Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصفات الإلهية عند أبي البركات البغدادي (٢)

الكاتب

هيئة التحرير

الصفات الإلهية عند أبي البركات البغدادي (2)

يستكمل أبو البركات معالجته لصفات الإلهية بالانتقال من الوجود المنطقي إلى الكمال الأخلاقي والجمال الإشراقي، محققًا استقلالية واضحة عن "آلية" ابن سينا ومقتربًا من روح النص القرآني، فالله عنده حيّ فعال بذاته، وجواد يفيض بالوجود بلا غرض نفعي، ونور ساطع يحجب الأبصار بفرط ظهوره وشدة جلائه.

صفة الحياة

كما أن الله واحد، عالم مريد، فهو يتصف بالحياة، إذ لا يعقل أن يكون الواحد الكامل، العالم المريد، موات، فهذه صفة من صفات الكمال، فالعقل والمنطق يذهبان إلى هذه النتيجة، لذلك نجد ابن ملكا يحاول قدر طاقته أن يشرح هذه الصفة وكعادته يضرب الأمثلة على طريق المجاز والقياس، فهو يعرض لهذه الصفة كما نلاحظها في حياة الإنسان، فكما أن الإنسان يقال له حي لأنه يفعل وشاعر بفعله فكذلك الله حي يفعل ما يشاء، لكن حياة الإنسان تكون من قوة أخرى كامنة بداخله إلا وهي النفس، فإذا ما فارقت النفس البدن أصبح مواتا، ولكن الأمر في الله بخلاف ذلك، فالله سبحانه وتعالى، حي بذاته لا من خارجه، فعال بذاته، ولا يستعد فاعليته من موجود آخر وفى هذا الصدد يقول فيلسوفنا، هو حي أعنى فعال عارف بما يفعل فإن الحي فيما نتعارفه يقال لمن هذه حاله حتى إذا فقد أن يفعل أو أن يشعر بفعله قيل له موات أو جماد كالإنسان الميت فإنه يقال له ميت لبطلان حسه وحركته وشعوره ومعرفته والسيف يقال له جماد لعدم شعوره بفعله لكن الحي منا تصدر أفعاله عن أعضائه بقوة يفارقها بالموت فتعدم أفعالها فالحسد منا والإله هو الفعال الذى نشعر به لكن مصدر الفعل منه قوة هي نفس فيه وهو حي بها وميت بعدمها والله تعالى حي بذاته لا بقوة فيه كما في الجسد منا وحياته له منه واجبة الوجود بذاتها لا كالنفس التي فينا وجودها بغيرها وعن غيرها [المعتبر جـ ۳ : ص ۱۰۸].

صفة الجود

يوضح ابن ملكا صفة الجود، وهو هنا يحاول أن يكون إله ابن ملكا إله سنى حيث أنه يستوحى الصفات القرآنية مدعمًا بها وجهة نظره، وهو هنا أقرب إلى مدرسة الأشاعرة في ذهابها إلى أن الصفات أحوال الذات من زاوية ما، وإن كان ابن ملكا له فكر مستقل، وتميز خاص، فهو يذهب إلى : أن الله، هو جواد لجوده بالوجود بذاته ولا جل ذاته لا الجزاء أو عائدة تعود عليه مما يوجده ومن يوجده فإن الذي يسمى من الناس جوادا هو الذي يعطى بغير جزاء مشروط ولا عائدة مطلوبة لكن الجواد منا وإن لم يطلب العائدة ويشترطها ويقتضى بها فإنه يتوقعها بالحمد والثناء والمجازاة مما يعرفه بذلك فيجزيه على خلقه وجميل أفعاله بإيصاله إلى بغيته من حاجاته ودفع ما يكرهه من مؤذياته والله تعالى غير محتاج إلى شيء فإن الكل له ومن عنده ولا يخاف شيئا فإنه لا ضد له فليس الجودة سبب سوى الجود الذي هو منه وله فهو الجواد حقا وكذلك هو الغنى ولا جود إلا عن غنى فإن الفقير إذا جاد فقد أخر بنفسه من جهة ما وهى حاجته إلى ما جاء به وأتم من ذلك بأسره إن الجواد الكريم منا يفقره الجود والكرم من أجل الذى يعطيه ويجود به من الأقوال يعدمه هو ويتنقل منه إلى ما جاد به علیه وجود الله تعالى لا ينقصه شيئا، فخزائنه لا ينقصها عطاؤه كما ينقص خزائن الملوك فهو الحي القادر المريد الأمر الغنى الجواد العلى العظيم القدس الطاهر العارف العالم [المعتبر جـ ۳ ، ص ۱۰۹].

وواضح أن صفة الجود قد تأثر فيلسوفنا فيها، بالمؤثر الإسلامي، وإن جميع المخلوقات وجدت بفضل جود الله سبحانه وتعالى وليس بطريقة تقترب من الميكانيكية الجبرية كما هو الحال عند ابن سينا - ويتضح ذلك عند عرضنا الموقف ابن ملكا من مشكلة الفيض، وتلحظ أيضًا أن ابن ملكا يربط بين صفة الجود والكمال، فالكامل جاد فأوجد الخلائق والموجودات، لأنه غير محتاج البتة إلى أي غنى، فهو الغنى الكامل بذاته فخزائنه لا تنفد وينتهي ابن ملكا إلى أن الله يوصف بهذه الصفات على سبيل المجاز والاستعارة [نفس المرجع، نفس الصفحة].

الله نور الأنوار

ذهب ابن ملكا يصف الله سبحانه وتعالى بأنه مبدأ المبادئ وعلة العلل والغاية القصوى في كل زيادة من فضيلة وخير فهو نور الأنوار، فهو أحق بأن يرى ولسنا أحق بأن نراه لبعد نوعنا عن مقام منظره ومداه، فهو الظاهر الخفي أما ظهوره فبذاته وصفاته ووجوده الواجب بذاته وما وجب عنه في سائر مخلوقاته وأما خفاؤه فعند من ضعف بصره الذاتي عن إدراكه كضعف عين الخفاش عند ضوء النهار يخفى عليها لكونه أظهر فيعجزها ويبهرها [انظر: المعتبر: جـ ۳ ص ۱۲۱ - ۱۳۰، عرض ابن ملكا لهذه الصفة بإسهاب عميق؟].

والمتأمل في ما ذهب إليه ابن ملكا، يرى الجانب الإشراقي والصوفي، فالله سبحانه وتعالى هو غاية الغايات أو الغاية القصوى على حد تعبيره، وهو خير، وهو نور الأنوار، الظاهر لكل وجود ولكنه لا يرى، لا لأنه غير موجود ولكن لشدة ظهور واتضاح نوره ويمكن أن يتملى منه المرء عن طريق الحدس المباشر، وبالمشاهدة العيانية، ولا يرقى إلى هذا إلا أصحاب الأذواق والمقامات العالية لأنه لا يدرك النور الإلهي، إلا من أنار الله بصيرته لتلقى فيض هذا النور، وواضح أن ابن ملكا في هذا الصدد قد تأثر بالنزعة الإشراقية الأفلاطونية حيث أن الله عند أفلاطون والأفلاطونية، النور الذي يشرق على النفس وكم يذكرنا ما ذهب إليه ابن ملكا بما قاله أفلوطين في هذا الصدد، فهو يقول : إن الأول هو النور الأول، وهو نور الأنوار، لا نهاية له ولا ينفد ولا يزال ينير ويضيء العالم العقلي دائما - فلذلك صار العالم العقلي لا ينفد ولا يبيد [د. عبد الرحمن بدوى : أفلوطين عند العرب، دار النهضة العربية،١٩٦٦، طبعة ثانية، ص ۱۱۹].

ولقد أثار بعض الباحثين إشكالية حول هذه الصفة (نور الأنوار) فهو يعتقد أن ابن ملكا قد تأثر في هذا بالثنائية الفارسية التي تشير إلى ثنائية النور والظلام أو ربما تعود إلى أثولوجيا أرسطو طاليس، وكتاب مشكاة الأنوار للغزالي [د. مدكور: معجم أعلام الفكر الإنساني، مقال د. أبو ريان: أبو البركات البغدادي، ص ٣٣٦].

ويرى الدكتور جلال شرف أن الرجل أبعد ما يكون عن هذه الثنائية الفارسية، وإلا أوقعناه في براثن هذه المجوسية التي يعتقد الدكتور أبو ريان أنه استمدها من كتاب مشكاة الأنوار للغزالي، فالغزالي وأبو البركات من أهل التوحيد الحقيقي ومن أصحاب التنزيه القائم على الكتاب والسنة، وكما قلت لا يمكن توضيح طبيعة الإله عند البغدادي إلا من خلال موقفه من مسألة الصفات وبخاصة صفة العلم الإلهي التي تحدد الصلة الحقيقية بين الله والعالم والتي تنقذه من هذه الثنائية المجوسية، وليس العيب أن يطلق أبو البركات على الله اسم ( نور الأنوار ) و ( القاهر ) و ( الجواد ) ولكن العيب فيما إذا كانت طبيعة هذا الإله تخرجه عن الصورة الموجودة في الكتاب والسنة ولا مشاحة في الأسماء طالما أنها تعبر عن حقيقة الله كما رسمها المتكلمون وبخاصة الغزالي [د . جلال شرف: المذهب الإشراقي بين الفلسفة والدين في الفكر الإسلامي، ۱۹۷۳، ص ۷۷].

ومن جانبنا نوافق أستاذنا الدكتور شرف فيما ذهب إليه في هذا الصدد، وتجدر الإشارة إلى أنني إذا كنت قد أشرت إلى تأثر ابن ملكا بأفلوطين في هذا الصدد، إلا أنني أحب أن أؤكد على أمر هام، وهو أن الفكرة عندما تنقل من حضارة لأخرى تأخذ خصوصية جديدة تتوائم مع البنية الجديدة والنسق الحضاري الذي نبتت بداخله، صحيح أننا لا ننكر أن فلاسفة الإسلام، قد تأثروا بتراث الإغريق السابق عليهم، إلا أنه في نفس الآن عندما ننظر إلى فكرة من الأفكار داخل نسق فكر أفلوطين مثلًا، تختلف تمامًا عندما ننظر إليها داخل نسق ابن ملكا كفكرة نور الأنوار التي نحن بصددها الآن فلابد أن ننظر إلى الفكرة داخل إطارها العام والنظرة الشمولية المذهب الفيلسوف .

لقد تأثر السهروردي بابن ملكا فيما ذهب إليه بصدد أن الله نور الأنوار، وحاول أن يقتفى أثره، وكان لهذا الاتجاه الإشراقي الواضح أثره وصداه في نفس السهروردي وحاول بدوره أن يظهر هذه النزعة الإشراقية إلى الوجود بشكل أكثر وضوحًا وجلاء، ولعل هذا يؤكد لنا أنه رغم الحملة العنيفة التي صوبها السهروردي تجاه ابن ملكا لقوله بالإرادات المتجددة في مسألة الخلق، تجده يتأثر به في عرضه للصفات، بل نعتقد أن الاتجاه الإشراقي عند ابن ملكا كان أحد العوامل الأساسية في بروز هذا التيار عند السهروردي المقتول يقول في كتابه المشارع والمطارحات : نور الأنوار واجب الوجود - نظم الوجود ورتبه وحفظ نظامه باللانهاية ...... وهو ذاته نورية إلا أن النورية زائدة على ذاته، ثم شدة نوريته كماليتها وتلك الشدة - التي هي الكمالية - غير المتناهية -أي لا يصح أن يدرك مدرك أتم منها وأكمل، ولا يصح، أن يكون بجهة من

الجهات عامية وراءه، وشدة نوريته بحيث يصح أن يكون مبدأً لما يتناهى من الأنوار المدركة، وهو قاهر بنوريته جميع الأنوار، وشدة نوريته حجاب لنوريته فاختفاؤه لشدة ظهوره، كيف والشمس مع جرميتها احتجبت بظهورها عن الأبصار فالوجود كله منطو في قهره : فالأجرام انطوت في قهر النفوس، والنفوس منطوية في قهر نورية العقول، والعقول منطوية في قهر نورية المعلول الأول، وهو منطو في قهر نورية القيوم نور الأنوار [السهروردي : المشارع والمطارحات ( مجموعة الحكمة الإلهية) المجلد الأول استانبول، مطبعة المعارف ١٩٤٥ ص ٤٦٥، أيضا : حكمة الإشراق، ص ۱۷۱ – ۱۷۲].

اعتقد أنه من الجلي الواضح أثر ابن ملكا في السهروردي فيما عرضناه لصفة نور الأنوار، وبالتالي ظهور النزعة الإشراقية عنده وكما ألمح إلى ذلك بعض الدارسين [مجلة الوحدة، العدد ٦٠ السنة الخامسة (الفلسفة العربية بين الإبداع والاتباع) مقال هاشم صالح دور الفلسفة في بلورة المشروع الحضاري العربي، ص ٢٦].

الخلاصة

صاغ ابن ملكا رؤية تجمع بين "المتكلم" المتمسك بالتنزيه و"الإشراقي" المستبصر بنور الحق، محولًا الصفات إلى تجليات حية ترفض الجمود السينوي، وبذلك، يظل إلهه مريدًا وجوادًا، يفيض بنوره على الوجود، ممهدًا الطريق لظهور فلسفة الإشراق التي نضجت لاحقًا على يد السهروردي.

موضوعات ذات صلة

هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية

الصفات الإلهية هي الأوصاف التي يتصف بها الله عز وجل

يقدم أبو البركات البغدادي معالجة عقلية مستفيضة لصفات الذات الإلهية، منطلقاً من إدراك النفس لتقسيم الوجود بين الواجب والممكن

تميز منهج أبي البركات بنقد لاذع لمذهب ابن سينا الأرسطي، معتبراً أن الاستدلال بالحركة ليس الطريق الأقوم لمعرفة الله

شاعت عبر القرون مقولات مغلوطة حول الفلسفة وعلاقتها بالدين

موضوعات مختارة