Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صفة الوجود

الكاتب

هيئة التحرير

صفة الوجود

هل الكون وليد صدفة عابرة أم تصميمٌ لحكيم عليم؟ وهل يملك العقل البشري أدوات البرهان لإثبات الخالق؟

إن مسألة "وجود الله" ليست مجرد فرضية ذهنية، بل هي حقيقة فطرية تتقاطع مع العقل، نغوص هنا في أعماق الأدلة النقلية والبراهين العقلية، لنكتشف كيف يضيء الإيمان ظلمات الحيرة، ويحول تساؤلات الروح إلى يقينٍ يملأ الكيان بالطمأنينة.

مفهوم الوجود

مفهوم الوجود لغة

الوجود في لسان العرب يعني الحضور الذي يقابله العدم والغياب، وهو لفظ يجمع بين معاني الظفر بالمطلوب والاستغناء والغنى [الرازي: مختار الصحاح، ص٣٣٣]، ويتجلى في العربية باشتراكه بين الوجد (الحزن) والوُجد (السعة)، مما يشير إلى أن الوجود الحقيقي هو الحضور الدائم الذي لا يلحقه غياب [ابن منظور: لسان العرب، ج٣، ص٤٤٥].

واصطلاحًا

الوجود هو أول الواجبات التي يجب على كل مكلف شرعًا معرفتها في حق الله - تعالى - وهو عند المحققين من يُصنف كصفة نفسية؛ أي أن الوجود ليس شيئًا زائدًا على الذات الإلهية في الخارج، بل هو عين الذات [الباجوري، حاشية تحفة المريد، ص ٨٥، الدردير، الخريدة البهية، ص ٤٨].

 تسمية الوجود صفة هي من باب التسامح اللفظي لتقريب المعنى للأفهام، فالله موجود بذاته لا بوجود زائد عليها.

الدليل النقلي على وجود الله

انطلق الوحي من مخاطبة الفطرة وتوجيه العقل للنظر في الآفاق والأنفس، مؤكدًا أن الإيمان بالله حقيقة مركوزة في جبلّة الإنسان، يقول تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفࣰاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیۡهَاۚ لَا تَبۡدِیلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ﴾ [الروم: ٣٠]،  ويقول في معرض التحدي العقلي: ﴿أَمۡ خُلِقُوا۟ مِنۡ غَیۡرِ شَیۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. 

ومن السنة النبوة:  قوله - صلى الله عليه وسلم: «كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه» [البخاري: الصحيح (١٣٨٥)]

الأدلة العقلية على وجود الله

يعتمد المتكلمون براهين صارمة لقطع دابر الشك، وهي:

إن وجود الحق - سبحانه - أزليٌّ لا يفتتحه أول، ومنزهٌ عن سَبق العدم، بخلاف الكائنات التي وُصمت بالحدوث؛ لكونها مسبوقة بالعدم ومفتقرة في وجودها إلى مُوجدٍ يرجح كفتها، فالعالم بأسره متغيّر، وكل متغيّر حادث، ولا يمكن عقلًا أن يترجح وجود هذا العالم على عدمه بلا سبب، لأن الترجيح بلا مرجح محال.

ومن هنا يقضي العقل بأن واجب الوجود لا يجوز عليه العدم أزلًا ولا أبدًا؛ فالافتقار على الله محال، ولو جاز عليه العدم لكان عاجزًا بالضرورة عن تدبير شئون نفسه، فكيف بتدبير ملكوت السماوات والأرض؟ فبينما يظل الوجود الإلهي سرمديًا لا يلحقه فناء، تبقى الكائنات في كل طرفة عين رهينة العدم، لولا حفظ الله ومدده الذي يُبقيه.

  •   إبطال الدور

 وهو توقف الشيء في وجوده على ما يتوقف عليه (أ أوجد ب، وب أوجد أ)، وهو باطل لأنه يقتضي تقدم الشيء على نفسه.

  •   إبطال التسلسل

 فرض سلسلة حوادث لا بداية لها، ويُبطل ببرهان التطبيق؛ إذ يجب أن تنتهي السلسلة إلى مسبب أول واجب الوجود [الباجوري، حاشية تحفة المريد، ص ٨٥-٨٧، الدردير، الخريدة البهية، ص ٤٨].

أدلة وجود الله بين بصيرة الفقهاء وحكمة الفلاسفة

إن قضية وجود الله - سبحانه - ليست مجرد مسألة حسابية، بل هي حقيقة تتلاقى فيها الفطرة البسيطة مع أعقد المناهج العقلية؛ حيث قدم لنا أئمة الإسلام وعلماؤه براهين قريبة من العقل، لا تحتاج إلى مقدمات معقدة لتصل إلى جوهر الحقيقة:

  • برهان التسيير (الإمام أبو حنيفة)

واجه الإمام جماعة من المنكرين بمنطق السفينة، حين سألهم عن سفينة تبحر عباب البحر المتلاطمة وهي محملة بالأثقال، تجري بهدوء واستقامة دون ربان يديرها أو ملاح يحميها؛ هل يقبل العقل ذلك؟ فلما أجابوا بالاستحالة، ألقى عليهم حجة اليقين:"إذا كان العقل يرفض وجود سفينة بلا قائد، فكيف يتصور وجود هذا الكون الفسيح، بسعة أطرافه واختلاف أحواله، بلا صانع حكيم وحافظ قدير؟".

  •   برهان الإبداع (الإمام الشافعي)

 عندما سُئل عن الدليل، أشار إلى ورقة التوت، موضحًا كيف أن المادة الواحدة تتحول بمعجزة إلهية إلى نتائج متباينة؛ تأكلها دودة القز فتخرج حريرًا، والنحل فينتج عسلًا، والشاة فتخرج روثًا، والغزال فيخرج في أحشائه المسك، فمن الذي جعل من الأصل الواحد هذه الثمرات المختلفة إلا خالق مبدع؟

  • منطق الفطرة

حيث لخص أعرابي ببساطته أعظم الأدلة حين قال:"البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج.. ألا تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟" [راجع: فخر الرازي: مفاتيح الغيب،١/٣١٤].

كما لم ينفصل الفلاسفة العقلاء عن مقتضى هذه الفطرة، بل صاغوا اضطرارهم للإيمان بعبارات بليغة تؤكد أن النفس لا تجد سكنها إلا في الله:

بليز باسكال: "كل شيء غير الله لا يشفي لنا غليلًا، ولا يسد رمقنا"

لوكوردين: "الله هو الشمس الوحيدة التي تمد أشعتها الخالدة لجميع الموجودات"

شاتوبريان: "لم يتجرأ على إنكار الله غير الإنسان" (في إشارة إلى أن الكون كله يقر بخالقه إلا جاحد من البشر).

لاتييه: "الكلمة التي تجحد الخالق تحرق شفة المتلفظ بها"

بيلوتان:"الله هو الأصل والمرجع لكل حياة" [فريد وجدي: دائرة معارف، مقالات في الفلسفة الحديثة، ص ٤٨٢].

هذه الشهادات، سواء صدرت من منطق الفقيه أو وجدان الفيلسوف، تؤكد أن وجود الله ليس مجرد نظرية تحتاج لبرهان، بل هو نور الحقيقة الذي يملأ العين بمجرد فتحها، إنها تخبرنا بأن إنكار الخالق هو معاندة للفطرة قبل أن يكون خطًا عقليًا، فكما لا يمكن للعين أن تنكر ضوء الشمس، لا يمكن للروح السوية أن تنكر مَن منحها الوجود والحياة.

الخلاصة

إن الإيمان بوجود الله ليس مجرد استنتاج فلسفي، بل هو تجلٍ لحقيقة مركوزة في الفطرة وواقعٍ ناطقٍ في الآفاق، من برهان الحدوث إلى منطق التسيير، تتضافر الأدلة لتؤكد أن إنكار الخالق معاندةٌ للبداهة، وأن الوجود الإلهي هو النور الذي يمنح الحياة معناها، ويصل الروح بمرجعها ومصيرها الأبدي.

موضوعات ذات صلة

البقاء صفة إلهية ذاتية واجبة أزلًا وأبدًا.

الاستغناء تنزيه إلهي عن الحاجة لمحل ومُخصص.

المخالفة للحوادث تنزيه للخالق عن مشابهة المخلوقات.

موضوعات مختارة