إن قضية وجود الله - سبحانه - ليست مجرد
مسألة حسابية، بل هي حقيقة تتلاقى فيها الفطرة البسيطة مع أعقد المناهج العقلية؛
حيث قدم لنا أئمة الإسلام وعلماؤه براهين قريبة من العقل، لا تحتاج إلى مقدمات
معقدة لتصل إلى جوهر الحقيقة:
- برهان
التسيير (الإمام أبو حنيفة)
واجه
الإمام جماعة من المنكرين بمنطق السفينة، حين سألهم عن سفينة تبحر عباب البحر
المتلاطمة وهي محملة بالأثقال، تجري بهدوء واستقامة دون ربان يديرها أو ملاح
يحميها؛ هل يقبل العقل ذلك؟ فلما أجابوا بالاستحالة، ألقى عليهم حجة اليقين:"إذا
كان العقل يرفض وجود سفينة بلا قائد، فكيف يتصور وجود هذا الكون الفسيح، بسعة
أطرافه واختلاف أحواله، بلا صانع حكيم وحافظ قدير؟".
-
برهان
الإبداع (الإمام الشافعي)
عندما سُئل عن الدليل، أشار إلى ورقة
التوت، موضحًا كيف أن المادة الواحدة تتحول بمعجزة إلهية إلى نتائج متباينة؛
تأكلها دودة القز فتخرج حريرًا، والنحل فينتج عسلًا، والشاة فتخرج روثًا، والغزال
فيخرج في أحشائه المسك، فمن الذي جعل من الأصل الواحد هذه الثمرات المختلفة إلا
خالق مبدع؟
حيث لخص
أعرابي ببساطته أعظم الأدلة حين قال:"البعرة تدل على البعير، وآثار
الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج.. ألا
تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟"
[راجع: فخر الرازي: مفاتيح الغيب،١/٣١٤].
كما لم ينفصل الفلاسفة العقلاء عن
مقتضى هذه الفطرة، بل صاغوا اضطرارهم للإيمان بعبارات بليغة تؤكد أن النفس لا تجد
سكنها إلا في الله:
بليز
باسكال: "كل شيء غير الله لا يشفي لنا غليلًا،
ولا يسد رمقنا"
لوكوردين:
"الله هو الشمس الوحيدة التي تمد أشعتها الخالدة لجميع الموجودات"
شاتوبريان: "لم
يتجرأ على إنكار الله غير الإنسان" (في إشارة إلى أن الكون كله يقر بخالقه
إلا جاحد من البشر).
لاتييه: "الكلمة
التي تجحد الخالق تحرق شفة المتلفظ بها"
بيلوتان:"الله
هو الأصل والمرجع لكل حياة" [فريد وجدي: دائرة
معارف، مقالات في الفلسفة الحديثة، ص ٤٨٢].
هذه
الشهادات، سواء صدرت من منطق الفقيه أو وجدان الفيلسوف، تؤكد أن وجود الله ليس
مجرد نظرية تحتاج لبرهان، بل هو نور الحقيقة الذي
يملأ العين بمجرد فتحها، إنها تخبرنا بأن إنكار الخالق هو معاندة للفطرة قبل أن
يكون خطًا عقليًا، فكما لا يمكن للعين أن تنكر ضوء الشمس، لا يمكن للروح السوية أن
تنكر مَن منحها الوجود والحياة.