المحور الأول: سياق الدعاء وسببُه
لم يكن دعاء سيدنا نوح عليه السلام على قومه نابعًا من هوى أو ضيق، بل كان بعد جهدٍ عظيمٍ في الدعوة استمر تسعمائة وخمسين عامًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]، وكان سيدنا نوح عليه السلام حريصًا على هداية قومه، يدعوهم ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، كما قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ [نوح: ٥-٦]، وكلما دعاهم ازدادوا عنادًا واستكبارًا، حتى أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦].
وقد ذكر المفسرون أن سيدنا نوحًا عليه السلام كان يأتي قومه فيدعوهم إلى الله، فيجتمعون عليه ويضربونه الضرب المبرّح، ويخنقونه حتى يغشى عليه، ثم يلفونه في حصير ويرمون به في الطريق. وبقي يؤذى ويعذب وهو مع ذلك صابر لا يدعو على قومه بالعذاب، حتى يئس من إيمانهم، فعندئذٍ فقط دعا عليهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦-٢٧].
فدعاؤه عليهم كان لحكمة بالغة، وهي أنهم إن بقوا أضلوا عباد الله، وأنجبوا فجرةً كفارًا. [ينظر: تفسير الطبري عند تفسير سورة نوح، وتفسير ابن كثير عند تفسير الآية].
المحور الثاني: الأقوال التفسيرية في المراد بالضلال (تحرير المعنى)
تنوعت أقوال أئمة التفسير في بيان المراد بقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾، وكلها تصرف المعنى عن الدعاء بالضلال المقابل للهدى:
- القول بأن الضلال بمعنى الطبع على القلب والحرمان من الهداية
قال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسيره: "يقول: ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بآياتنا إلا ضلالا إلا طبعًا على قلبه، حتى لا يهتدي للحقّ". [ينظر: تفسير الطبري (جامع البيان)، عند تفسير الآية ٢٤ من سورة نوح]، وهذا المعنى يفيد أن الدعاء كان بزيادة الختم على قلوبهم جزاءً لكفرهم، لا بأن يخلق الله فيهم ضلالاً ابتداءً.
- القول بأنه دعاء عليهم بسبب تمردهم وعنادهم
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: "وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا سيدنا موسى على فرعون ومثله في قوله: ﴿رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰۤ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُوا۟ حَتَّىٰ یَرَوُا۟ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِیمَ﴾ [يونس: ٨٨] [ينظر: تفسير ابن كثير، عند تفسير الآية ٢٤ من سورة نوح].
فدعاء سيدنا نوح كان نظير دعاء سيدنا موسى، وهو دعاء بالخذلان والحرمان من التوفيق، لا دعاء بحب الضلال.
- القول بأن الضلال بمعنى العذاب (تسمية المسبب باسم السبب)
ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالضلال هنا هو العذاب والهلاك، قال الإمام القرطبي - رحمه الله - نقلاً عن ابن بحر: "ولا تزد الظالمين إلا ضلالا أي عذابا".[ينظر: تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، عند تفسير الآية ٢٤ من سورة نوح]، ويدعم هذا القول أن سيدنا نوحًا عليه السلام ختم دعاءه بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، والتبار هو الهلاك والدمار، مما يؤكد أن دعاءه كان بالعذاب لا بالضلال المعنوي.
- القول بأن الضلال ليس في أمر الدين، بل في أمر الدنيا والمكر، أو أنه العذاب
قال الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - في تفسيره "مفاتيح الغيب" معالجًا الإشكال الذي أثاره المشككون أنفسهم: "السؤال الثاني: إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله في أن يزيد في ضلالهم؟ (الجواب) من وجهين: الأول: لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين، بل الضلال في أمر دنياهم، وفي ترويج مكرهم وحيلهم. الثاني: الضلال العذاب لقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِینَ فِی ضَلَٰلࣲ وَسُعُرࣲ﴾ [القمر: ٤٧]. [ينظر: تفسير الفخر الرازي (مفاتيح الغيب)، عند تفسير الآية ٢٤ من سورة نوح]
- القول بأن الضلال مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر
قال الإمام ابن عاشور - رحمه الله - في تفسيره "التحرير والتنوير": "والضلال، مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر الذي خشي سيدنا نوح غائلته في قوله: ﴿وَمَكَرُوا۟ مَكۡرࣰا كُبَّارࣰا)، أي حُلْ بيننا وبين مكرهم ولا تزدهم إمهالًا في طغيانهم علينا إلاّ أن تضللهم عن وسائله... وليس المراد بالضلال الضلال عن طريق الحق والتوحيد لظهور أنه ينافي دعوة سيدنا نوح قومه إلى الاستغفار والإِيمان بالبعث فكيف يسأل الله أن يزيدهم منه. ويجوز أن يكون الضلال أطلق على العذاب المسبب عن الضلال، أي في عذاب يوم القيامة". [ينظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، جـ ٢٩، صـ ٢١١، عند تفسير الآية ٢٤ من سورة نوح].
- القول بأن الآية من كلام الله لسيدنا نوح، وأنها إخبار ونهي عن الاستمرار في الدعاء
ذهب ابن عاشور أيضًا إلى احتمال أن تكون الجملة من كلام الله تعالى لسيدنا نوح، فقال: "ويجوز أن تكون جملة معترضة وهي من كلام الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام... والمعنى: ولا تزد في دعائهم فإن ذلك لا يزيدهم إلا ضلالاً، فالزيادة منك تزيدهم كفراً وعناداً". [ينظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، جـ ٢٩، صـ ٢١١].
المحور الثالث: حقيقة الهداية والضلال في ضوء عقيدة أهل السنة
ولكي تزول الشبهة من جذورها، لا بد من الوقوف على حقيقة الهداية والضلال في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، مستعينين بأقوال أئمة الإسلام في هذه المسألة الدقيقة:
- الهداية والإضلال بيد الله وحده، ولا يُسأل عما يفعل
قرر الإمام أبو الحسن الأشعري - رحمه الله - هذه الحقيقة بأسلوب قاطع في رسالته، فقال: "أجمعوا على أنَّه عزَّ وجَلَّ غيرُ محتاجٍ إلى شيءٍ ممَّا خلق، وأنَّه تعالى يُضِلُّ من يشاءُ، ويهدي من يشاءُ، ويُعَذِّبُ من يشاءُ، ويُنعِمُ على من يشاءُ، ويُعِزُّ من يشاءُ، ويَغفِرُ لِمن يشاءُ، ويغني من يشاءُ. وأنَّه لا يُسألُ في شيءٍ من ذلك عمَّا يفعَلُ". [ينظر: رسالة أبي الحسن الأشعري إلى أهل الثغر بباب الأبواب، ص١٣٥] فهذا تقرير واضح أنَّ الأمر كله لله، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن إضلاله ليس ظلماً، بل هو عدل وحكمة، وجزاءٌ لمن اختار الضلال وأصرَّ عليه، ولا يُسأل الباري - سبحانه - عن حكمته في ذلك، فهو الفعّال لما يريد.
- الضلال عقوبة وليس ابتداءً
إن الله تعالى لا يضلُّ أحداً ابتداءً، بل يضل من اتبع طريق الضلال بنفسه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. فالزيغ منهم هو الأصل، والإزاغة من الله جزاءٌ على زيغهم، وهذا هو العدل الإلهي المطلق الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
- طبيعة الضلال ليست مجرد خطأ، بل إرادة للتيه
الضلال في المفهوم القرآني ليس مجرد خطأ عابر، بل هو إرادة للتيه ومجانبة للصواب، وقوم سيدنا نوح عليه السلام لم يكونوا ضالين بجهل، بل كانوا ظالمين متعمدين، اختاروا الكفر وأصروا عليه، وأضلوا غيرهم، فكان دعاء سيدنا نوح عليهم بالضلال دعاءً بأن يجازيهم الله على صنيعهم، ويجعل جزاءهم من جنس عملهم.