هل يتناقض خضوع الكون المطلق لله مع عصيان البشر؟ يزول هذا الإشكال بتمييز نوعي الإرادة الإلهية: التكوينية والشرعية.
هل يتناقض خضوع الكون المطلق لله مع عصيان البشر؟ يزول هذا الإشكال بتمييز نوعي الإرادة الإلهية: التكوينية والشرعية.
يزعم المشككون وجود تناقض في النص القرآني يتعلق بمسألة الطاعة والخضوع الإلهي. يعرضون الأمر باستحضار آية جامعة تؤكد على أن كل المخلوقات في السماوات والأرض هي قانتة لله تعالى، مستدلين بقوله -تعالى-: ﴿وَلَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلࣱّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ [الروم:٢٦]، ويرون أن هذه الآية تشمل البشر، وتفترض خضوعهم المطلق وإذعانهم التام لأمر الله. ثم ينتقلون إلى إبراز الشواهد التي تكسر هذا الشمول وتناقضه، مستشهدين بحالات واضحة من العصيان والجحود البشري، كما ورد في قصة فرعون: ﴿وَجَاۤءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ * فَعَصَوۡا۟ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةࣰ رَّابِیَةً﴾ [الحاقة: ٩-١٠].
وبناءً على ذلك، يتساءلون: كيف يمكن أن يوصف الجميع بالقنوت (الخضوع والطاعة)، بينما نجد في الواقع والنص القرآني ذاته حالات متكررة وواضحة للعصيان والتكذيب من قبل المكلفين كفرعون وقومه، مما يوحي، في نظرهم، بأن مفهوم القنوت إما أنه غير شامل أو أن النصين متنافران في الدلالة على طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق المكلف.
يكمن مفتاح الحل في التمييز بين نوعين من الإرادة الإلهية: الإرادة الكونية التكوينية التي تعني الخضوع الاضطراري لجميع المخلوقات لحكم الله وقدره (وهذا هو معنى القنوت الشامل)، والإرادة الشرعية التكليفية التي تعطي الإنسان حرية الاختيار بين الطاعة والعصيان ليترتب عليه الجزاء، وهو مجال وقوع العصيان البشري، فالعاصي قانت لله كونًا (مجبور على سنن الكون) وعاصٍ شرعًا (مخالف للتكليف).
يؤكد النص القرآني على أن الخضوع لله شامل لكل ما في الوجود، سماواته وأرضه، مخلوقاته ومكوناته، وذلك في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلࣱّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ [الروم:٢٦].
فهم قانتون لله، أي خاضعون ومطيعون لإرادته - سبحانه وتعالى - ومع ذلك يشهد الواقع، وتحكى الآيات القرآنية الكثير من حالات العصيان وعدم الطاعة من جانب البشر وذلك من مثل قوله -سبحانه-: ﴿وَجَاۤءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ * فَعَصَوۡا۟ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةࣰ رَّابِیَةً﴾ [الحاقة: ٩-١٠].
ففي هذه الآية وحدها إشارات إلى عصيان فرعون.. وعصيان من سبقه من المؤتفكات - أي قرى قوم لوط - الذين أخذهم الله أخذة رابية، أي زائدة في الشدة على غيرها.
بل إن تاريخ الإنسان هو صراع بين أهل العصيان.. حتى إن المأثور النبوي الشريف قد تحدث عن أن «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [أخرجه ابن ماجه في سننه].
فكيف يتسق شيوع العصيان في البشر، مع الآية القرآنية التي تحدثت عن أن كل من في السماوات والأرض قانتون - أي خاضعون ومطيعون لله -سبحانه وتعالى-؟
إن مفتاح حل هذا التساؤل والتعارض الظاهري يكمن في فهم طبيعة الإرادة الإلهية والقضاء الإلهي، وأن هذه الإرادة تنقسم إلى نوعين أساسيين يترتب عليهما نوعان من القنوت والخضوع:
أولًا: إرادة وقضاء تكويني وحتمي من الله -تعالى-:
هذا النوع من الإرادة يتعلق بخلق المخلوقات وتدبير الكون وتسخيره وفقًا لقوانين وسنن ثابتة لا يمكن لأي مخلوق الخروج عنها، وهذا النوع يشمل المخلوقات غير المخيَّرة (كالجمادات، والكواكب، والنباتات، والملائكة، والقوانين الفيزيائية) وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتࣲ فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ﴾ [فصلت: ١٢]، وأيضا بقوله: ﴿وَإِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]، ففي هذا اللون من الأمر الإلهي والقضاء الرباني تكون المخلوقات غير المختارة مجبولة على القنوت والطاعة والخضوع لله -سبحانه وتعالى-.
ثانيًا: إرادة وقضاء معهما تخيير وتكليف:
هذا النوع من الإرادة يتعلق بالأوامر والنواهي الشرعية التي وجهها الله إلى المخلوقات المُخيَّرة، وهم الإنس والجن، وفي هذه الدائرة، شاء الله أن يترك للإنسان حرية الاختيار بين الطاعة والعصيان، ليترتب على ذلك الحساب والجزاء وذلك مثل ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا ۞ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤]
فنحن هنا أمام قضاء إلهي، شاء الله سبحانه وتعالى أن يترك للإنسان المخيَّر إزاءه حرية الطاعة والعصيان ليتميز الخبيث من الطيب، وليكون الجزاء وفق العمل والإرادة والاختيار.. فالإنسان المخيَّر، الذي هداه الله النجدين، له قدرات واستطاعات الطاعة والعصيان.. ولذلك كان من جنس الإنسان المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي ومن يبتغى وجه الله ومن يبتغى غير دين الله.. بينما المخلوقات غير المختارة مجبولة على الطاعة والخضوع: ﴿أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ یَسۡجُدُ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡءَاصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئِعِینَ﴾ [فصلت: ١١] .
ففي مخلوقات الله مخلوقات مجبولة على الطاعة والخضوع.. وفي هذه المخلوقات مخيرون، منهم من يطيع ومنهم من يختار العصيان، فيبتغى غير دين الله!
الخلاصة:
إن آية الروم: ﴿كُلࣱّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ تعني أن الجميع خاضعون للإرادة الكونية الإلهية (قنوت اضطراري).
أما آية الحاقة: ﴿فَعَصَوۡا۟ رَسُولَ رَبِّهِمۡ﴾ تشير إلى مخالفة الإرادة الشرعية التكليفية (عصيان اختياري).
فالعاصي هو قانت لله في دائرة التكوين والملكية (بمعنى خاضع لأحكام القضاء والقدر)، وهو في نفس الوقت عاصٍ لله في دائرة التكليف والشرع (بمعنى مخالف للأمر الاختياري).
وبهذا التفريق الدقيق بين القنوت الكوني (الخضوع للمُلك) والقنوت الشرعي (الطاعة للتكليف)، يزول التناقض الظاهري تمامًا، وتتضح حكمة التخيير الإلهي للإنسان.
يزعم الطاعنون وجوب تقديم العقل على السنة لكونها "نتاجًا لعقل بشري قديم"، مما يجعلها غير صالحة لحل المشكلات المعاصرة ويهدفون بذلك للطعن في صلاحيتها للتشريع.
يزعم الطاعنون أن آية ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ تقصر حفظ الله على القرآن فقط دون السنة، مما يعرض السنة للضياع والتحريف.
يزعم المغرضون تعارض الأحاديث المتواترة بثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة مع آيات القرآن الكريم وأدلة عقلية؛ والحقيقة أن هذه المزاعم باطلة، فالأحاديث صحيحة، ولا يوجد تعارض، بل الآيات المستدل بها تدل على ثبوت الرؤية وإمكانها.