رفع كلمة "الصابئون" في آية المائدة صحيح ولا شيء فيه من حيث الإعراب والبلاغة، ويمكنك التعرف على أهم آراء النحاة والمفسرين لتوضيح المعنى وتصحيح فهم شبهات الطاعنين في القرآن الكريم.
رفع كلمة "الصابئون" في آية المائدة صحيح ولا شيء فيه من حيث الإعراب والبلاغة، ويمكنك التعرف على أهم آراء النحاة والمفسرين لتوضيح المعنى وتصحيح فهم شبهات الطاعنين في القرآن الكريم.
منشأ هذه الشبهة ما ورد في قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾
وقد استند مثيرو الشبهة إلى هذه الآية الكريمة، فزعموا أن فيها خطأً لغويًا ونحويًا، يتمثّل في رفع كلمة «الصابئون» بالواو، رغم أن موقعها –بحسب زعمهم– يقتضي النصب لأنها معطوفة على اسم «إن» في قوله: «إن الذين آمنوا». فكان –في رأيهم– ينبغي أن تُقال: «والصابئين» لا «والصابئون».
وانطلق أصحاب هذه الشبهة من ملاحظةٍ ظاهرية في تركيب الآية، إذ قارنوا بين ما بعد "الواو" في ﴿ٱلصَّٰبِـُٔونَ﴾ وبين ما قبلها من ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، معتبرين ﴿إِنَّ﴾ أن تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وأن اسمها «الذين» وهو اسم موصول مبني، وقد عُطف عليه «الذين هادوا»، ثم جاءت «الصابئون» مرفوعة بالواو لأنها جمع مذكر سالم، وتلاها «النصارى».
ولمّا كانت العلامة الإعرابية لا تظهر في كلمتي ﴿ٱلَّذِينَ﴾ و﴿ٱلنَّصَٰرَىٰ﴾ -فالأولى مبنية، والثانية مقصورة متعذّر ظهور حركتها- ظنّوا أن في الآية خللاً في الإعراب، ومن هنا ادّعوا أن رفع ﴿ٱلصَّٰبِـُٔونَ﴾ دليل على خطأ نحوي في القرآن الكريم، وأنه إما محرّف أو غير منزل من عند الله سبحانه وتعالى، لأن كلام الله لا يمكن أن يتضمّن مخالفةً لقواعد اللغة.
وهكذا أرادوا من خلال هذه الشبهة التشكيك في فصاحة القرآن وإعجازه البياني، والطعن في مصدره الإلهي.
إن رفع كلمة «الصابئون» في قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩].
ليس خطأً لغويًا كما زعم الطاعنون، بل هو من أساليب العرب الفصيحة التي جاء بها القرآن على أرقى وجوه البيان.
وقد بيَّن النحاة والمفسرون –كسيبويه والخليل والزمخشري والشوكاني– أن وجه الرفع له توجيهان قويان:
أما البلاغة القرآنية فترى في هذا الرفع إشارة إلى تمييز الصابئين عن سائر الطوائف الثلاث (الذين آمنوا، اليهود، النصارى)، لأنهم ليس لهم كتاب ولا رسول، فجيء برفعهم لإبراز استقلالهم في السياق وتنبيه السامع إلى هذا المعنى.
الرد على الشبهة:
للنحاة والمفسرين في توجيه رفع "الصابئون" في هذه الآية عدة آراء، منها ما هو قوى مشهود له في الاستعمال اللغوي عند العرب الخلص، ومنها ما هو دون ذلك، وقد بلغت في جملتها تسع توجهات نذكر منها ما يلي:
الأول: ما قاله جمهور نحاة البصرة، الخليل وسيبويه وأتباعهما، قالوا: إن "الصابئون" مرفوع على أنه "مبتدأ" وخبره محذوف يدل عليه خبر ما قبله "إن الذين آمنوا" قالوا: والنية فيه التأخير، أي تأخير "والصابئون" إلى ما بعد "والنصارى". وتقدير النظم والمعنى عندهم: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك" [انظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٣٥٤/٤)].
ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول، وتقديره "راضون" لدلالة الثاني عليه "راض".
والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
وقول الآخر:
ومن بك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيَّار بها لغريب
والتقدير: فإني لغريب وقيار كذلك.
وقول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق
الشاعر يصف الفريقين أنهم " بغاة " إن استمروا في الشقاق، والتقدير: اعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.
وهكذا ورد في الاستعمال. اللغوي عند العرب، أن الجملة الاسمية المؤكدة بـ"إن" يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم "إن" وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم "إن" ويحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر اسم إن عليه، أو يحذف خبر اسم "إن" ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثاني دليلا على خبر اسم "إن" المحذوف ونظم الآية التي كانت منشأ الشبهة عندهم لا يخرج عن هذه الأساليب الفصيحة، التي عرفناها في الأبيات الشعرية الثلاثة، وهي لشعراء فصحاء يستشهد بكلامهم.
الثاني: أن "إن" في قوله تعالى: "إن الذين آمنوا" ليست هي "إنّ" الناسخة، التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، بل هي بمعنى: نعم، يعنى حرف جواب، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصبًا، ولا رفعًا، وعلى هذا
فألذى بعدها مرفوع المحل، لأن "الذين" اسم موصول، وهو مبنى في محل رفع، وكذلك "الصابئون" فإنه مرفوع لفظًا، وعلامة رفعه "الواو" لأنه جمع مذكر سالم، مفرده "صابئ ".
وقد استعملها العرب كذلك، قال قيس بن الرقيات:
برز الغزواني من الشباب ... يلمنني وآلو مهنَّهْ
ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرتَ ... فقلت إنَّهْ أي فقلت: نعم. [البيتان في ديوانه (٦٦) والكتاب لسيبويه (٤٧٥/١)]
وعلى هذا فإن كلا من "الذين" و "الصابئون" والنصارى، أسماء مرفوعة إما محلًا، وهما: "الذين" فهي مبنية في محل رفع، والنصارى مرفوعة بضمة مقدرة لأنها اسم مقصور لا تظهر على آخره حركات، وإما لفظًا مثل: " الصابئون " فهي مرفوعة لفظًا بواو الجماعة.
وعليه- كما كان في المذهب الأول- فلا خطأ في الآية كما زعم خصوم القرآن.
أما المفسرون فقد اختار الزمخشري منهم المذهب الأول المعزو إلى جمهور علماء البصرة، ومن شيوخهم الخليل وسيبويه، فقال: "والصابئون" رفع على الابتداء، وخبره محذوف والنية به (الضمير في "به " عائد على " الصابئون " يعنى أن حقه أن يذكر بعد النصارى، ولكنه قُدِّم من تأخير)
التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل: "إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك" [الكشاف (٦٣٠/١)].
وقال الإمام الشوكاني: "والصابئون" مرتفع على الابتداء، وخبره محذوف والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك" [فتح القدير (٧١/٢)].
وقد ألمح الإمام الشوكاني إلى إضافة جديدة خالف بها كلا من الخليل وسيبويه والزمخشري؛ لأن هؤلاء جعلوا "الصابئون" مقدما من تأخير كما تقدم، أما هو فجعله قارًّا في موضعه غير مقدم من تأخير بدليل قوله:
"والصابئون والنصارى كذلك" وهذه إضافة حسنة ومقبولة. وعليه يمكن جعل "النصارى" مرفوعة عطفًا على "الصابئون" ولا حاجة إلى جعلها منصوبة عطفًا على "إن الذين آمنوا"، والواقع أن هذا المذهب- على جملته- الذي ذهب إليه جمهور علماء البصرة، وتابعهم فيه الإمام الشوكاني هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع "الصابئون" في هذه الآية الكريمة. أما بقية الآراء، فهي دون ذلك بكثير (انظر: تفاصيل هذه الآراء وشواهدها ومناقشتها في "الدر المصون " للسمين الحلبي (٣٥٢/٤) وما بعدها).
هذا هو توجيه رفع " الصابئون " عند جمهور النحاة والمفسرين، أما توجيهه بلاغة فهو ما يأتي:
إن مخالفة إعراب " الصابئون " عما قبلها سواء كانت مقدمة من تأخير على رأى الجمهور أو غير مقدمة على رأى الإمام الشوكاني وآخرين (انظر: المصدر السابق (٣٦٠/٤)).
وعما بعدها إن قدرنا "والنصارى" معطوفًا على "إن الذين امنوا والذين هادوا" بأن هذه المخالفة لمحة بلاغية رائعة؛ تشير إلى وجود فرق كبير بين هذه الطوائف الأربع:
*الذين آمنوا.
*الذين هادوا.
*النصارى.
* الصابئون.
فالطوائف الثلاث الأولى يربط بينها رابط قوى هو أن كل طائفة منها لها كتاب ورسول من عند الله عز وجل.
فالذين آمنوا لهم كتاب هو القرآن، ورسول هو محمد ـ صلى الله عيه وسلم ـ.
والذين هادوا لهم كتاب هو التوراة، ولهم رسول هو موسى عليه السلام. والنصارى لهم كتاب هو الإنجيل، ولهم رسول هو عيسى عليه السلام. أما الصابئون، فليس لهم كتاب ولا رسول، وهم على ضلال مطبق لا ذرة من هداية فيه.
والمقام الذي تتحدث عنه الآية هو فتح باب القبول عند الله لكل من آمن إيمانا صحيحًا صادقًا وداوم على عمل الصالحات. فالإيمان يمحو ما قبله ولا ينظر الله إلى ماضيهم الذي كانوا عليه من كفر ومعاص، والآية بدأت بالذين آمنوا ليستمروا على إيمانهم الذي هم فيه، ويلتزموا بعمل الصالحات والله سيجزيهم خير الجزاء على إيمانهم المستمر، وصلاحهم الدائم [بعض العلماء يفسر " الذين آمنوا " في الآية بأنهم المنافقون لأنهم غير مؤمنين في الباطن. والأصوب ما أثبتناه، وهو أن المراد هم الذين آمنو فعلا، ويكون المطلوب منهم أمرين ثباتهم على هذا الإيمان. ثم إدامة عمل الصالحات. كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [النساء: ١٣٦]. أي: دوموا على إيمانكم].
ثم ثنت بالذين هادوا، يعنى: اليهود، وهم كانوا في عصر نزول القرآن قد غالوا في دينهم، وحادوا عن الحق، وغيروا وبدلوا فيما أنزله الله على أنبيائهم فوعدهم الله إذا آمنو إيمانا صحيحًا صادقًا، وتابوا إلى الله من كل ما ابتدعوه في عقائدهم واتبعوا ما أنزل الله على خاتم رسله؛ بأنهم سيكونون في أمن من عذاب الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وكذلك النصارى حيث جعلوا لله صاحبة وولدًا وغالوا كثيرًا في دينهم، إذا آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، وبرئوا من عقائدهم التي ابتدعوها، وأصلحوا شأنهم، وآمنوا بما أنزله الله على خاتم رسله، ولزموا العمل الصالح، كان سعيهم عند الله مشكور، ووقاهم الله عز وجل من الخوف والحزن يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ثم زاد الله في ترغيب هذه الفرق الثلاث فيما عنده بأن يجعل هذا الفضل للصابئين الذين خرجوا عن جميع الرسالات السماوية، وإذا كان الله يقبل منهم إيمانهم إذا آمنوا، ويثيبهم على عمل الصالحات. فإن الذين آمنوا واليهود والنصارى أولى بالقبول عند الله، إذا آمنوا وعملوا الصالحات.
ومن أجل هذا خولف إعراب و "الصابئون" ليلفت الأذهان عند قراءة هذه الآية أو سماعها إلى الوقوف أمام هذه المخالفة، وليتساءل القارئ أو السامع ما سبب هذه المخالفة، ثم يقوده هذا التساؤل إلى الحصول على هذا المعنى الذي تقدم.
فهذه المخالفة أشبه ما تكون بالنبر الصوتي في بعض الكلمات، التي يراد لفت الأنظار إليها عند السامعين؛ قالوا: والواو في "والصابئون" ليست لعطف المفردات على نظائرها، وإنما هي لعطف "الجمل" و" الواو " التي تعطف جملة على أخرى لا تعمل في مفردات الجملة المعطوفة، لا رفعا ولا نصبا ولا جرا. بل تربط بين الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها في المعنى دون الحركات الإعرابية.
ولهذه الآية نظائر في مخالفة إعرابها لما قبلها اتخذ منها خصوم القرآن منشأ لشبهات مماثلة وسيأتي الحديث عنها كلا في موضعه إذا شاء الله تعالى.
والخلاصة:
فهذه الآية:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ تخلو من أي خطأ نحوي أو غير نحوي. بل هي في غاية الصحة والإعجاز، وقد بينا وجوه صحتها، والمعاني البيانية التي ألمح إليها رفع "الصابئون" وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله لا دراية لهم بالنحو ولا بالصرف ولا بالبلاغة، وليسوا هم طلاب حق، ولا باحثين عنه، والذي سيطر على كل تفكيرهم هو البحث "عن العورات" في كتاب لا عورات فيه بل هو أنقى وأبلغ وأفصح وأصح، وأصدق بيان في الكون كله، ولا يأتوننا بمثل إلا جئناهم بالحق وما هم بسابقين.
إعراب القرآن ضروريٌ لفهم القرآن فهمًا دقيقًا، وقد بذل علماء النحو والمفسرون جهودًا في وضع قواعد الإعراب وتطبيقها على القرآن.
كيف يكون القرآن عربيًا مبينًا، وبه كلمات أعجمية كثيرة، من فارسية، وآشورية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، ومصرية، وحبشية، وغيرها؟
الكلمات التي يُظن أنها غريبة هي في الحقيقة كلمات عربية أو "مُعرّبة" كانت شائعة الاستعمال في عصر نزول القرآن.