ذهب ابن ملكا يصف الله سبحانه وتعالى بأنه مبدأ المبادئ وعلة العلل
والغاية القصوى في كل زيادة من فضيلة وخير فهو نور الأنوار، فهو أحق بأن يرى ولسنا
أحق بأن نراه لبعد نوعنا عن مقام منظره ومداه، فهو الظاهر الخفي أما ظهوره فبذاته
وصفاته ووجوده الواجب بذاته وما وجب عنه في سائر مخلوقاته وأما خفاؤه فعند من ضعف
بصره الذاتي عن إدراكه كضعف عين الخفاش عند ضوء النهار يخفى عليها لكونه أظهر
فيعجزها ويبهرها [انظر: المعتبر: جـ ۳ ص ۱۲۱ - ۱۳۰، عرض ابن ملكا لهذه الصفة بإسهاب عميق؟].
والمتأمل في ما ذهب إليه ابن ملكا، يرى الجانب الإشراقي والصوفي،
فالله سبحانه وتعالى هو غاية الغايات أو الغاية القصوى على حد تعبيره، وهو خير،
وهو نور الأنوار، الظاهر لكل وجود ولكنه لا يرى، لا لأنه غير موجود ولكن لشدة ظهور
واتضاح نوره ويمكن أن يتملى منه المرء عن طريق الحدس المباشر، وبالمشاهدة العيانية،
ولا يرقى إلى هذا إلا أصحاب الأذواق والمقامات العالية لأنه لا يدرك النور الإلهي،
إلا من أنار الله بصيرته لتلقى فيض هذا النور، وواضح أن ابن ملكا في هذا الصدد قد
تأثر بالنزعة الإشراقية الأفلاطونية حيث أن الله عند أفلاطون والأفلاطونية، النور
الذي يشرق على النفس وكم يذكرنا ما ذهب إليه ابن ملكا بما قاله أفلوطين في هذا
الصدد، فهو يقول : إن الأول هو النور الأول، وهو نور الأنوار، لا نهاية له ولا
ينفد ولا يزال ينير ويضيء العالم العقلي دائما - فلذلك صار العالم العقلي لا ينفد
ولا يبيد [د. عبد الرحمن بدوى : أفلوطين عند العرب، دار
النهضة العربية،١٩٦٦، طبعة ثانية، ص ۱۱۹].
ولقد أثار بعض الباحثين إشكالية حول هذه الصفة (نور الأنوار) فهو
يعتقد أن ابن ملكا قد تأثر في هذا بالثنائية الفارسية التي تشير إلى ثنائية النور والظلام
أو ربما تعود إلى أثولوجيا أرسطو طاليس، وكتاب مشكاة الأنوار للغزالي [د.
مدكور: معجم أعلام الفكر الإنساني، مقال د. أبو ريان: أبو البركات البغدادي، ص ٣٣٦].
ويرى الدكتور جلال شرف أن الرجل أبعد ما يكون عن هذه الثنائية
الفارسية، وإلا أوقعناه في براثن هذه المجوسية التي يعتقد الدكتور أبو ريان أنه
استمدها من كتاب مشكاة الأنوار للغزالي، فالغزالي وأبو البركات من أهل التوحيد الحقيقي
ومن أصحاب التنزيه القائم على الكتاب والسنة، وكما قلت لا يمكن توضيح طبيعة الإله
عند البغدادي إلا من خلال موقفه من مسألة الصفات وبخاصة صفة العلم الإلهي التي
تحدد الصلة الحقيقية بين الله والعالم والتي تنقذه من هذه الثنائية المجوسية، وليس
العيب أن يطلق أبو البركات على الله اسم ( نور الأنوار ) و ( القاهر ) و ( الجواد
) ولكن العيب فيما إذا كانت طبيعة هذا الإله تخرجه عن الصورة الموجودة في الكتاب
والسنة ولا مشاحة في الأسماء طالما أنها تعبر عن حقيقة الله كما رسمها المتكلمون
وبخاصة الغزالي [د . جلال شرف: المذهب الإشراقي بين الفلسفة والدين في الفكر
الإسلامي، ۱۹۷۳، ص ۷۷].
ومن جانبنا نوافق أستاذنا الدكتور شرف فيما ذهب إليه في هذا الصدد،
وتجدر الإشارة إلى أنني إذا كنت قد أشرت إلى تأثر ابن ملكا بأفلوطين في هذا الصدد،
إلا أنني أحب أن أؤكد على أمر هام، وهو أن الفكرة عندما تنقل من حضارة لأخرى تأخذ
خصوصية جديدة تتوائم مع البنية الجديدة والنسق الحضاري الذي نبتت بداخله، صحيح
أننا لا ننكر أن فلاسفة الإسلام، قد تأثروا بتراث الإغريق السابق عليهم، إلا أنه
في نفس الآن عندما ننظر إلى فكرة من الأفكار داخل نسق فكر أفلوطين مثلًا، تختلف
تمامًا عندما ننظر إليها داخل نسق ابن ملكا كفكرة نور الأنوار التي نحن بصددها
الآن فلابد أن ننظر إلى الفكرة داخل إطارها العام والنظرة الشمولية المذهب
الفيلسوف .
لقد تأثر السهروردي بابن ملكا فيما ذهب إليه بصدد أن الله نور
الأنوار، وحاول أن يقتفى أثره، وكان لهذا الاتجاه الإشراقي الواضح أثره وصداه في
نفس السهروردي وحاول بدوره أن يظهر هذه النزعة الإشراقية إلى الوجود بشكل أكثر
وضوحًا وجلاء، ولعل هذا يؤكد لنا أنه رغم الحملة العنيفة التي صوبها السهروردي
تجاه ابن ملكا لقوله بالإرادات المتجددة في مسألة الخلق، تجده يتأثر به في عرضه
للصفات، بل نعتقد أن الاتجاه الإشراقي عند ابن ملكا كان أحد العوامل الأساسية في
بروز هذا التيار عند السهروردي المقتول يقول في كتابه المشارع والمطارحات : نور
الأنوار واجب الوجود - نظم الوجود ورتبه وحفظ نظامه باللانهاية ...... وهو ذاته
نورية إلا أن النورية زائدة على ذاته، ثم شدة نوريته كماليتها وتلك الشدة - التي
هي الكمالية - غير المتناهية -أي لا يصح أن يدرك مدرك أتم منها وأكمل، ولا يصح، أن
يكون بجهة من
الجهات عامية وراءه، وشدة نوريته بحيث يصح أن يكون مبدأً لما يتناهى
من الأنوار المدركة، وهو قاهر بنوريته جميع الأنوار، وشدة نوريته حجاب لنوريته
فاختفاؤه لشدة ظهوره، كيف والشمس مع جرميتها احتجبت بظهورها عن الأبصار فالوجود
كله منطو في قهره : فالأجرام انطوت في قهر النفوس، والنفوس منطوية في قهر نورية
العقول، والعقول منطوية في قهر نورية المعلول الأول، وهو منطو في قهر نورية القيوم
نور الأنوار [السهروردي : المشارع والمطارحات ( مجموعة
الحكمة الإلهية) المجلد الأول استانبول، مطبعة المعارف ١٩٤٥ ص ٤٦٥، أيضا : حكمة
الإشراق، ص ۱۷۱ – ۱۷۲].
اعتقد أنه من الجلي الواضح أثر ابن ملكا في السهروردي فيما عرضناه
لصفة نور الأنوار، وبالتالي ظهور النزعة الإشراقية عنده وكما ألمح إلى ذلك بعض
الدارسين [مجلة الوحدة، العدد ٦٠ السنة الخامسة (الفلسفة العربية بين الإبداع والاتباع)
مقال هاشم صالح دور الفلسفة في بلورة المشروع الحضاري العربي، ص ٢٦].