وضع الإسلام نظامًا متكاملًا لحفظ الأموال وصيانة المجتمعات، وازن فيه بين توفير الحياة الكريمة للفرد وبين حماية المكتسبات العامة والخاصة بعقوبات رادعة تمنع الجريمة قبل وقوعها.
وضع الإسلام نظامًا متكاملًا لحفظ الأموال وصيانة المجتمعات، وازن فيه بين توفير الحياة الكريمة للفرد وبين حماية المكتسبات العامة والخاصة بعقوبات رادعة تمنع الجريمة قبل وقوعها.
يروج بعض المشككين لشبهة مفادها أن "حد السرقة" في الإسلام يمثل قسوة مفرطة وانتهاكًا لسلامة الجسد، ويزعمون أن هذا التشريع وُضع أساسًا لقطع أيدي الناس وتشوييهم دون مبرر أخلاقي، معتبرين أن العقوبة لا تتناسب مع الجرم، وأنها تستهدف الفقراء والمحتاجين الذين دفعتهم الظروف للحاجة، ويرون في ذلك تغليبًا للمادة على الإنسانية، متجاهلين السياق الاجتماعي والاقتصادي الصارم الذي يحيط بتطبيق هذه العقوبة، والضمانات العديدة التي تجعل تنفيذها أمرًا نادرًا ومشروطًا بظروف محددة للغاية تعجز عن استيفائها معظم حالات السرقة العادية.
حد السرقة ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة ردع قصوى في مجتمع يكفل الكفاية لأفراده؛ فلا يُطبق الحد إلا بعد توفير حد الكفاية من العيش، وينتفي تمامًا عند وجود شبهة الجوع أو الحاجة أو الاضطرار، وهو محاط بشروط تعجيزية تجعل منه "رادعًا نفسيًا" أكثر منه تطبيقًا فعليًا، وهدفه حماية أمن المجتمع من الطامعين لا التنكيل بالمحتاجين.
للرد على هذه الشبهة يجب أن نؤسس قاعدة عقلية ومنطقية هامة؛ وهي أن النظام الإسلامي كلٌ متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملًا، ويعمل به جملة واحدة هذا بصفة عامة:
أولًا: ضمان الكفاية قبل العقوبة (الحق في الحياة):
الإسلام يقرر حق كل فرد في الحياة وحقه في كل الوسائل لحفظ حياته، ومن حق كل إنسان أن يحصل على هذه الوسائل عبر دوائر متدرجة تضمن له الأمان الاقتصادي، وهي:
١. عن طريق العمل مادام قادرًا على العمل؛ فالإسلام يحث على الإنتاج وعمارة الأرض.
٢. فإن لم يستطع أن يحصِّل أسباب الحياة فعلى المجتمع المسلم أن يوفر له ما يحفظ حياته؛ أولًا من النفقة التي تفرض له شرعًا على القادرين في أسرته.
٣. فإن عجزوا فعلى القادرين من أهل محلته (التكافل الاجتماعي).
٤. فإن عجزوا فمن بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة في نظام تكافلي للرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعي، وهذا يثبت عقليًا أن الإسلام يوفر "حد الكفاية" قبل أن يلوح بـ "سوط العقوبة".
ثانيًا: فلسفة الردع وحماية "المال الحلال":
الإسلام يتشدد في وسائل جمع المال فلا يقر الملكية إلا إذا كانت من حلال؛ وبذلك لا تثير الملكية الفردية أحقاد المحرومين لأن الفرص متاحة والسوق شريفة، فإذا سرق السارق في ظل هذا النظام العادل الذي يوفر الكفاية، فإنه لا يسرق لحاجة بل يسرق طمعًا في الثراء السريع من غير جهد، وهذا "الإثراء العدواني" يروع الجماعة الآمنة ويهدد استقرارها؛ ولأن النفس البشرية جُبلت على حب المال، كان لابد من "زاجر قوي" يضبط هذه الغريزة؛ فالعقوبة هنا تعمل كصدمة نفسية تمنع من تسول له نفسه استسهال الحرمات، وتخلق حالة من "الردع العام" الذي يحفظ للمجتمع طمأنينته التي هي حق أصيل لكل أفراده.
ثالثًا: دوافع الجريمة وفلسفة الردع (لماذا يسرق السارق؟):
إذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام؟ إنه لا يسرق إلا للطمع في الثراء من غير طريق العمل، والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام، ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها، ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال، فإذا سرق إنسان بعد هذا فإنه لا يسرق وله عذر، ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبت عليه الجريمة وأحيل أمره إلى النظام. ونفس الإنسان فطرت على حب المال، ولعل هذا هو الذي يدفع معظم الناس إلى العمل والكد، والإسلام دائمًا يقوم دوافع النفس حتى تنضبط إما بالترغيب أو بالترهيب، من هنا حض الإسلام على الكسب الحلال ورغب فيه ورهب من السرقة بهذه العقوبة، حتى يستقيم المجتمع بما فيه من بار وفاجر.
رابعًا: ضوابط إقامة الحد (درء الحدود بالشبهات):
ولما كان قطع يد السارق يفضحه ويسمه بسمة السرقة ويطلع الناس على ما كان منه، فقد أقام الإسلام حراسة على من يتهم بالسرقة، فلا تقطع يده مع وجود شبهة في أنه سرق كما لا تقطع يده في الشيء المسروق إذا كان تافهًا لا يعتد به، أو كان في غير حرز بل إن السارق في تلك الحالة يعزر بالضرب أو الحبس ولا تقطع يده، ومن تلك الضوابط الدقيقة التي وضعتها الشريعة:
١. قيمة المسروق: أن يكون المسروق شيئًا ذا قيمة، أي أن له اعتبارًا اقتصاديًا في حياة الناس، عن السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٦٨٤)].
٢. شرط الحرز: أن يكون المسروق محرزًا، أي محفوظًا في حرز (مكان مغلق أو مصان)؛ فمن سرق مالًا مهملًا لا قطع عليه وإنما يعزر.
٣. نوع المسروق: أن ما أخذ للأكل بالفم من التمر والثمار فهذا لا قطع فيه ولا تعزير؛ مراعاة للحاجة الفطرية المباشرة.
٤. انتفاء الحاجة والمجاعة: السرقة في أوقات المجاعات لا قطع فيها؛ ولذلك أبطل عمر –رضي الله عنه- القطع في عام الرمادة حينما عمت المجاعة، وهذا تطبيق لقاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات وأن الشبهة تسقط الحد.
٥. مسؤولية المجتمع (نموذج غلمان حاطب): العبد إذا سرق شيء ينظر هل سيده يطعمه أم لا؟ فإن كان لا، غرم سيده ضعف ثمن المسروق، كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في غلمان ابن حاطب بن أبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة، فقد أمر بقطعهم ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبًا له؛ وهذا قمة الفهم المقاصدي؛ إذ عوقب "المتسبب" في الجوع وبرّئ "المضطر" للسرقة.
خامسًا: الواقع التاريخي دليل الرحمة:
تاريخيًا؛ لم يطبق حد السرقة إلا في حالات نادرة جدًا لا تكاد تتجاوز العشرات طيلة قرون من الحضارة الإسلامية الممتدة، وهذا دليل عملي على أن الحد نجح في وظيفته "الوقائية" (الردع والمنع) دون الحاجة للتطبيق "العقابي" إلا في أندر الأحوال، فاستقر في الوجدان الجمعي حرمة السرقة، وسلم المجتمع من الفساد، وهذا يدحض زعم المشككين بأن الإسلام متعطش للعقوبة، بل هو حريص على حقن الدماء وصيانة الأطراف ما أمكن ذلك.
سادسًا: اختلاف النماذج المعرفية:
والقاعدة أن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام في ظل نظامه المتكامل الذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة، فالحدود تمنع من وقوع الجريمة؛ ولذلك نرى على مر التاريخ الإسلامي وعلى مساحة واسعة من بلاد المسلمين أن حد السرقة لم يطبق إلا في أضيق الحدود، وبعدد محدود جدًا لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر، حيث استقر في وجدان المسلمين أن السرقة جريمة من الجرائم السيئة التي تهدد الأمن الاجتماعي والمجتمع في ذاته، بحيث تستحق مثل هذه العقوبة البدنية التي تشبه عقوبة الإعدام وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكون عظم العقاب، وبعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفي آخر يقدم بدن الإنسان في ذاته (تقديس الجسد) بغض النظر عن أفعاله وجرائمه وتهديده للمجموع، وقد خفي عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حد السرقة تشريع وقائي يهدف لحماية الأمن الاقتصادي للمجتمع، وهو مشروط بتحقيق الكفاية المعيشية للأفراد أولًا، فإذا قصر المجتمع في حق الفقير سقط الحد، وإذا وفر المجتمع الرخاء والعدل كان من حقه الضرب بيد من حديد على يد العابثين الطامعين لضمان استقرار الحياة.
جدلية العلاقة بين الوحي الإلهي والنظر العقلي
يُولي الإسلامُ العقل اهتمامًا خاصًّا، كونه أساس حياة الإنسان وأداة فهمه وعبادته
تمثل منظومة العقوبات في الإسلام سياجًا أمنيًا يهدف لحفظ الضرورات الخمس وصيانة المجتمع
يسعى البعض لإيجاد تعارض موهوم بين الحقائق العلمية والنصوص الديني
وضع الإسلام نظامًا متكاملًا لحفظ الأموال وصيانة المجتمعات