Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نقد أبي البركات البغدادي لنظرية الفيض عند ابن سينا

الكاتب

هيئة التحرير

نقد أبي البركات البغدادي لنظرية الفيض عند ابن سينا

هل يمكن للعقل الفلسفي أن يفسر صدور الكثرة عن الواحد دون أن يقيد الإرادة الإلهية؟ هنا تتجلى قيمة نقد أبي البركات البغدادي لنظرية الفيض.

تمثل إشكالية "الخلق والفيض" واحدة من أعقد المعارك الفلسفية في الفكر الإسلامي حيث يتصادم العقل المنطقي مع التصورات اللاهوتية؛ لذا يبرز نقد أبي البركات البغدادي لـ "نظرية الفيض السينوية" كعاصفة فكرية تهز ثوابت الفلسفة المشائية؛ لتفتح آفاقاً جديدة لفهم الإرادة الإلهية، وتفسير الكثرة في الوجود بعيداً عن حتمية العقول.

إشكالية الصدور وتناقضات الكثرة

لعل أول الانتقادات التي يصوبها ابن ملكا أن المبدأ الذي اعتمد عليه في تفسير مشكلة الخلق صحيح في ذاته، ولكنه لا ينتج عنه نفس النتائج التي انتهى إليها ابن سينا؛ إذ إنه ذهب إلى أن العقل الأول عقل نفسه ثم أفاض عنه عقل ثان وصدر عن الثاني ثلاث معقولات: العقل الثالث والنفس والجرم، وكيف يصح هذا في العقل الثاني ولا يجوز في العقل الأول؟، لهذا لا يختلف ابن ملكا على صحة هذا المبدأ، فهو حق أراد به ابن سينا باطلاً؛ لكي يفسر مشكلة العلاقة بين الواحد (الله) والكثرة (الموجودات) يقول: إن الواحد لا يصدر عنه من حيث هو واحد إلا واحد، أن هذا قول حق في نفسه وليس يلزم منه إنتاج ما أنتجوا ولا يبني ما بنوا، فإنهم قالوا في المبدأ الأول: إنه لا يصدر عنه إلا واحد، قالوا: ويصدر عن الثاني ثلاثة وهو واحد بالذات بحسب اعتبارات متصورة معقولة لا بإضافة ذات أخرى إلى ذاته الواحدة بل من جهة تعقلاته وتصوراته فلم يجعل مثل ذلك عند المبدأ الأول، ويجعل في الترتيب أولًا وثانيًا ومقدمًا وتاليًا كما جعلوا في الثاني وهو بالأول أولى وكانوا يقولون عوض قولهم: إن الثاني بما يعقل الأول يصدر عنه عقل وبما يعقل ذاته يصدر عنه [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٣، ص١٥٦]، فلك ونفس جرم.

تقييد الإرادة الإلهية المطلقة

ويسترسل هبة الله بن ملكا في رأيه في الفيض وموقفه من الخلق فيقول: إن الله يخلق صورة والصورة هيولي ونفسًا، وللنفس بدنًا وفلكًا محركًا، فكيف لزم الترتيب على ذلك الذي ذكره ابن سينا في نظريته في الفيض؟ ولما كان ابن سينا يعتقد أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، جعل الأسباب المختلفة والمعقولات المتفننة عند غيره أسباب بالصدور المعلولات الكثيرة عن علة واحدة [المرجع نفسه، ص١٥٧] أي: أن ابن ملكا ينتقد ابن سينا في نظريته هذه؛ لأنه يجعل من الوسائط ذات فاعلية في الكون، ويحد من فاعلية الله في الوجود.

تهافت وهم العقول الفلكية

ويتهكم ابن ملكا، وتبلغ سخريته الذروة؛ إذ يعتقد أن ابن سينا قد جانبه التوفيق، ولم يكن واثق الخطوة؛ إذ جعل للأفلاك عقولًا تحركها وذهب إلى أنها أجرام شريفة أولية البقاء عالم ما فوق فلك القمر (العالم العلوي)؛ ليستحق كل واحد منها أن يكون له نفس وحياة وهو أحق بها من الإنسان، فلماذا لا يكون للكواكب نفسًا؟ [نفس المرجع: نفس الصفحة]، مع أنها - في رأيه - أولى لما يظهر من أفعالها بشعاعاتها وأنوارها وقواها وروحانياتها وما المتحيرة منها على قلتها أولى بذلك من الثابتة في فلكها على عظمها وكثرتها وما نراه ولا نراه [نفس المرجع: ص١٥٨].

صنمية المسلمات الفلسفية

كما أن هبة الله بن ملكا يصوِّب لابن سينا نقدًا آخر في المبدأ الذي اعتمد عليه (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، وكيف أنه قد تبنى هذه المقولة وأضحت كالبديهيات الأولية التي لا تحتاج إلى مناقشة أو كالوحي الهابط من السماء الذى لا يحتاج إلى جدال أو تفكير، وكان الأجدر به أن يتريث في الأمر، بدل أن يفرضه فرضًا، وفى هذا الصدد يذهب أبو البركات إلى أن هذه حكمة أوردوها كالخبر ونصوا فيها نصًّا كالوحي الذي لا يعترض ولا يعتبر وليتهم قالوا: يمكن هذا وغيره ولم يقولوا بوجوبه وإن كان جاءهم عن وحي فكان يليق أن يذكروا ذلك فيما ذكروا حتى يرجع عنهم المعترضون والمتتبعون [نفس المرجع: نفس الصفحة].

أحادية البعد السببي والكثرة الوجودية

ويعرض ابن ملكا لوجهة أخرى من النقد لما ذهب إليه ابن سينا بصدد الفيض بأننا على فرض صحة هذه النظرية لتفسير مشكلة الخلق، فإن هذا يجعلنا إلى الخلق ذا البعد الطولي فقط من العلة إلى المعلول، ولا يتيح الفرصة للخلق المتعدد الأبعاد طولًا وعرضًا وفي كل الأنحاء، وبهذا المسلك يحد من حرية وقدرة الألوهية، ويجعل الخلق ضروريًا وحتميًا، أو على حد تعبيره: إذا كان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فالموجودات بحسب هذا ينبغي أن تكون علةً ومعلولًا على نسق من لدن الأول إلى المعلول الأخير ولا تتكثر إلا طولًا حتى يكون أ - علة ب، و ب – علة ج، و ج - علة – د... وكذلك إلى المعلول الأخير كائنًا ما كانت وما كان يوجد في الوجود موجودان معًا إلا واحد هما علة للآخر ومعلوله ونحن نرى في الوجود أشخاصًا لا يتناهى عددها ليس بعضها علة لبعض ولا معلول له كالإنسان والفرس، وإنسان وإنسان من سائر أشخاص الناس، وفرس وفرس من سائر أشخاص الفرسان، لا يلزم أن يكون أحد هذه علة للآخر ولا الآخر معلولة فليس كل ما ليس هو علة لشيء ما هو معلول له، فمن أين جاءت هذه الكثرة عن المبدأ الأول؟ وكيف قالوا إن المبدأ الأول من جهة عقله لذاته بذاته صدر عنه المعلول الأول والمعلول الأول يعقل ذاته، ويعقل علته، ويعقل من ذاته حالتين إمكان وجوده بذاته وهو أمر بالقوة وفى القوة ووجوب وجوده بالأول وهو أمر بالفعل، فمن جهة عقله للمبدأ الأول يصدر عنه عقل بالفعل أيضًا ومن جهة عقله لذاته يصدر عنه شيئان إحداهما: من جهة إمكان وجوده وما هو عنه بالقوة والآخر: من جهة وجوب وجوده وصيرورته بالفعل، فمن جهة ما بالفعل يصدر عنه نفس الفلك المحرك له والذي صدر عن المبدأ الأول واحد وعن المعلول الأول ثلاثة أشياء وكذلك يستمر في فلك بعد فلك من جهة عقل بعد عقل وتتكثر العقول والنفوس والأفلاك بذلك حتى ينتهى إلى الفلك الأخير وهو فلك القمر [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ص١٥١].

مأزق النسبة التاريخية في النقد

وطبقًا لما التزم به ابن ملكا من نهج عقلاني، وكما عرضنا في بداية بحثنا فهو يحاول أن يفند هذه النظرية بالعقل والمنطق، وخاصة أنها من الثغرات في المذهب السينوي، ولكن إذا كان ابن ملكا ينقد ابن سينا كل هذا النقد، فاعتقد أنه من حقنا أن نوجه له هو الآخر بعض الانتقادات وخاصة أنه يذهب إلى أن الذي ذهب إليه ابن سينا قد شايع فيه أرسطو أو على حد تعبيره وهذا هو الذى نقل عن شيعة أرسطو (يقصد ابن سينا ومن قبله الفارابي) ما خالفهم عليه مخالف ولا اعترضهم فيه معترض وهو بالأخبار النقلية أشبه منه بالأنظار العقلية [نفس المرجع: ص١٥٢].

فالكلام هنا عن ابن سينا ومن قبله الفارابي، ويعنى به ابن ملكا أن نظرية الفيض من نتاج أرسطو، بل المتأمل يجد أنها إلى أفلوطين أقرب، ولعل سبب هجوم ابن ملكا وتحامله أحيانًا هو ظنه أن ابن سينا يتابع المشائية الأرسطية على طول الخط، بل العكس صحيح أن مذهبه لم يكن أحجاره الأساسية مشائية خالصة، بل كان يغلب عليها الطابع الأفلاطوني والأفلوطيني في كثير من الأحيان مثل: مسألة الفيض التي نحن بصددها، والحق أن ابن سينا لم يكن متأثرًا فيها بأرسطو بقدر ما كان يعول فيها على أفلوطين في التساعية الرابعة في النفس بشكل خاص، ومن هنا يتضح لنا أن ابن ملكا رغم علو كعبه وعمقه في فهم النصوص كان أحيانًا لا يفهم الأمور على وجهها الصحيح.

وحدة النسق النقدي الإسلامي

ولقد كان لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي صولة وجولة بصدد هذا الموضوع، وله موقف شبيه بموقف أبي البركات البغدادي، وهو ينقد ابن سينا بقوله: ما ذكرتموه تحكمات، وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات لو حكاها الإنسان عن منام رآه؛ لاستدل به على سوء مزاجه، أو لو أورد جنسه في الفقهيات التي قصارى المطلب فيها تخمينات، لقيل: إنه ترهات لا تفيد غلبات الظنون [أبو حامد الغزالي: تهافت الفلاسفة، طبعة سادسة، دار المعارف، بدون تاريخ (ص ١٤٦)].

وسار على نفس النهج ابن رشد في نقده لهذه النظرية [د، محمد يوسف موسى: بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد في العصر الوسيط، ط: ٢ مكتبة العصر الوسيط ۱۹۸۸م (ص ۲۱۰)].

والواقع أن هذه النظرية كما قلنا - في التمهيد- نظرًا؛ لأنها متهافتة في بنائها أتاحت الفرصة لفيلسوفنا هبة الله أن يصوب لها العديد من الانتقادات التي عرضناها وخاصة أن فكرة الفيض أو الصدور الأفلوطيني لا تحقق الخلق الذي قصد إليه القرآن الكريم، والذي يعتمد على قدرة الباري وإرادته [د، إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، ج۲، ص٨٤)، ط: دار المعارف، د، محمد ثابت الفندي: مقال الله والعالم "الصلة بينهما عند ابن سينا ونصيب الوثنية منها"، ضمن كتاب ابن سينا، (ص ٢١٤ ٢١٥)]، أو على حد تعبير المستشرقة جواشون أن ابن سينا يبنى نظرية في الخلق لا تتلاءم مع الإيمان [جواشون: فلسفة ابن سينا، نقله إلى العربية/ رمضان لاوند، ط: ١ دار العلم للملايين سنة ١٩٥٠م (ص ٣٥)].

وكما سبق أن ذكرنا أثناء عرضنا لقضية الألوهية وصفاتها في الباب الثاني [ينظر: عرضنا لهذا الموضوع في الباب الثاني، ص٣٦ - ٨٧]، من هذا البحث أن إله ابن سينا وصفاته أقرب إلى الأرسطية منه إلى الله أهل السنة في طلاقة الألوهية وحريتها ومشيئتها في الوجود، وبالتالي توقعنا أن يكون طرحه الموضوع الخلق يتواءم مع فهمه لطبيعة الألوهية.

سؤال وجواب

س: ما نظرية الفيض عند ابن سينا؟

ج: تفسير فلسفي لصدور الكثرة عن الواحد عبر العقول المتسلسلة.

س: ما أبرز نقد أبي البركات لهذه النظرية؟

ج: رفض حتمية الصدور وتقييد الإرادة الإلهية.

س: ما إشكالية الكثرة والواحد؟

ج: كيفية صدور التعدد عن مصدر واحد.

س: لماذا تُعد العقول الفلكية إشكالية؟

ج: لأنها تفرض نظامًا فلسفيًا غير مثبت شرعًا.

س: ما أهمية هذا النقد؟

ج: يعيد التوازن بين العقل والفهم العقدي الصحيح.

الخلاصة

يتجلى نقد البغدادي كدفاع مستميت عن حرية الخالق وطلاقة مشيئته في مواجهة الحتمية الصارمة لـ "نظرية الفيض"، ورغم بعض الهنات في تأصيله التاريخي لجذور النظرية، يظل خطابه محطة فارقة تعيد صياغة العلاقة بين الله والعالم بمنظور يزاوج بين الصرامة العقلية وتنزيه الذات الإلهية.

موضوعات ذات صلة

يُعدّ العقل من أعظم نِعم الله على الإنسان، وبه يتميّز عن سائر المخلوقات

العلاقة بين النقل والعقل هي صمام الأمان لسلامة العقيدة

شاعت عبر القرون مقولات مغلوطة حول الفلسفة وعلاقتها بالدين

يقدم أبو البركات البغدادي معالجة عقلية مستفيضة لصفات الذات الإلهية

يستكمل أبو البركات معالجته لصفات الإلهية بالانتقال من الوجود المنطقي إلى الكمال الأخلاقي والجمال الإشراقي

موضوعات مختارة