تذكير كلمة «قريب» في ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ له أسباب، يمكنك معرفتها مع بيان حجج العلماء والشواهد العربية والرد على الشبهات المتعلقة بها.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تذكير كلمة «قريب» في ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ له أسباب، يمكنك معرفتها مع بيان حجج العلماء والشواهد العربية والرد على الشبهات المتعلقة بها.
يقول بعض المشككين كيف يُقال إن القرآن خالٍ من الأخطاء النحوية، وقد جاء بخبر مذكر لاسم مؤنث في قوله: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾، وكان ينبغي أن يُقال: "قريبة"؟
وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وموضع الشاهد -عند المعترضين- في الآية الكريمة هو كلمة "قريب" وهي خبر اسم "إن" "رحمة".
وحين نظروا في نظم هذه الآية توهموا -كذلك- أن فيها خطًا نحويًا منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ "رحمة" والخبر "قريب" في التأنيث، لأن المبتدأ "رحمت" مؤنث، أما الخبر "قريب" فهو في الآية مذكر قالوا: وكان يجب أن يتبع خبرُ "إن" اسمَها في التأنيث فيقال: قريبة.
العرب تُذكِّر صفة المؤنث المجازي، خاصة إذا دلّ الاسم على معنى لا على ذات، ولذلك جاء الخبر "قريب" مذكّرًا مع أن "رحمة" مؤنث مجازي.
وقد ذكر العلماء عدة توجيهات تؤكد صحة هذا الأسلوب، أهمها:
والنتيجة أن التذكير جاء في الآية وفق قواعد العربية الفصيحة، ولا شبهة في ذلك.
ذكر علماؤنا في توجيه هذا "التذكير" الحاصل بحذف علامة التأنيث من الخبر عدة وجوه، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها، لذلك نكتفي بما يردّ كيد هؤلاء الطاعنين في نحورهم:
وقال الحلبي تلميذ أبي حيّان، وهما من الأئمة الأعلام في النحو: "وهذا يجئ على مذهب ابن كيسان، فإنه لا يقصر ذلك على ضرورة الشعر، بل يجيزه في السعة" [يعني: في النثر دون اشتراط ضرورة تدعو إليه. انظر: الدرر المصون (٥ /٥٣٤)].
وقال الفراء: "قريبة وبعيدة: إمّا أن يُراد بهما قرابة النسب أو عدمها، فتؤنثهما العرب ليس إلا، كقولهم: فلانة قريبة مني أي في النسب، وبعيدة مني أي في النسب.
أما إذا أُريد بهما القرب المكاني أو الزماني، فإنه يجوز الوجهان؛ لأن قريبًا وبعيدًا قائم مقام المكان أو الزمان، فتقول: فلانة قريبة وقريب، وبعيدة وبعيد، والتقدير: هي في مكان قريب وبعيد."
ثم استشهد بقول الشاعر:
عشيةَ لا عفراءُ منك قريبةٌ … فتدنو ولا عفراءُ منك بعيدُ
[ينظر: معاني القرآن (٢ /٣٨٢)، والبيت لعروة بن حزام، وقد أورده للغرض نفسه أبو حيان في البحر (٤ /٣١٣)].
ومعنى كلامه: إن الشاعر جمع بين الوجهين (التأنيث والتذكير) والموصوف مؤنث؛ لأن "قريب" و"بعيد" أُريد بهما القرب في المكان والبعد فيه.
والآية الكريمة ليس القُرب المذكور فيها قرب نسب حتى يلزم التأنيث، وإنما المراد قرب الزمان، والعرب تجيز فيه الوجهان: التذكير والتأنيث.
ولأمرئ القيس — وهو من شعراء الجاهلية، وشعرهم حجة في اللغة — بيت نحا فيه هذا النحو، فقال:
له الويلُ إن أمسى ولا أمُّ سالمٍ … قريبٌ، ولا البسباسَةُ ابنتُه يُشكَرا
[أورده الزجاج في معاني القرآن (٢ /٣٨٢)، وأورده أبو حيان للغرض نفسه].
والشاهد في البيت: تذكير "قريب" مع جريانه على مؤنث "أم سالم"، وهو نظير ما جاء في الآية الكريمة.
الخلاصة:
إن القرآن الكريم لم يخرج عن سنن البيان العربي حين ذكر "قريب" في الآية، وهي مجراة على مؤنث مجازي غير حقيقي وهو: "رحمة الله".
إعراب القرآن ضروريٌ لفهم القرآن فهمًا دقيقًا، وقد بذل علماء النحو والمفسرون جهودًا في وضع قواعد الإعراب وتطبيقها على القرآن.
كيف يكون القرآن عربيًا مبينًا، وبه كلمات أعجمية كثيرة، من فارسية، وآشورية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، ومصرية، وحبشية، وغيرها؟
الكلمات التي يُظن أنها غريبة هي في الحقيقة كلمات عربية أو "مُعرّبة" كانت شائعة الاستعمال في عصر نزول القرآن.