وتجدر الإشارة
إلى أن فيلسوفنا يشير إلى حقيقة الخلق بصورة أكثر نصوعًا وإيضاحًا، تنم عن أن صاحب
المعتبر، كان متفردًا في رأيه، أو هو المفكر الذي استطاع أن ينتج فكرًا مستقلًا،
فهو يذهب إلى أن ترتيب الخلق بحسب الإرادة السابقة واللاحقة فيما يراد وجوده لعينة
(مثل خلق المخلوق الأول) وفيما يراد لأجل غيره وفى كليهما، ولا تتخصص الإرادة
بمعلول أول، ثم يختص ذلك المعلول الأول بمعلول آخر بل يكون للعلة الأولى معلول
يفعله ويفعل ذلك المعلول معلولًا آخر ويفعل العلة الأولى معلولًا آخر بخاصيته
وتفعل العلة الأولى فيه وبه أفعالها ويفعل أفعالها خاصيته بذاته في غيره بحسب
الإرادة، فتكون الخلائق من أفعال الخالق تعالى ومن فعل الخلق ومن مجموعهما كالزرع
فإنه من الزارع ومن المنبت جميعًا والخالق الحكيم المريد خلق بحسب ارادته وحكمته [المعتبر،
ج٣، ص٢٠٤)].
ولعلنا نلاحظ
تركيز ابن ملكا على أنه الله هو العلة التامة الوحيدة في خلق الموجودات، وليست
العلاقة بين الزارع والأرض هي العلاقة السببية في إيجاد الزرع، ويبدو أن أبا
البركات قد تأثر بالسياق القرآني في قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥۤ
أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤].
ويحاول أبو
البركات أن يؤكد على الهيولى الأولى: بأنها غير واجبة الوجود بذاتها، بل ممكنة
الوجود، معلولة صدر وجودها عن واجب الوجود بذاته [أبو البركات: المعتبر، ج٣،، ص٢٠٤
)]، فالهيولي تتكاثر بالصور المقترنة بها فيصير مع كل واحدة منها مع الأخرى؛ فيكون
الحاصل منها في الوجود كثرة لا واحدًا [نفس المرجع (ص ٢٠٥)].
وبتحليلنا لهذا
النص نستطيع أن نشتم رائحة التأثير السينوى، ولعل المتدبر في قول فيلسوفنا أن
المادة صدر وجودها عن واجب الوجود، ولاحظ معي كلمة صدر وجودها ولم يقل: خلقت من
العدم مما يشير بطرف خفى إلى قدم هذه المادة [د. سامي نصر لطف: فكرة الجوهر فى
الفكر الفلسفي الإسلامي، ط: ١ مكتبة الحرية الحديثة ۱۹۸۲م (ص ۱٥۲، ۱۷۲)].
ورغم عمق ابن
ملكا ومحاولته إفساح المجال أمام حرية وإرادة الله من الخلق باستمرار، فقد كان
مرجعيته في بعض المفاهيم ابن سينا ومن قبله أفلاطون وأرسطو، لكن الحق يقال: إن
توظيفه لهذه المفاهيم كان يعبر عن فكر منسق أصيل.
ويذهب أبو
البركات من معالجته لإشكالية الخلق على ضوء طرحه المصطلحي المادة والصورة، إن
نظرية الخلق المستمر عنده عبارة عن العالم المعقول (عالم المثل) والهيولى الأولى
وهي ليست مساوقة الوجود الله كما هي عند أفلاطون إنما الله متقدم عليها بالذات وهي
بعده بالوجود، والله يخلق الموجود باستمرار عن طريق تجدد الإرادة الإلهية وعمدتنا
في هذا القول نص ابن ملكا، فهو بصدد هذه الإشكالية يعرض لها بقوله: "فأما
ترتيب الخلق في القبلية والبعدية فيه من طريق التحقيق هو تقدم العلة عن معلولها
والأولى على الزمني في التقدم الذي بالذات والتقدم الذي بالزمان والصورة تتقدم على هيولاها فالتقدم الذي من جهة
القصد والغاية والهيولي تتقدم على صورتها من جهة الوجود والبداية فإن الصورة لا
تكون دون الهيولى التي هي الموضوع والهيولى التي هي الموضوع توجد من دون الصورة
والقبلية والبعدية في ذلك من جهة الفاعل والغاية تعرف من الموجودات وكذلك الزمان"
[المعتبر، ج٣، ص١٦٥)].