينًا أنَّ الاقتصاد ليس مجرد أرقامٍ صمّاء، بل هو (قوام الأنفس)، وعصبُ الحياة الذي تنبني عليه سكينة القلوب، ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ القوة الاقتصادية اليوم هي المحرك الفعلي؛ لموازين القوى العالمية؛ إذ تمنح التفوق لمن ملك زمامها، مما أوجد صراعًا محمومًا على المصالح والمكاسب، جعل من القوى المهيمنة على الاقتصاد تتحكم في مصير الشعوب، تدير شؤونها وفق ما تقتضيه بوصلة المنفعة دون التفات لآثار ذلك على المجتمعات الهشة.
إنَّ اختلال هذه الموازين أدى إلى بروز أزماتٍ خانقة في مجتمعات العالم الثالث، تمثلت في غلاء المعيشة، وتراكم الديون، واتساع الهوة بين الطبقات، مما خلق بيئةً رخوة جعلت من الشباب لقمةً سائغة في أفواه الجماعات المتطرفة التي تقتات على مرارة الحاجة؛ لتنفث سموم الغلو في عقول الناقمين [د. عدنان طراد إبراهيم: إرشاد الطلاب للتفريق بين الجهاد والإرهاب، دار الفارابي للمعارف دمشق ط۱، ۲۰۰۸ م، ص ٤١].
وقد نبَّه القرآن الكريم إلى أنَّ الأمن والاقتصاد صنوان لا يفترقان في قوله تعالى: ﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ * ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [سورة قريش، الآية: ٤]، فقدم الله- سبحانه- في الآية الإطعام من الجوع كركيزة للأمن من الخوف.
إنَّ تقلبات العولمة المعاصرة زادت من حدة هذه الفجوات حيث يرى المفكرون أنَّ التطرف قد يبرز كرد فعلٍ مسلوبِ العقل تجاه التحولات الاقتصادية العنيفة التي تطحن الفئات الهشة، مما يعبر عن سخط المجتمعات المطحونة [د. خالد بن صالح الظاهري، دور التربية الإسلامية في مواجهة الإرهاب، ص ٥٩]، وهنا تظهر مسؤولية الحفاظ على منشآت الدولة الاقتصادية؛ لأنَّ استهداف هذه المرافق هو استهدافٌ لكيان المجتمع وقدرته على رعاية أبنائه، وهزٌ لثقة العالم في استقرار البلاد [د. نبيل أحمد حلمي، الإرهاب الدولي وفقًا لقواعد القانون الدولي، ص ١٥].
لقد حاول بعض المرجفين إلباس العمليات التخريبية ثوب (المشروعية) أو (الاحتجاج)، كما في الاعتداءات التي تستهدف حرمان الدول من مواردها المالية أو السواح أو الحركة المالية، بهدف زعزعة الثقة في قدرة الدولة على حماية الاستثمارات، وقد تجلى ذلك في وقائع تاريخية مثل: تلغيم البحر الأحمر عام ١٩٨٤م بهدف الإضرار بحرية الملاحة وعائدات الممرات المائية الدولية، والإضرار باقتصاديات المنطقة، والتدفقات المالية للدولة [د. عبد العزيز مخيمر، الإرهاب الدولي، ص ٩٩].
إنَّ الشريعة الإسلامية ترفض تمامًا جعل التخريب وسيلةً للتعبير؛ فالدولة هي الحصن الحصين، وتدمير قنوات نموها هو إفسادٌ في الأرض يقطع سبل العيش للآمنين؛ إذ التلازم بين الأمن والرغد، وبين الخوف والجوع، هو حقيقةٌ شرعية صدع بها الخليل إبراهيم - عليه السلام - في دعائه: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢٦]، فمن رام الرزق بغير أمن فقد ضل سواء السبيل، ومن ظن أنَّ تفجير المنشآت أو هز ثقة الرساميل هو نصرةٌ لقضية، فقد أخطأ المقصد، وخان الأمانة، فاستقرار الاقتصاد هو الضمانة الحقيقية؛ لحفظ الهوية، وحماية الشباب من الانزلاق في وحل التشدد والتطرف [د. عبد العزيز مخيمر، الإرهاب الدولي، ص ٩٨].
أصبح العالم اليوم (قرية صغيرة) تتلاشى فيها الحدود أمام فيض المعلومات المتدفق عبر الفضاء الرقمي، مما جعل التحكم في المعلومة أمرًا في غاية الصعوبة، وهنا يبرز دور الإعلام كسلاحٍ ذي حدين؛ فبقدر ما يسهم في البناء، قد يسهم في تغذية العنف عبر التغطيات التي تمنح المتطرفين (دعايةً مجانية) تشجعهم على التمادي؛ لاعتقادهم بأن متابعة العالم لأفعالهم تشكل رافدًا لهم في صراعهم الموهوم [سعد حسين آل سليمان، الإرهاب وتأثيره على التنمية المستدامة، ص ٨٠].
إنَّ استخدام شبكات المعلومات صار منفذًا خطيرًا؛ لبث لقطات مصورة تهدف إلى استثارة المشاعر بطريقة غير منضبطة، ودفع الشباب نحو العنف بدلًا من البناء الرشيد؛ لأن الواجب يحتم على الإعلام أن يكون (سياجًا للوعي)، يحمي عقول أبنائنا من التزييف، ويُبرز الحقائق بعيدًا عن الإثارة التي تخدم الأجندات التخريبية؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم ٦٤٧٨]، وهو ما يتطلب إعلامًا يبني الإنسان، ويحفظ وجوده، وهدوء مجتمعه [مشار إليه في بحث محمد عبد الله طالب المري، الإرهاب، رسالة ماجستير في القانون الجنائي، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، ۲۰۰۰م، ، ص ٥٣].
قد تتدثر بعض الجرائم الإرهابية بدوافع تاريخية كالثأر أو الانتقام من أحداث غابرة؛ لتبرير القتل اليوم، وهو مسلكٌ يفتقر إلى الرؤية المقاصدية الصحيحة [د. منتصر سعيد حمودة، الإرهاب الدولي، ص ١٤٨]، كما تبرز الدوافع الشخصية، والاضطرابات النفسية كمحرك لكثير من الحوادث، مثل: اختطاف الطائرات؛ لطلب الفدية المادية، أو الهروب من ملاحقاتٍ قضائية، أو لمجرد حب الظهور، ولفت الأنظار، مما يعكس خللًا عميقًا في التكوين الروحي والعقلي لمرتكبها [د. نبيل أحمد حلمي: الإرهاب الدولي وفقًا لقواعد القانون الدولي، ص ١٧].
إنَّ مواجهة هذه الدوافع لا تكون إلا ببناء (الشخصية السوية) التي تعتز بوطنها، وتفهم دينها فهمًا وسطيًّا يرفض الابتزاز والعنف، كما أنَّ حماية المجتمع، واستقرار الدولة هي المقصد الأعلى، وكل ما يهدد هذا البنيان من نزعاتٍ شخصية أو أوهام تاريخية يجب أن يُجابه بوعيٍ تربوي وفكري يقتلع جذور الغلو من الوجدان [سعيد عبد الرحمن الجبرين: الإرهاب، الأسباب والعلاج، ص ٣٢].
إنَّ الرهان الحقيقي في مواجهة الفكر المتطرف يكمن في تحرير العقول من أوهام الغلو، وغرس بذور العدالة الناجزة التي تقتلع جذور اليأس من الوجدان؛ ذلك أنَّ الأمن الحقيقي لا يستقر إلا حين يتصالح العقل مع الواقع؛ لأن غايتنا المثلى هي تشييد بنيان إنسان متصل بخالقه، مخلص لتراب وطنه، عزيز النفس والروح، يكون حصنًا منيعًا للدين، وسدًا شامخًا يحمي منجزات الأمة، ومستقبل أبنائها من كل فكر دخيل.
التشدد أيديولوجية تقطع أواصر المجتمع وتفكك نسيجه الإنساني والاجتماعي.
صيانة العقول من الغلو فريضة تستقيم بها شؤون الحياة.
المتأمل في مجريات العصر الحديث يدرك أنَّ الإرهاب قد استحال من نزوةٍ عابرة إلى منظومةٍ كالحَة.