Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نظرية الخلق عند أبي البركات البغدادي

الكاتب

هيئة التحرير

نظرية الخلق عند أبي البركات البغدادي

هل الوجود يسير وفق حتمية ثابتة أم بإرادة إلهية متجددة في كل لحظة؟ هنا تبرز نظرية الخلق المستمر عند أبي البركات البغدادي كتحول فلسفي عميق.

تعد نظرية "الخلق المستمر" عند أبي البركات البغدادي انقلابًا جذريًا على السكونية المشائية حيث أعاد الاعتبار للإرادة الإلهية الفاعلة في تفاصيل الزمان، فبين الاستدلال العقلاني والحدس العرفاني.

منهجية الكشف بين العقل والحدس

يذهب ابن ملكا بصدد إشكالية الخلق بأنها من المسائل الشائكة والتي تحتاج إلى استدلال عقلاني، وحدس عرفاني؛ لأن الموضوع أعمق وأخفى من أن يضرب له المثال وكيف يتساوى الخبر والعيان، وينبهنا هبة الله بأنه يجب: علينا أن نجهد أفكارنا، وتردد أنظارنا في معرفة كيفية صدور الخلق منه ووجود بداية الوجود من عنده، فنكون قد عدنا بنظرنا من حيث انتهينا إلى حيث ابتدأنا وأخذنا من العلة إلى المعلول كما انتهينا من المعلول إلى العلة إن كان ذلك يكون لنا إليه سبيل ونجد عليه في مذهب النظر حجة ودليلًا لما تقدره الأذهان وتحدسه الأفهام ويجوِّزه الإمكان النظري والتفكير العقلي؛ فإن معرفة الموجودات بطريق الاستدلال العقلي لا تعطى كنه المعرفة كما لا يتساوى الخبر والعيان وإنما تعرف الأشياء على حقيقتها من ابتدائها وإنشائها وجمع مركباتها من مفرداتها، وإظهار عللها من معلولاتها، ألا ترى أن الواحد منا لو خلط دواء مركبًا من أدوية كثيرة مفردة لما أمكن أن يعرفه كما هو بمفرداته ومقاديرها فيه إلا الذي ركبه وخلطه ودقه وعجنه فكيف والأمر أخفى وأعلى من أن يضرب له المثال؟! [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٣، ص١٤٦)].

إذن ابن ملكا كما هو واضح من كلامه أنه يستخدم النهج العقلاني بجانب الحدس الصوفي في الوصول إلى الحقيقة يقول أبو البركات: "وقد صح عندنا أن ما لا نراه أكثر وجودًا أو عددًا في الذوات والخواص والأفعال مما نرى لكنا نتشبث من ذلك بما يبلغ إليه اجتهادنا بنظرنا، وتنتهي إليه قدرتنا في تأملنا من جملة لا نعرف لها تفصيلًا وكلًا لا نعرف له أجزاء ومعرفة مشتركة لا نهتدى فيها إلى التمييز فلا نترك لأجل ما لا نقدر عليه ما نقدر عليه" [المعتبر، ج٣، ص١٤٦)].

نقد الحتمية السينوية وانتصار القدرة

وكما عرضنا أنها بصدد نقد ابن ملكا لابن سينا في قوله بالفيض، أو صدور الكثرة عن الواحد عن طريق مبدأهم لا يصدر من الواحد إلا واحد؛ لأن الخلق بهذه الصورة يحد من طلاقة القدرة الإلهية، ودورها الخلاق في الوجود، وبذلك رفض الحتمية المسيطرة التي يخضع لها فعل الخلق عند ابن سينا [د. محمد جلال شرف: الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي، ط: دار المعرفة الجامعية، ص ٨٣ – ٨٦)]، فهو يذهب إلى نظريته في القول بالخلق المستمر كما سنعرض لها.

الفاعلية الإلهية المباشرة ونفي الوسائط

وتجدر الإشارة إلى أن فهم الخلق عند ابن ملكا يترتب على فهم طبيعة الألوهية وصفاتها، فالألوهية عنده تعنى أول ما تعنى بأنها الخالقة بالذات والخلق فعلها الصادر عنها، بخلاف فكرة الوسائط في الخلق، وترتيب العقول حتى نصل إلى العقل الفعال كما هو الحال عند ابن سينا، فابن ملكا يقول: الذي يعلم منه حقاً يقيناً صفات الأول تعالى فإنه ليس معه في الوجود مساوق بل كل موجود هو غيره بعده في الوجود بعدية بالذات وإيجاد الموجودات هو فعله الصادر عن ذاته [أبو البركات: المعتبر (ج ۳، ص۱۰۲)].

فسواء أكان الخلق مباشرًا أم غير مباشر، فكل الموجودات صادرة عنه بفعله وبذاته لا عن طريق علل أخرى تشاركه فعل الخلق في الوجود، فالله تعالى واحد أحد فرد صمد على ما قيل: واحد بالذات والوجود والإرادة، فالذي يوجد عنه بذاته في بداية إيجاده واحد لا محالة فذلك الواحد أقرب إليه وأشبه به من سائر مخلوقاته؛ لأن وجوده صدر عن ذاته بإرادته لأجل ذاته فهو فاعله وهو غايته ثم إن أوجد موجودًا ثانيًا لأجل الأول فهو أيضًا لأجل ذاته من أجل ما هو ومن أجله فهو للأول غاية أولى وهو الغاية القصوى وللثاني غاية قصوى وليس هو الغاية القريبة الأولى وغاية الغاية وهي الغاية البعيدة أحق بمعنى الغاية من الغاية القريبة فإن كل شيء من أجل الغاية البعيدة، والبعيدة ليست من أجل شيء؛ فإذا خلق من أجل ما خلقه من أجل ذاته فقد خلق الثاني من أجل ذاته أيضًا فبفعل موجودًا لأجل ذاته وموجودًا لأجل الموجود الذي أوجده بذاته فيوجد ثم يوجد من أجل أنه يريد ثم أراد إرادة تتسبب من إرادة وموجودًا من أجل موجود فلا يتوقف إيجاده على موجود واحد كما قيل، بل إن الموجودات منها: ما يوجد عنه لأجل ذاته، ومنها: ما يوجد عنه لأجل الموجود الذي وجد عن ذاته كما خلق العينين وخلق الرأس من أجلهما والشعر على الرأس من أجل الرأس والأسنان من أجل المضغ، والفكين من أجل الأسنان على ما عرفته في خلق الحيوان والنبات في ثمرة من لبه ولحمه وقشره وورقه وساقه كذلك أيضًا، فتكون الموجودات عن الله تعالى؛ لأن منها ما عنه ومنها ما هو عما عنه وما عنه ما هو لذاته عن ذاته وهو واحد، ومنها ما هو لاجل ما عنه ومنه تبتدىء الكثرة فيما عنه وفيما عما عنه طولًا وعرضًا وتتضاعف إلى نهاية وغير نهاية في الأولى والزمني فيكون من أفعال الله تعالى ما هو أولى لا يتقدم وجوده زمان مثل علمه بذاته وبالموجودات التي صدرت عنه بذاته ومنها: ما هو زمني وما يفعله لأجل الزمنيات والحوادث والمتغيرات من الآيات والمعجزات الهدايات التي لا يقدر عليها غيره ولا يصح أن تنسب إلا إليه [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٣، ص١٦٢)].

الخلق المستمر وتجاوز البعد الطولي للمعلولات

وفي هذا الصدد يذهب أستاذنا الدكتور أبو ريان إلى أن الله يخلق في كل لحظة كثرة من الأشياء بطريق مباشر وغير مباشر، وقد خلق الله موجودًا واحدًا بطريق مباشر خلقه بذاته ولذاته في بدء الخليقة، ثم خلق الله موجودًا ثانيًا من أجل الموجود الأول، وهنا تبدأ نقطة التحول عن المذهب المشائي فبينما يصدر الموجود الثاني عن الصادر الأول عند المشائين، نجد هنا أن هذا الموجود يصدر عن الله أيضًا، ولكنه يصدر؛ ليشبع حاجة اقتضاها الموجود السابق عليه في الوجود، وهذا هو فقط معنى صدوره بطريق غير مباشر،، وهكذا نرى أن الله يتدخل في الزمان بعد أن كان الفعل الإلهي أوليًا خارج الزمان، ويتصل فعله بالجزئيات الحادثة في هذا العالم دون حاجة إلى متوسطات بعد أن كان الله عند ابن سينا لا يعلم الجزئيات، فالله هو العلة الأولى الجامعة وهو المركز الذي يخلق باستمرار في اتجاهات وأبعاد متعددة لا يقتصر فقط على البعد الطولي التنازلي كالشمس ترسل أشعتها في جميع الاتجاهات، وهذا الخلق ليس صدورًا ضروريًا بل هو فعل إرادة صادرة عن إرادة مطلقة تامة لها معرفة وشعور بما تفعل وجميع المخلوقات ترجع إلى الله بالذات [د. أبو ريان: معجم أعلام الفكر الإنساني بإشراف الدكتور إبراهيم مدكور مقال بعنوان: أبو البركات البغدادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب (ص ۳۳۸)].

المقاربة القرآنية والتشابه مع الفلسفات الحديثة

وأعتقد أن هبة الله بن ملكا يقترب إلى حد كبير من موقف أهل السنة في القول بالخلق المتجدد المستمر، وأن الله- تعالى- أصبح خالقًا بالذات في حين أن الخلق عند ابن سينا بالطبع أو بالفيض، ولعل هذا المفهوم للخلق يقترب من المعنى القرآني في قوله تعالى: ﴿‌یَزِیدُ ‌فِی ‌ٱلۡخَلۡقِ ‌مَا ‌یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [فاطر: ١] [د. أبو ريان: معجم أعلام الفكر الإنساني بإشراف الدكتور إبراهيم مدكور مقال بعنوان: أبو البركات البغدادي (ص ۳۳۸)]، ففكرة التطور إذن ليست مخالفة للقرآن الكريم [د. أبو الوفا التفتازاني: الإنسان في الكون، ط: دار الثقافة للطباعة والنشر (ص ٥٢)، محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام ترجمة/ عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر۱۹۷۰ م (ص ۸۰)]، لعل هذا (Creation continueé) يشبه ما ذهب إليه بعض الفلاسفة المحدثين في أوربا مثل: ديكارت ومالبرانش [د. التفتازاني: نفس المرجع (ص ٥٧)].

تجدد الإرادة في الزمن وتفنيد العلل المجازية

وأغلب الظن عندى أن ابن ملكا يعتقد أن الله تصور المخلوقات كلها في علمه الأولى بإرادته الأزلية القديمة، ثم أخرجها إلى حيز الوجود بإرادته المتجددة والمستمرة على الدوام، ويربط هبة الله بن ملكا بين خلق الأشياء ومرادات الله في الكون، فالله ليس علة عاقلة خارج الزمان والوجود ولكنه يفعل في الزمان بحسب قدرته وحكمته؛ لأن حكمته تصورت الأشياء والموجودات على طريق الجملة، ثم يخلق الله الأشياء والموجودات الجزئية باستمرار بمقتضى هذه الحكمة وسواء أكانت الموجودات فاعلها الله بذاته مثل: الإنسان الأول (آدم- عليه السلام-) أو الموجودات الأخرى الجزئية بطريق غير مباشر نتاج الأسباب والمسببات- فالأمر الذى لا شك فيه أن هذا الخلق يتم بفاعلية الله الحقيقية في الوجود، وكل الأسباب التي نراها لإيجاد المخلوقات هي علل مجازية، ولعل أبا البركات بصنيعه هذا يقرب إلى حد كبير من مفهوم الخلق بالمعنى الإسلامي؛ إذ إن الله في التصور الإسلامي هو الخالق لكل الأشياء، وهو الذي صنع آدم- عليه السلام- على عينيه أيضًا، وهنا لا أجد أية غضاضة في أن أقول: إن ابن ملكا كان مرجعيته في بعض جوانبه الثقافة الإسلامية بجانب الثقافات الأخرى كاليونانية وغيرها، ويحاول أبو البركات أن يوضح هذه الحقائق: فهو يرى أن فعل الله تعالى القديم الذي هو أول الخلق ومنها الحديث المحدث في الجزئيات المتجددة مثل: إنزال الغيث وتحريك الرياح وتقوية قلب إنسان وإضعاف قلب آخر وإحياء شخص وإماتة آخر وإجابة داع وانتصاف المظلوم من ظالم وكل ما ينسب إليه من الأفعال الجزئية في الأوقات المختلفة لا يمتنع شيء من ذلك؛ لأن الذي كان أوجب ذلك كان ما قيل في العقل ومفارقته وكونه لا يدرك الجسمانيات ولا يتصور الجزئيات وجميع ذلك بطل من حيث أتيت فعادت هذه الأشياء كلها إلى الجواز، فيكون الله تعالى بحسب ما وجب ومن مبدأيته الأولى وقدرته وحكمته أراد الخلق بأسره على طريق الجملة؛ لإيجاد كل ممكن الوجود ثم على طريق التفصيل؛ لإخراج كل ممكن في التصور والتقدير إلى الفعل بحسبه في تقديره وتوفيته أولياً وزمنياً [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٣، ص١٦٠)].

ويربط هبة الله بن ملكا بين صفة الجود ومشكلة الخلق وبرباط وثيق: فالله كعلة أولى يفعل بمعرفة وعلم واختيار لغاية هي جوده؛ لأن الجواد لا يمكن أن يكون غير جواد، ولا نتحاشى من الحق في قولنا: إنه لولا الفرق بين الوجود واللاوجود لما اختار القديم الجود ولا رضى به دون مقابلة لا يفعل بمعرفة وعلم اختيار لغاية هي جوده، فجوده مقصوده في فعله والموجودات لزمت عن جوده فما جاء لأجل الإيجاد لكنه أوجد لأجل الجود فغايته هو جوده الذى له بالذات، ومن صفات الذات التي يشعر بها الموصوف فيسر بها، ويفرق بين كونها ولا كونها فرقاً يختار فيه الكون على اللاكون [المرجع نفسه (ص ٦٨ – ٦٩)].

ويمكنني أن أعقب على ما يذهب إليه أبو البركات بأن الله لما كان بطبيعته جوادًا كما ينبغى أن يكون عليه الجود، فكان أمامه طريقان: الوجود والعدم، فكان من طبيعة كمالاته أن يفضل ويختار الوجود على العدم، وهكذا يربط هبة الله في عبارات عميقة بين الألوهية والخلق بأسلوب منطقى بحيث يجعل الألوهية في الموجودات بكل حرية ولا يخضعها للضرورة المطلقة أو الفاعلية بالطبع، إنما الخلق هنا بالإرادة الحرة، الجوادة التي جادت بصفاتها فأوجدت المخلوقات على أبدع ما يكون أو ليس في الإمكان أبدع مما كان على حد تعبير ابن سينا.

وهناك بعض التساؤلات التي تتردد في أرجاء الذهن، هل أبو البركات يؤمن بالعلية في الطبيعة؟ أم هل نزع فيلسوفنا تجاه المنحى الصوفي بجانب نهجه العقلاني بصدد مشكلة الخلق؟

لعل مثل هذه التساؤلات جديرة بأن تستوقف الباحث منا ليحاول أن يروى ظمأه، وخاصة عندما يكون أمام فيلسوف له عمقه وفكره كأبي البركات!

تفكيك السببية الطبيعية

الواقع أن نصوص ابن ملكا هي الحكم في هذا المشكل وخاصة أن هناك ظاهر بعض النصوص يوحى بالتلازم بين المخلوقات ولكن الباحث المدقق يتضح له أن ابن ملكا لا يؤمن بالعلية وخاصة أنه قد أكد في نصوص عديدة أن الله هو الخالق بالذات وأن ما عداه علل مجازية إن صح التعبير؛ لوجود المخلوقات وفي هذا الصدد يذهب: أبو البركات إلى أن كل قدرة في المعلول عن العلة وفى معلول المعلول من العلة وعلة العلة، فالعلة الأولى جامعة لكل قدرة في الوجود من حيث أنها تكون عنها أو عما عنها وما عما عنها بالحقيقة.

وفي هذا الصدد يشير ابن ملكا إلى أن العلة الحقيقية في وجود الموجودات هو الله، ويلغى فكرة الوسائط في التأثير على الموجودات، ويضرب ابن ملكا بعض الأمثلة؛ لتوضيح هذه الحقيقة فيذهب إلى أننا نرى ضوء النهار كله يكون عن الشمس وما هو عنه الجدار المجازي لها وهو الشعاع الذي يقع عليه منها وقوعًا أوليًا، والضوء الذي يوجد على الجدار المحاذي له من الشعاع على جدار في بيت يحاذيه وما على الجدار الذي في البيت المحاذي لذلك المحاذي كذلك بانعكاس ضوء عن ضوء ضعيف عن قوى حتى ينتهي إلى الظلمات التي تكون في الكهوف وفيما تظله السقوف؛ فإن ذلك الضوء بأسره قليلة وكثيرة عن الشمس بوساطة الشعاع فهو عنها أو عما عنها لا يصح أن يقال: إن الجدار المتوسط كان علة بنفسه في الإضاءة لأجل ما خصه من النور بل الكل عن العلة الأولى [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٣، ص١٦٣)].

وهكذا نرى أبا البركات ينتقد الضرورة العلية في الطبيعة، ويعلق عملية الخلق أو الإيجاد على القدرة الإلهية وحدها، وفى هذا الموقف أيضًا نقد الجوهرية الموجودات ولفكرة الوسائط التي يقوم عليها المذهب المشائي، وإذا كان أبو البركات يذهب إلى القول بالخلق المستمر، فهل معنى ذلك أنه يقول بالجوهر الفرد أو بالهيولي الأولي؟ في الحقيقة أن هذه إشكالية من إشكاليات ابن ملكا، فهو يحاول أن يؤكد على حرية الله، وفاعليته في الكون، وبالتالي على الخلق المستمر.

وعمدتنا في هذا المشكل هو نص ابن ملكا؛ إذ نعتقد أن نص الفيلسوف، ومحاولة استنطاقه هو المعول الرئيسي في رأينا للبحث عن الحقيقة، وأود أن أشير إلى أن بعض الدارسين قد ذهب إلى ابن ملكا من القائلين بالجوهر الفرد بناء على بعض نصوصه في حين أننا لو تأملنا ملياً لوجدنا أن نص ابن ملكا يفسح المجال للوجهة المقابلة وهو القول بـ "الهيولى الأولى" أو "المادة القابلة" على حد تعبير أفلاطون[ د. أبو ريان: معجم أعلام الفكر الإنساني بإشراف د. مدكور، مقال أبو البركات (ص ۳۳۸)].

لقد بنى القائلون بالجوهر الفرد نظريتهم على أساس أن ابن ملكا يؤكد على وجود الخلاء في الكون بخلاف أرسطو في هذا الصدد، ونحن لا ننكر أن أبا البركات قد أكد على وجود الخلاء [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٢، ص٦٧، ١٥٥)]، وليس معنى القول بالخلاء يلزم عنه بالضرورة القول بوجود الجوهر الفرد، هذا من جهة ومن جهة أخرى أن هناك نصوصًا واضحة تؤكد على إيمان فيلسوفنا بـ "الهيولى الأولى" كأحد عناصر الوجود، وهذا ما ذهب بصدده المستشرق الكبير بينيس حيث يعتقد أن أبا البركات يفضل الأخذ بالرأى المنسوب لأفلاطون في القول بوجود الخلاء على أن يأخذ برأى أرسطو [د. بنيس: مذهب الذرة عند المسلمين نقله عن الألمانية د، محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط: مكتبة النهضة المصرية ١٩٤٦م (ص ٨٠)].

تجليات الهيولي في الطبيعيات والإلهيات

يعرض أبو البركات في الفصل الرابع بعنوان (الهيولي والمحل والصورة) إلى ذلك بقوله: فالجسم بمجرد معنى جسميته من جهة أنه قابل لصور الكائنات نسميه "هيولى أولى" باستعداده بعضها لقبول بعض يكون هيولي قريبة ومتوسطة ومن جهة أخرى أنه بالفعل حامل الصورة يسمى موضوعًا ومن جهة أنه مشترك للصور يسمى طينة أو مادة [أبو البركات: المعتبر في الحكمة، ج٢،، ص١٤)]، كما أنه يذهب إلى تفسير الموجودات وأنها تنقسم إلى قسمين باعتبار الوجود إلى ذوات قارة في الوجود، وإلى أفعال صادر عنها وفيها والذي عنه تصدر الأفعال يسمى فاعلًا والذي فيه يسمى قابلًا والقابل هو المحل والهيولي [المرجع السابق (ص ۱٥، ۱۷)].

وينقد أبو البركات الذين ذهبوا إلى القول بالجزء الذي لا يتجزأ بقوله: "قد فهم قولهم على وجوه ورد بحجج كثيرة سودت فيها الصحف، واستفرغ فيها الوسع؛ وذلك أن قومًا ذهبوا إلى أن هذه الأجزاء قد تكون في الجسم المتناهي غير متناهية، وهذا قول من يقول: بأن هذه الأجزاء لا مقادير لها، وقد قيل: إن الحركة قد تقطع مسافة متناهية بزمان متناه ما لا يتناهى عددًا من هذه الأجزاء وكل ثان منها لا يصل إليه المتحرك إلا بعد الأول، فلو لم ينته عدد الأجزاء المنضودة على التتالي لما انتهت الحركة ولا الزمان [نفس المرجع: (ص ۲۳ )]، وأيضًا يقول قد بطل بما قيل وحدة الجسم كله بالاتصال وكثرته بالأجزاء التي لا تتجزأ فياليت شعرى يكون الحق الذي يجوز أن يعتقد فيه وكيف يجوز أن يوجد أو يتصور لا واحدًا ولا كثيرًا [المعتبر (ج ۲، ص۸ – ۲۷)].

هذه هي أهم ما عرض فيلسوفنا في الطبيعيات بعرض مسهب وعميق [نفس المرجع (ص ٢٥)]، والمتأمل فيما عرض فيلسوفنا في "الإلهيات" يجد نضج الفكرة أكثر، وأنه يلقى الضوء عليها بصورة واضحة لا غبش فيها، ولا تفسح المجال إلى أي لبس، فهو يرى أن النظر يذهب بنا إلى أشياء نسميها هيولي الأشياء كالخشب للسرير هيولى وللخشب هيولى أيضًا من جهة أشياء في المعنى الموضوع وتخالفها في الصورة؛ فإن الخشب إذا حرق بقى منه رماد وانحل منه ماء وهواء فقد كانت الأرضية التي هي الرماد والماء والهواء هيولى للخشب تكون منها وانحل إليها فكل واحد من الماء والأرض والهواء هيولى للمركبات منها التي تختلف بزيادة بعضها ونقصان بعض ثم هذه الهيولى تشترك في معنى الجسمية، فيكون الجسم هيولى أولى للجميع ولا يكون الجسم هيولى؛ لأنَّ نراه يتركب من شيء ولا ينحل إلى شيء سوى الأجزاء التي يتجزأ إليها بالتفصيل [المعتبر، ج۳، ص١٩٥ – ١٩٦)]، وأليس هذا يذكرنا بما ذهب إليه أفلاطون في الهيولي الأولى [د، عبد الرحمن بدوى: أفلاطون، ط: وكالة المطبوعات، الكويت (ص ۱۷۰)].

استقلال الفكر البغدادي وتوظيف المصطلح السينوي

وتجدر الإشارة إلى أن فيلسوفنا يشير إلى حقيقة الخلق بصورة أكثر نصوعًا وإيضاحًا، تنم عن أن صاحب المعتبر، كان متفردًا في رأيه، أو هو المفكر الذي استطاع أن ينتج فكرًا مستقلًا، فهو يذهب إلى أن ترتيب الخلق بحسب الإرادة السابقة واللاحقة فيما يراد وجوده لعينة (مثل خلق المخلوق الأول) وفيما يراد لأجل غيره وفى كليهما، ولا تتخصص الإرادة بمعلول أول، ثم يختص ذلك المعلول الأول بمعلول آخر بل يكون للعلة الأولى معلول يفعله ويفعل ذلك المعلول معلولًا آخر ويفعل العلة الأولى معلولًا آخر بخاصيته وتفعل العلة الأولى فيه وبه أفعالها ويفعل أفعالها خاصيته بذاته في غيره بحسب الإرادة، فتكون الخلائق من أفعال الخالق تعالى ومن فعل الخلق ومن مجموعهما كالزرع فإنه من الزارع ومن المنبت جميعًا والخالق الحكيم المريد خلق بحسب ارادته وحكمته [المعتبر، ج٣، ص٢٠٤)].

ولعلنا نلاحظ تركيز ابن ملكا على أنه الله هو العلة التامة الوحيدة في خلق الموجودات، وليست العلاقة بين الزارع والأرض هي العلاقة السببية في إيجاد الزرع، ويبدو أن أبا البركات قد تأثر بالسياق القرآني في قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ ‌تَزۡرَعُونَهُۥۤ ‌أَمۡ ‌نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤].

ويحاول أبو البركات أن يؤكد على الهيولى الأولى: بأنها غير واجبة الوجود بذاتها، بل ممكنة الوجود، معلولة صدر وجودها عن واجب الوجود بذاته [أبو البركات: المعتبر، ج٣،، ص٢٠٤ )]، فالهيولي تتكاثر بالصور المقترنة بها فيصير مع كل واحدة منها مع الأخرى؛ فيكون الحاصل منها في الوجود كثرة لا واحدًا [نفس المرجع (ص ٢٠٥)].

وبتحليلنا لهذا النص نستطيع أن نشتم رائحة التأثير السينوى، ولعل المتدبر في قول فيلسوفنا أن المادة صدر وجودها عن واجب الوجود، ولاحظ معي كلمة صدر وجودها ولم يقل: خلقت من العدم مما يشير بطرف خفى إلى قدم هذه المادة [د. سامي نصر لطف: فكرة الجوهر فى الفكر الفلسفي الإسلامي، ط: ١ مكتبة الحرية الحديثة ۱۹۸۲م (ص ۱٥۲، ۱۷۲)].

ورغم عمق ابن ملكا ومحاولته إفساح المجال أمام حرية وإرادة الله من الخلق باستمرار، فقد كان مرجعيته في بعض المفاهيم ابن سينا ومن قبله أفلاطون وأرسطو، لكن الحق يقال: إن توظيفه لهذه المفاهيم كان يعبر عن فكر منسق أصيل.

ويذهب أبو البركات من معالجته لإشكالية الخلق على ضوء طرحه المصطلحي المادة والصورة، إن نظرية الخلق المستمر عنده عبارة عن العالم المعقول (عالم المثل) والهيولى الأولى وهي ليست مساوقة الوجود الله كما هي عند أفلاطون إنما الله متقدم عليها بالذات وهي بعده بالوجود، والله يخلق الموجود باستمرار عن طريق تجدد الإرادة الإلهية وعمدتنا في هذا القول نص ابن ملكا، فهو بصدد هذه الإشكالية يعرض لها بقوله: "فأما ترتيب الخلق في القبلية والبعدية فيه من طريق التحقيق هو تقدم العلة عن معلولها والأولى على الزمني في التقدم الذي بالذات والتقدم الذي بالزمان والصورة تتقدم على هيولاها فالتقدم الذي من جهة القصد والغاية والهيولي تتقدم على صورتها من جهة الوجود والبداية فإن الصورة لا تكون دون الهيولى التي هي الموضوع والهيولى التي هي الموضوع توجد من دون الصورة والقبلية والبعدية في ذلك من جهة الفاعل والغاية تعرف من الموجودات وكذلك الزمان" [المعتبر، ج٣، ص١٦٥)].

مواجهة السهروردي: صراع الإشراق والنقد

لقد تعرض هبة الله للنقد الشديد من جانب السهروردي، وهو ينتقد أبا البركات نقدًا عنيفًا، وينعته بالجهل المطبق يقوله: (وممن يشرع فيما لا يعنيه من المتأخرين ويريد أن يذب عن مذاهب لا يعرفها ولا يحيط بحجج أهلها إنسان يسمى بأبي البركات المتفلسف أثبت على واجب الوجود إرادات متجددة غير متناهية سابقة ولاحقة، وزعم أنه يفعل شيئًا ثم يريد بعده شيئًا آخر، فيفعل ويريد، ثم يريد فيفعل، وله إرادة ثابتة أزلية وإرادات متجددة لا تتناهى وخالف في هذا البرهان، وخالف من الناس كل من له أقل رتبة وخالف مذهب اليهودية أيضًا الذي كان يراه، والإسلامية التي انتقل إليها، " فلا عقل ولا نقل"، كما يقال إلا أنه ظن أن هذه الملل ربما تقتضى هذا، وتوهم أن هذه الشرائع أوجبت إرادات حادثة غير متناهية في ذات الباري عذرًا ما قاله أحد من أهل هذه الملل ربما تقتضى هذا [ السهروردي: المشارع والمطارحات (مجموعة الحكمة الإلهية) استانبول، مكتبة المعارف، سنة ١٩٤٥م (ص ٤٣٦)].

والمتأمل في هذا النص السابق يلاحظ تحامل السهروردي على هبة الله ابن ملكا؛ إذ إن السهروردي يعتقد أن أبا البركات لا يحيط بحجج الفلاسفة، وأن ما ذهب إليه من أن الله له إرادات متجددة مخالفة للعقائد والشرائع سواء أكان اليهودية أو الإسلام، والحق أنه على ميزان الشرع أو الإسلام، نجد أن السهروردي يبالغ كثيرًا فيما ذهب إليه بصدد نقده لابن ملكا.

إن الإسلام قد أكد في غير موضع من آيات القرآن الكريم أن القدرة الإلهية دائمة العطاء والمنح باستمرار، وربما هذا ما أدى بابن ملكا أن يذهب هذا المذهب، رغم علمه بخطورة هذا الرأى على كمال وتنزيه الذات الإلهية، لكنه في نفس الآن تحفظ في رأيه بأن الكمالات الإلهية لها إرادات أزلية وإرادات متجددة وفي اتساق بينهما، من أجل المحافظة على عناية الله ورعايته للوجود.

ونستطيع القول: إن ما ذهب إليه السهروردي يغلب عليه طابع التجريح والتحامل أكثر منه نقد موضوعي، وكما كنا نود أن ينأى بنفسه عن كل عبارات القذف والتشهير والسباب مثل قوله: إنما تأتى لمثل هذا المجنون القذر الإتيان يمثل هذه الهذيانات القبيحة؛ لأنه لم يكن للحكمة في الأرض سياسة حكمية .. إلخ [السهروردي: المشارع والمطارحات (مجموعة الحكمة الإلهية) (ص ٤٣٨)].

إن ابن ملكا يمثل مدرسة قائمة بذاتها ولكنه مع ذلك تأثر بالمشائية في أشياء، وعارضها في أشياء أخرى، ولا نستطيع القول إنه كان معارضًا للمشائية على طول الخط بقدر ما كان يأخذ ما يتفق مع مذهبه الفكرى، بل إن ابن ملكا استطاع أن يقيم بناء فكريًا على أنقاض مشائية وأفلاطونية إلا أنه في نهاية المطاف نجح في أن يفرز لنا مذهبًا متسقًا ينم عن أن صاحب "المعتبر" اعتبر واختبر، وكان متفردًا ومبدعًا في آرائه وأفكاره ولعل معالجته لإشكالية الخلق خير صدق على ما ندعي.

سؤال وجواب

س: ما نظرية الخلق المستمر؟

ج: تعني أن الخلق يحدث بإرادة إلهية متجددة في كل لحظة.

س: كيف نقد أبو البركات الحتمية؟

ج: برفض فكرة الصدور الضروري وإثبات قدرة الله المطلقة.

س: ما موقفه من السببية؟

ج: رفض استقلال الأسباب وأكد ارتباطها بالإرادة الإلهية.

س: هل اعتمد على العقل فقط؟

ج: جمع بين العقل والحدس في تفسيره.

س: ما أهمية هذه النظرية؟

ج: تعيد التأكيد على فاعلية الله المباشرة في الكون.

الخلاصة

يبرز أبو البركات البغدادي كأحد أعظم نقاد العقل اليوناني من داخل المنظومة الفلسفية نفسها، مقدمًا مفهومًا للخلق يجمع بين تنزيه الذات وحيوية الفعل، ورغم التحامل الذي لاقاه من اللاحقين كالسهروردي إلا أن مذهبه في "الخلق المستمر" ظل شهادة على قدرة الفكر الإسلامي على الإبداع وتجاوز الأطر التقليدية نحو آفاق فلسفية أكثر شمولًا واتساقًا مع النص الديني.

موضوعات ذات صلة

يُعدّ العقل من أعظم نِعم الله على الإنسان، وبه يتميّز عن سائر المخلوقات

العلاقة بين النقل والعقل هي صمام الأمان لسلامة العقيدة

شاعت عبر القرون مقولات مغلوطة حول الفلسفة وعلاقتها بالدين

 يقدم أبو البركات البغدادي معالجة عقلية مستفيضة لصفات الذات الإلهية

يستكمل أبو البركات معالجته لصفات الإلهية بالانتقال من الوجود المنطقي إلى الكمال الأخلاقي والجمال الإشراقي

موضوعات مختارة