وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
مولده رضي الله عنه:
لم تأت رواية تحدد اليوم والشهر والسنة التي ولد فيها سيدنا جعفر رضي الله عنه، ولم يحدد أحد من المؤرخين ذلك حسب ما توفر لي من مصادر ومراجع عُنيت بالترجمة له، ولكن ولد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة المكرمة قبل الهجرة، وكان جعفر أسن من عليّ رضي الله عنه بعشر سنين. [الطبقات الكبرى لابن سع (٤/٣٤)، معجم الصحابة للبغوي (٤/٣٩٨)].
اسمه ونسبه: هو جَعْفَر بنُ أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قُصَي القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه، وهو جعفر الطيار، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقًا وخلْقًا، أسلم بعد إسلام أخيه علِيّ بقليل، رُوي أن أبا طالب رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعليًّا رضي الله عنه يصليان، وعلي عن يمينه، فقال لجعفر رضي الله عنه: صِلْ جناح ابن عمك، وصَلِّ عن يساره، قيل: أسلم بعد واحد وثلاثين إنسانًا، وكان هو الثاني والثلاثين؛ قاله ابن إسحاق، وله هجرتان: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة.
روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري؛ وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه: أبا المساكين، وكان أسن من عليّ بعشر سنين، وأخوه عقيل أسن منه بعشر سنين، وأخوهم طالب أسن من عقيل بعشر سنين، ولما هاجر إلى الحبشة أقام بها عند النجاشي إلى أن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فتلقّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقه، وقبّل بين عينيه، وقال: «مَا أدرى بِأَيِّهِمَا أَنا أَشد فَرحا بقدوم جَعْفَر، أم بِفَتْح خَيْبَر» وأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب المسجد. [ابن الأثير، أسد الغابة، (١/٤٢٦)].
زوجته رضي الله عنه: زوجته هي أم عبد الله أسماء بنت عُمَيْس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم. [سيرة ابن هشام (١/٢٥٧)، معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (١١/ ٣١٠)].
وقد روت أسماء بنت عميس رضي الله عنها ستين حديثًا. وهي التي أخبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن لها هجرتين- هجرة الحبشة وهجرة المدينة- هي وزوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكل من هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة. [معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (٢٢/ ٤٠٧)، الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٤٠٣)].
أولاده رضي الله عنه :وكان لجعفر رضي الله عنه من أسماء بنت عميس رضي الله عنها أولاد ثلاثة [قال الواقدي: ولدت أسماء لجعفر عبد الله وعونا ومحمدا وأحمد حكاه أبو القاسم بن منده واستدركه ابن فتحون، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٣٢٥)]، والعقب لعبد الله دون أخويه، رضى الله عنهم أجمعين [النووي، تهذيب الأسماء والصفات (١/١٤٩)].
ولد عبد الله بن جعفر: محمدًا وبه كان يكنى، وأمه محشية من بني أسد، وعليًا، وعون الأكبر، وجعفر الأصغر، وعباسًا، وأم كلثوم؛ أمهم زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمدًا، وعبيد الله، وأبا بكر، قتل مع الحسين عليهم السلام، وأمهم الخوصاء من ربيعة، وصالحًا، وموسى، وهارون، ويحيى، وأم أبيها، أمهم ليلى بنت مسعود النهشلية، خلف عليها بعد علي عليه السلام، ومعاوية، وإسحاق، وإسماعيل، والقاسم لأمهات شتى، والحسن، وعون الأصغر، قتل يوم الحرة - ويقال: بل قتل الأكبر، وأمهما جمانة بنت المسيب الفزارية.
فأما أم كلثوم فكانت عند القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها الحجاج، ثم أبان بن عثمان، وأما أم أبيها فكانت عند عبد الملك بن مروان ثم عند علي بن عبد الله، قال: والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لمعاوية؛ وإسحاق وإسماعيل [البلاذري، أنساب الأشراف (٢/٣٢٥)].
إخوته:
أولًا: طالب بن أبي طالب: هو طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أكبر أولاد أبي طالب وبه يكنى أبوه. يُقال: إن قريشًا أكرهته على الخروج يوم بدر، ففُقِد فلم يُعرف له خبر. ويُقال: إنه أكره فرسه بالبحر حتى غرق. وليس لطالبٍ عَقِبٌ. [السخاوي، استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول-صلى الله عليه وسلم وذوي الشرف، (١/٢٤٦)]، "وولَدَ أبو طَالِبِ بن عَبْدِ المُطَّلِب: طَالِبًا، لا عَقِبَ لَهُ، وَجَعفرًا، ذا الجَنَاحَيْنِ، قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَعَقِيلًا، وعَلِيًّا، عليهم السلام؛ وأُمُّهم فَاطِمةُ بِنْتُ أسد بن هَاشِم بن عَبدِ مَنَافٍ، كان بين طَالِب وعَقيلٍ عَشْرُ سِنِينَ؛ وبين عَقيلٍ وجَعْفَرٍ عَشْرُ سِنِينَ؛ وبَيْنَ جَعْفَرٍ وعليٍّ عَشْرُ سِنِين"َ. [ابن الكلبي، جمهرة النسب (١/٢٦)، البلاذري، أنساب الأشراف (٢/٢٩٥)].
وكان طَالبُ بن أبي طَالِبُ شاعرًا، قال في يوم بدر:
أَلَا إِنَّ عَيْنِي أَنْفَدَتْ دَمْعَهَا َسْكبَا وتُبَكِّي عَلى كَعْبٍ وَمَا إِنْ تَرَى كَعْبًا
أَلَا إِنَّ كَعْبَا في الْحُروبِ تَخَاذَلُوا وَأَفْنَتْهُمُ الأَيَّامُ واجْتَرَحُوا ذَنْبَا
[حذف من نسب قريش (١/ ٣) لمؤرج السدوسي].
ثانيًا: عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه :هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يكنى أبا يزيد، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخو عليّ وجعفر لأبويهما، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم. [ابن الأثير، أسد الغابة (٤/٦٣)]، وهو أكبر إخوته، وآخرهم موتًا، وهو جدُّ عبد الله بن محمد بن عقيل المحدث. [سير أعلام النبلاء (١/٢١٨)].
وكان إسلام عقيل رضي الله عنه متأخرًا عن علي، وجعفر رضي الله عنهما، فلم يكن مسلمًا عند وفاة أبي طالب، وعليه لم يرث أبا طالب عليّ ولا جعفر؛ لأنهما كانا مسلمين وورثه عقيل وطالب [الرافعي، شرح مسند الشافعي (٤/٣٣٨)].
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «يَا أَبَا يَزِيدَ، إِنِّي أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ: حُبًّا لِقَرَابَتِكَ مِنِّي، وَحُبًّا لِمَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ حُبِّ عَمِّي إيَّاكَ» [الحاكم، المستدرك على الصحيحين (٦٦٤٢)].
وقال ابن سعد: خرج عَقيل مهاجرًا في أول سنة ثمان، فشهد مُؤتة، ثم رجع فعرض له مرضٌ؛ فلم يُسمعْ له بخبرٍ لا في فتح مكة ولا حُنين ولا الطَّائف، وله عَقِبٌ. [ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب (٩/٢٤٩)].
وكان عقيل أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، وقال: ولكنه كان مبغضًا إليهم؛ لأنه كان يعد مساويهم، قال: وكانت له طَنفَسة تُطرح له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب وكان أسرع الناس جوابًا وأحضرهم مراجعة في القول وأبلغهم في ذلك [ابن عبد البر، الاستيعاب (٥/٥٧٤)]، عن عطاء: رأيت عقيل بن أبي طالب شيخًا كبيرًا يُقِلُ الغَرْبَ، قالوا: توفي زمن معاوية [الذهبي، سير الأعلام (٣/١٤٠)].
ثالثًا: سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، يكنى أبا الحسن، واسم أبيه عبد مناف، ولقبه أبو طالب وقيل: اسمه كنيته والأول أصح. [الاستيعاب لابن عبد البر (١/٣٣٥)].
وأم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكان علي أصغر ولد أبي طالب، وكان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين [الطبري، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، ص٥٦]، وكان إمامًا عالمًا متحرِّيًا في الأخذِ، بِحيثُ إنَّهُ يستحلفُ مَن يحدِّثُهُ بالحديثِ سوى أبي بكرٍ.
وكانَ قتلُهُ بالكوفةِ على يدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مُلجمٍ الشَّقيِّ، في رمضانَ سنةَ أربعين، عن سِتِّين سنةً فأكثر بسنةٍ أو سنتينِ أو أقلَّ، وصلَّى عليهِ ابنهُ الحسنُ، ودُفنَ بالكوفةِ عندَ قصرِ الإمارةِ، وعُمِّي قبرهُ لئلا يَنبِشَهُ الخوارج، وقيلَ: إنَّ الحسنَ نقلهُ إلى المدينة [السخاوي، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، (٢/٣٧٩)].
رابعًا: أم هانئ، فاختة بنت أبي طالب رضي الله عنها: واسمها فَاخِتَة ابنة أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عَبْد مَنَاف بن قُصَيّ، وأمّها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، تزوّجها هُبَيْرة ابن أَبى وَهْب المَخْزُومِيّ، ولدت له جَعْدَة بن هُبَيْرَة، وأَطْعَمَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخَيْبَر أربعين وسْقا [ابن سعد، الطبقات الكبرى (١٠/٤٨)].
وَأُمّ هَانِئٍ اسْمُهَا: هِنْدٌ تُكَنّى بِابْنِهَا هَانِئِ بْنِ هُبَيْرَةَ وَلَهَا ابْنٌ مِنْ هُبَيْرَةَ اسْمُهُ يُوسُفُ وَثَالِثٌ وَهُوَ الْأَكْبَرُ اسْمُهُ جَعْدَةُ وَقِيلَ إيّاهُ عَنَتْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ زَعَمَ ابْنُ أُمّي عَلَى أَنّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْته فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ أُمّ هَانِئٍ فَاخِتَةُ [السهيلي، الروض الأنف (٧/٢٢٩)].
يقولون: كان إسلام أم هانئ يوم الفتح. [ابن عبد البر، الاستيعاب (٤/١٨٨٩)]، «وَأُمُّ هَانِئٍ مَاتَتْ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِزَمَانٍ» [الترمذي (١٨٤١)]، ماتت في خلافة معاوية [ابن حجر، تقريب التهذيب (٧٥٩)].
خامسًا: جُمانة بنت أبي طالب رضي الله عنها: بنت أبى طالب بن عبد المطّلب، وأمّها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ. تزوّجها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ فولدت له جَعفر بن أبى سفيان، وأطعمها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في خَيْبَر ثلاثينَ وسْقًا. [ابن سعد الطبقات (١٠/٤٨)]، ولم يكن ليعطيها إلا وهي مسلمة، وذكرها أبو عمر في باب أختها أم هانئ في أولاد فاطمة بنت أسد أم على بن أبى طالب وإخوته. [ابن عبد البر، الاستيعاب (٤/١٨٠١)].
سادسًا: أم طالب ريطة بنت أبي طالب: أم طالب بنت أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، لم يذكرها هشام بن الكلبى في كتاب النسب في أولاد أبى طالب، وذكر أنّه كان لأبى طالب من البنات أمّ هانئ وجمانة وَرَيْطَة، ولعلّ رَيْطَةَ هى أمّ طالب كما سمّاها محمد بن عمر في كتاب طعم النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه أطعم أمّ طالب بنت أبى طالب في خيبر أربعين وسقًا، وأمّ ولد أبى طالب كلّهم، الرجال والنساء، فاطمة بنت أسَد ما خلا طليق بن أبى طالب [الطبقات الكبرى لابن سعد (١٠/٤٨)].
أسلم سيدنا جعفر بن أبي طالب في الأيام الأولى للدعوة، قبل أن يدخل الرسول ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم ويدعو فيها [الطبقات الكبرى (٤/٢٥)].
الهجرة إلى الحبشة: وهاجر سيدنا جعفر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ومعه امرأته أسماء بنت عُميس، وولدت له هناك عبدَ الله وعونًا ومحمدًا، فلم يزل بأرض الحبشة حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثمّ قدم عليه جعفر من أرض الحبشة، وهو بخيبر (سنة ٧هـ) [الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/٣١)، الأعلام، الزركلي (٢/١٢٥)]، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر تلقاه جعفر بن أبي طالب، فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل ما بين عينيه وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر. [الطبقات الكبرى (٤/٢٦)]، وبعد هجرة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحبشة، أمَّن النجاشي جعفرًا ومن معه ليعيشوا في حمايته، ودون أن يصابوا بأذى.
فكان نتاج إحساس سيدنا جعفر بن أبي طالب وزوجته رضي الله عنهما بالطمأنينة أن ولد له بأرض الحبشة محمد وعون وعبد الله، وكان النجاشي قد ولد له مولود يوم ولد عبد الله؛ فأرسل إلى جعفر يسأله: كيف أسميت ابنك؟ فقال: أسميته عبد الله، فسمى النجاشي ابنه عبد الله وأرضعته أسماء بنت عميس امرأة جعفر مع ابنها عبد الله، فكانا يتواصلان بتلك الأخوة [السهيلي، الروض الأنف (٧/١٣٩)].
وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وقال محمد بن عمر: هذا وهم، وكيف يكون هذا وإنما كانت المؤاخاة بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل بدر؟ فلما كان يوم بدر نزلت آية الميراث وانقطعت المؤاخاة، وجعفر غائب يومئذ بأرض الحبشة. [الطبقات الكبرى (٤/٢٦)]، وقيل: فآخى بين جعفر بن أبي طالب، وهو غائب بالحبشة، ومعاذ بن جبل [جوامع السيرة لابن حزم، ص٩٦].
يُعد موقف جعفر أمام النجاشي ملك الحبشة من أعظم المواقف السياسية في السيرة النبوية، حين حاولت قريش استرداد المهاجرين عبر عمرو بن العاص (قبل إسلامه)، وقف جعفر ليتحدث بلسان المسلمين.
الحوار الذي دار بين المهاجرين والنجاشي: قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رسوله اجتمعوا، قَالَ بعضُهم لِبَعْضِ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ...... فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بن أبي طالب، فَقَالَ لَهُ: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، ونأكلُ الميتةَ، وَنَأْتِي الفواحشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ. وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَيَأْكُلُ القويُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نسبَه وصدقَه وَأَمَانَتَهُ وعفافَه، فَدَعَانَا إلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ ما كنا نعبد نحن وآباؤنا مِنْ الحجارةِ والأوثانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وصلةِ الرَّحمِ وحسنِ الْجِوَارِ، والكفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ..." فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عليَّ؛ قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ: "كهيعص" قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُّوا مصاحفَهم، حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشكاةٍ وَاحِدَةٍ، انطلِقَا، فَلَا وَاَللَّهِ لا أسلمهم إليكما، ولا يُكَادون.... قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال دبري مِنْ ذَهَبٍ، وَيُقَالُ: فَأَنْتُمْ سُيُومٌ -وَالدَّبَرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْجَبْلُ- رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لي بها، فوالله ما أخذ الله من الرِّشْوَة حِينَ ردَّ عليَّ ملكَي، فَآخُذَ الرِّشوة فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبوحَيْن مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، مع خير جار. [سيرة ابن هشام (١/٢٩٠-٢٩١)].
وفي هذا الموقف نرى شجاعة وإقدام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للكلام والدفاع عن بقيّة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي، فإنه لم يخف في الله لومة لائم وصدع بالحق دون أي خوف أو انهزام، بل برباطة جأش وإصرار على ما هو عليه من الحق.
عاد سيدنا جعفر رضي الله عنه من الحبشة في العام السابع للهجرة، وتزامن وصوله مع فتح خيبر، لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «حَدِّثْنِي بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ»، قَالَ: مَرَّتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَامٌ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَأَصَابَهَا فَرَمَى بِهَا، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهِيَ تُعِيدُهُ فِي مِكْتَلِهَا وَهِيَ تَقُولُ: وَيْلٌ لَكَ مِنْ يَوْمٍ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ، فَيَأْخُذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَقَالَ: «كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا حَقَّهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ» [البيهقي، شعب الإيمان (٧٥٤٨)].
فرحة النبي: حين رآه النبي ﷺ لزمه وقبّل ما بين عينيه وقال: «والله ما أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ» [شرح سنن أبي داود للعيني ٦/١٥٠)].
فقد كان سيدنا جعفر رضي الله عنه أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وَقَالَ سيدنا رسول الله ﷺ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» [البخاري (٤٠٠٥)].
وعن أبي هريرة، قال: قال سيدنا رسولُ الله ﷺ: «مَرَّ بي جعفرٌ الليلةَ في ملأٍ من الملائكة، وهو مُخَضَّبُ الجَناحَين بالدَّمِ، أبيضُ القَوادمِ» [المستدرك (٥٠٠٨)].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ يُحَدِّثُهُمْ، ويُحَدِّثُوهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُسَمِّيهِ أَبُو الْمَسَاكِينَ" [الطبراني، المعجم الكبير (١٤٧٧)].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "مَا احْتَذَى النِّعَالَ، وَلَا انْتَعَلَ، وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا، وَلَا رَكِبَ الْكُورَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرٍ" [الترمذي (٣٧٦٤)].
وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليُخرج إلينا العكَّة التي ليس فيها شيء، فنشقُّها فنلعق ما فيها [ابن كثير البداية والنهاية (٤/٤٩٧)].
في العام الثامن للهجرة، بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش زيد بن حارثة رضي الله عنه، فإن أصابه قدر فعلى الناس جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن أصابه قدر فعلى الناس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وودعهم، ثم انصرف ونهضوا. [ابن حزم، جوامع السيرة، ص٢٢٠].
وَصَارَ الْمُسلمُونَ فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة، فَجعل الْمُسلمُونَ على ميمنتهم قُطْبَة بْن قَتَادَة العُذْريضي الله عنه، وعَلى الميسرة عَبَايَة بْن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَقيل عبَادَة بْن مَالكضي الله عنهما، واقتتلوا فَقتل الْأَمِير الأول: زيد بْن حَارِثَة ملاقيا بصدره الرماح مُقبلًا غير مُدبر والراية فِي يَده، فَأَخذهَا جَعْفَر بْن أبي طَالب، وَنزل عَن فرس لَهُ يُقَال لَهَا شقراء، وَقيل: إِنَّه عرقبها وعقرها وَقَاتل حَتَّى قطعت يَمِينه، فَأخذ الرَّايَة بيساره فَقطعت، فاحتضن الرَّايَة، فَقتل كَذَلِك، رضي الله عنه، وَسِنُّهُ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ أَو أَربع وَثَلَاثُونَ سنة. فَأخذ الرايةَ عَبْدُ اللَّهِ بْن رَوَاحَة، وَتردد عَن النُّزُول بعض التَّرَدُّد، ثمَّ صمم، فقاتل، حَتَّى قتل. فَأخذ الرَّايَة ثَابت بْن أقرم أَخُو بني العجلان، وَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم، قَالُوا: أَنْت، قَالَ: لَا، فَدفع الرَّايَة إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ: أَنْت أعلم بِالْقِتَالِ مني. فَأَخذهَا خَالِد بْن الْوَلِيد، وانحاز بِالْمُسْلِمين، وأنذر رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم [أَصْحَابه] بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرهُمْ [بقتل٣ الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين] فِي يَوْم قَتلهمْ قبل وُرُود الْخَبَر بأيام. [ابن عبد البر الدرر في اختصار المغازي والسير، ص٢١٠]، قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه، حدّثني أبي الّذي أرضعني. وكان أحد بني مرة بن عوف قال: واللَّهِ لكأني أنظُرُ إلَى جَعفَرِ بنِ أبى طالِبٍ يَومَ مُؤتَةَ حينَ اقتَحَمَ عن فرَسِ له شَقراءَ فعَقَرَها، ثُمَّ تَقَدَّمَ فقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ [السنن الكبرى، البيهقي (١٨١٩٠)]، أخرجه أبو داود من هذا الوجه، وقال ابن إسحاق: هو أول من عقر في الإسلام. [الإصابة في تمييز الصحابة (١/٥٩٣)].
أَمَّر النَّبىُّ - ﷺ - فِى غَزْوةِ مُؤتَة زيدَ بْن حَارِثَة، وَقَالَ: «إِنْ قُتل زيدٌ فجعفر، وَإِنْ قُتلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ»، قَالَ ابْن عُمَرَ: "فكُنْتُ مَعَهُم فِى تِلْكَ الغَزْوة فِالْتَمسْنَا جَعْفرًا، فَوجْدنَا فيما أقَبلَ مِنْ جِسْمِه بضعًا وتسعِينَ مَا بْينَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ" [جمع الجوامع، للسيوطي (٤٣/٤٢٢)].
وعن أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها قالت: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ دَبَغْتُ أَرْبَعِينَ مَنِيئَةً، وَعَجَنْتُ عَجِينِي، وَغَسَّلْتُ بَنِيَّ وَدَهَنْتُهُمْ وَنَظَّفْتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتِينِي بِبَنِي جَعْفَرٍ»، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِهِمْ فَشَمَّهُمْ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا يُبْكِيكَ؟ أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ»، قَالَتْ: فَقُمْتُ أَصِيحُ وَاجْتَمَعَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: «لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ».[مسند الإمام أحمد: ٢٧٠٨٦].
وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رَأيْتُ جعفرًا يَطيرُ في الجنَّةِ مع الملائكةِ» [الترمذي (٤٠٩٦)]، وفي الطبراني أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد قال: «أُرِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ أَصْحَابَ مُؤْتَةَ، فَرَأَى جَعْفَرًا مَلَكًا ذَا جَنَاحَيْنِ، مُضَرَّجَيْنِ بِالدِّمَاءِ، يَعْنِي مَصْبُوغَيْنِ» [المعجم الكبير (١٤٧٣)]، وفي الصّحيح: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما: كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ" [البخاري (٣٧٠٩)]، ومن أقواله المأثورة قبل مقتله رضي الله عنه:
يا حَبَّذا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابهَا ... طَيِّبَةٌ وباردٌ شَرابُها
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا … عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١/١١٨].
نال جعفر بن أبي طالب الشهادة في معركة مؤتة، مُحتضنًا الراية؛ ليعوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة، مخلفًا إرثًا خالدًا في التضحية والفداء، ومنزلةً رفيعةً جعلته أحد أبرز رموز البطولة والعطاء الإنساني في التاريخ الإسلامي.
يرى جمهور أهل السنة أن أهل البيت يشمل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقاربه الذين حرمت عليهم الصدقة.
كان مصداقًا لنبوءة جده ﷺ حين حقن دماء المسلمين، تاركًا إرثًا يفيض بأنوار النبوة، وهدي آل البيت الأطهار.
بَضْعَة سيدنا رسول الله ﷺ وسيدة نساء العالمين، والجهة المصطفوية الطاهرة.
السيدة خديجة بنت خويلد "سيدة نساء قريش" ووزير صدق للنبي صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من شباب الصحابة الذين لهم أياد بيضاء في حفظ الدين وتفسيره ونقله للأمة.