Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

وثنية الحرف وضيق الشريعة

الكاتب

هيئة التحرير

وثنية الحرف وضيق الشريعة

هل تحولت الشريعة السمحاء بمرور الزمن من "روح وهداية" إلى "قوالب جامدة" تحاصر وجدان المسلم؟

ج: لا شك أن صناعة "جدار عازل" من الاشتراطات المبتدعة قد ساهمت في تحويل الدين من مساحة للوصل مع الخالق إلى أداة للتضييق والتبديع، إننا أمام محنة منهجية تفرض "شروطًا ستة" لا أصل لها، وتحاول حبس الأمة في مضايق الفهم السقيم، مما يستدعي وقفة فكرية جادة لتحرير الإسلام من "وثنية الحرف" واستعادة جوهره القائم على الرحمة والسعة.

محنة التأصيل المبتدع وسطحية الشروط الستة

لقد عمدت النابتة المتمسلفة إلى صناعة جدار عازل بين المسلم وربه، عبرَ ترويجِ اشتراطات لصحة العبادة لا يشهد لها كتاب ولا سنة، فزعموا أن المتابعة لا تتحقق إلا بموافقة الشريعة في (السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان)، إن هذه (السداسية) المخترعة ليست من علم الأصول في شيء، بل هي محض تكلف يصادم عمومات الشريعة وإطلاقاتها التي تفتح باب القربات والذكر على مصراعيه، وهي في حقيقتها (بدعة منهجية) أرادوا بها التضييق على الناس فيما جعل الله لهم فيه سعة، إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد قطع الطريق على هؤلاء المتنطعين بقولِهِ: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ» [رواه البخاري ومسلم] فكيف يُجعل (السبب) قيدًا يُمنع به الاحتفال بمولده - صلى الله عليه وآله وسلم - ويُدّعى أنه يقدح في الرسالة؟ إن هذا المسلك ما هو إلا (تلبيس) علمي يهدف لحصار الوجدان الإسلامي وتجفيف منابع الرقة والوصل بالله، وتصوير الأمة وكأنها ضلت طريق الهدى منذ قرونٍ طوال.

خرافة المنع وتزييف قاعدة التوقيف

يتترس هؤلاء بقاعدةِ (الأصل في العبادات التوقيف) ليحولوا معناها من (عصمة العبادة عن التبديل) إلى (حظر التعبد بالنافل والذكر)، إنهم يخلطون خلطًا شنيعًا بينَ (الصلواتِ المفروضة) التي أجمع المسلمون على توقيف أعداد ركعاتها، وبين (مطلق الذكر والدعاء) الذي جعله الشرع ميدانًا للمنافسة والزيادة وحيث يجد العبد قلبه، فالنبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - حين سئل عن الصلاة قال: «خَيْرٌ مَوْضُوعٌ فَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ» [رواه ابن حبان والحاكم]، إنَّ ادعاء هؤلاء بأن كل فعل لم يرد به نص تفصيلي هو (بدعة وضلالة) هو جهل مركب بمرونة الإسلام؛ فهل يعقل أن يبدع قول الناسِ لبعضِهم (صلِّ على النبي) أو تبديعُ الخطيبِ لأنه قرأ آية تناسب موعظته؟ إن تضييق ما وسعت الشريعة هو الابتداع الحقيقي الذي يطعن في كمال الدين، ويصور الإسلام دينًا جافًّا لا يستوعب أشواق الذاكرين ولا ممارسات الموحدين الحضارية التي أجمع عليها علماء المذاهب المتبوعة سلفًا وخلفًا.

التناقض المنهجي ومحاربة البركة النبوية

يكشف التحقيق العلمي عن اضطرابٍ هائلٍ في عقلية (النابتة)؛ فهم يشتدون في فرض (الزمان والمكان) كقيودٍ تمنع العبادة وتبطلها، وفي المقابل يحاربون مشروعية تلمس (البركة) في الموافقات الزمانية والمكانيةِ الثابتة عن الأكابر، لقد أنكروا على سيدنا ابنِ عمر - رضيَ اللهُ عنهما - ما كان يفعله من تحري مواضعِ صلاة النبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وبدّعوا التبرك بالأزمنة الشريفة كالمولد والمعراج، بينما أجاز الأئمة ذلك رجاء البركة والتأسي، إنهم يجعلون المكان والزمان علةً للتبديع تارةً بغير حق، ويمنعون التوسل ببركتهما تارةً أخرى، مما يثبت أن غايتهم هي هدم مفهوم (الاتصال) بالجناب النبوي، إنَّ الفِكرَ الأزهريَّ المستنيرَ يرى أنَّ تلمُّس خطى الحبيبِ  - صلى الله عليه وآله وسلم - في أمكنته وأزمنته هو محض حبٍّ ورشد، وليس بدعةً مُحدثة، وأنَّ هذا التناقض الصارخ ما هو إلا نتاج إهمال علم الأصول والارتماء في أحضان الظاهرية الجافية التي تقتلُ رُوح النص بسيف الحرف.

جناية التبديع على الجمال والحضارة الإسلامية

لقد تجاوز الأمر حدود النظر العلمي لِيتحولَ إلى برنامج عملٍ إرجافيٍ يستهدف جمال الحضارة الإسلامية التي حولت الأوامر الشرعية إلى ممارسات سلوكيةٍ راقية، فباسم هذه القواعد الباطلة، بدّعوا قراءة (صحيح البخاري) في الملمات، وحرّموا الاحتفالات الدينية التي تجمع القلوب على الطاعة، وبدّعوا الذكر الجماعيَّ الذي هو حِصن الأمة من الغفلة، إنَّ هذا المسلك يعطل قوى الأمة الروحية، ويمنع تحويل الدِّين إلى "وظيفة حضارية" تهذب السلوك، ويصم بالبدع ما تتابع عليه عمل الأمة عبر العصور، إن الواجب اليوم هو الرجوع لمذاهب المسلمين المتبوعة التي فهمت أصول العبادة فقهًا وسلوكًا، ولم تَعرف هذا التشدد المقيت الذي يقوم على سحب الماضي إلى واقعٍ وهمي لِيصدم به الحاضر، ممّا يُنفر الناس من الدِّين ويقطع صلتهم بروح اليقين، ويجعل الإسلام في نظر العالم دينًا يضيق بالجمالِ والاجتماعِ والذكر.

الخلاصة

إنَّ (الأصل في العبادات التوقيف) قاعدةٌ لصيانة الدِّين من الزيادة في الفرائض، لا لخنق الذاكرين وتضييق السَّعة النبوية، وديننا الحنيف صاحب المنهج الوسطي يرفض هذه الاشتراطات المبتدعة، ويرى في تنوع العبادات وتلمّس البركات ثراءً حضاريًّا يعكس جمال الإسلام الذي لا يضيق بوجدانٍ مُحبٍّ أو عرفٍ صَالح.

موضوعات ذات صلة

إنَّ الإسلام ما نـزل ليُحيل العالم إلى غابةٍ من الضغائن، بل جاء ليُتمم مكارم الأخلاق ويُرسخ قِيَم التعايش.

إنَّ الإسلام ما جاء ليجعل من العالم ساحةً للأشلاء؛ بل نـزل ليُشيّد صرحًا من التعايش الرحيب.

إن التصوف ليس فصلًا مُقحمًا على الشريعة؛ بل هو لُبابها المكنون، ومقام الإحسان الذي يتوج جلال الإسلام وجمال الإيمان.


موضوعات مختارة