فِي عِلاج القَلْبِ المُؤْثِرِ
لِهَوَاهُ، الْمُعْرِضِ عَنْ مَوْلَاهُ.
إِذَا كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ بِأَنْ
يُحِسَّ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، إِمَّا عِنْدَ التَّذْكِيرِ، وَإِمَّا
عِنْدَ وُجُودِ النَّكِيرِ، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ، هِيَ مَفَاتِحُ
القُلُوبِ وَالْأَبْوَابِ:
أولها: حِمْيَةُ البَدَنِ
بِالتَّقْلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِالفِكْرَةِ وَلَا
المَنَامِ.
الثَّانِي: اسْتِنْشَاقُ رَوَائِحِ
الصِّدْقِ بِمُخَالَطَةِ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الحَيُّ فَبِأَخْبَارِ
مَنْ يُعْرَفُ بِمَحَلِّهِ.
الثالث: اسْتِعْمَالُ الدَّوَاءِ
الدَّافِعِ بِتَذْكَارِ المَهَالِكِ وَالْقَوَاطِعِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ في
الجُمْلَةِ، تُذَكُّرُ العَبْدَ أَصْلَهُ وَفَصْلَهُ:
أَحَدُهَا: غُرْبَتُهُ فِي
الدُّنْيَا، حَتَّى مِنْ نَفْسِهِ.
الثَّانِي: مَصْرَعُهُ عِنْدَ
المَوْتِ، وَوَحْشَتُهُ فِي رَمْسِهِ (ظلمة القبر).
الثَّالِثُ: مَوْقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْ
جَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفَضِيحَتُهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ
يَوْمَ الْعَرْضِ.
فَبِالتَّقْلِيلِ يَصْفُو قَلْبُهُ،
وَبِمُخَالَطَةِ أَهْلِ الخَيْرِ يَشْتَاقُ لُبُّهُ، وَبِالتَّذْكَارِ يُعِينُهُ
رَبُّهُ، إِذْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِينُ العَبْدَ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ،
وَيَفْتَحُ لَهُ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا عَلَى العَبْدِ الإِتْيَانُ بِالأَسْبَابِ، وَعَلَى اللَّهِ فَتْحُ البَابِ.
فَإِذَا نَفَرَتِ النَّفْسُ عَنِ التَّذْكَارِ،
وَقَصَّرَ القَلْبُ فِي وُجودِ الاسْتِبْصار، فَتَعَمَّدِ الأَسْبَابَ
المُذَكِّرَةَ، وَاقْصِدِ الأُمُورَ المُقَرِّبةَ المُفَكِّرَةَ:
أولها: وُجُودُ الخَلْوَةِ مَعَ
الفَرَاغِ، وَإِنْ بِلَا ذِكْرٍ.
- الثاني: زِيَارَةُ المَقَابِرِ
خَلِيًّا، وَإِنْ بِلَا فِكْرٍ.
الثَّالِثَ: لُزُومُ الاسْتِغْفَارِ
وَإِنْ بِلَا حُضُورٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - في
جَمِيعِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ: «زُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ
الْآخِرَةَ»[ابن ماجه: ١٥٧٠]، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ
مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ
لَا يَحْتَسِبُ»[أبو داود: ١٥١٨، وابن ماجه: ٣٨١٩].
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ: «الصَّلَاةُ عَلَيَّ نُورٌ فِي
القَلْبِ، وَنُورٌ فِي القَبْرِ، وَنُورٌ عَلَى الصِّرَاطِ»[الترغيب في
فضائل الأعمال وثواب ذلك: ١٤/ (٢٢)]، وَهِيَ أَمْحَقُ لِلذُّنُوبِ مِنَ المَاءِ
البَارِدِ لِلنَّارِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه [أورده
القاضي عياض في الشفا: ٢/ ٧٦، وابن الجوزي في بستان الواعظين ورياض السامعين:
١/٢٩٦].
فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ عَنْ ذَلِكَ،
وَامْتَنَعَتْ عَنْ هَذِهِ المَسَالِكِ، إِمَّا لِثِقْلِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا،
أَوْ وُجُودِ شُغْلٍ بِمَا لَدَيْهَا، فَاعْلَمْ أَنَّ الأَوَّلَ آيَةُ الغَيِّ
وَالْخِذْلَانِ، وَدَلِيلُ ضَعْفِ اليَقِينِ وَالإِيمَانِ، وَالثَّانِيَ غَلَبَةُ
الهَوَى عَلَيْكَ، وَالشَّغَفُ بِمَا هُوَ قَائِمٌ لَدَيْكَ، فَلَكَ فِي
الْأَوَّلِ عِلَاجَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّحَامُلُ عَلَى
الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وَإِشْغَالُ النَّفْسِ بِالأُمُورِ المَشْكُورَةِ، مِنْ
غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِفَائِدَةِ هَذَا العَمَلِ وَلَا كَمَالِهِ، وَلَا نَظَرٍ
لِكَثْرَتِهِ وَلَا اسْتِقْلَالِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُلْفِتُهَا شَاءَتْ أَوْ
أَبَتْ، وَيُذْهِلُهَا عَمَّا عَلَيْهِ اسْتَقَرَّتْ وَرَبَتْ.
الثَّانِي: تَكْرَارُ العَقَائِدِ
المُجَرَّدَةِ عَنِ البُرْهَانِ، الوَاضِحَةِ التَّبْيَانِ، دَرْسًا وَتِلَاوَةً
حَتَّى تَتَمَكَّنَ صُورَتُهَا فِي النَّفْسِ، فَيَتَجَدِّدُ وَجْهُ المُعْتَقَدِ
وَيَرْتَفِعَ الوَهَمُ وَاللَّبْسُ، فَبِذَلِكَ تَنْتَعِشُ القُوَى، وَيَظْهَرُ
مِنَ الحَقِيقَةِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَوَى؛ إِذْ كُلُّ إِنْسَانٍ وَإِنْ
ضَعُفَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُزْئِيَّةٍ يَقْوَى فِيهَا إِيقَانُهُ، فَإِذَا لَا
زَمَهَا التَّكْرَارُ تَأَكَّدَتْ مَعَانِيهَا وَلَاحَتْ مَبَانِيهَا، فَافْهَمْ.
وَأَمَّا وُجُودُ الشُّغْلِ وَعَدَمُ
الفَرَاغِ، فَعِلَّةٌ لَا تُسَلَّمُ وَلَا تُسَاغُ؛ لِأَنَّكَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ
مَشْغُولًا بِمَا فِيهِ شَائِبَةُ حَقٍّ كَطَلَبِ العِلْمِ، أَوْ بِمَا فِيهِ
لَوَازِمُ صِدْقٍ كَالْقِيَامِ بِحَقِّ مَا يُوجِبُهُ الحُكْمُ، أَوْ بِمَا فِيهِ
حَقٌّ عَاجِلٌ، أَوْ فَضْلٌ آجِلٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي تَحْصِيلَ
الفِكْرِ وَالتَّذْكَارِ؛ لِعَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ أَجْزَاءَ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الاسْتِغْرَاقُ فَهُوَ ذَهَابٌ بِالحَقِيقَةِ إِلَى
المُسْتَغْرَقِ فِيهِ، وَلَا يَصِحُ ثُبُوتُ الحَقِّ مَعَ مَا يُنَافِيهِ.
لَكِنْ هُنَا مُعَالَجَاتٌ ثَلَاثَةٌ:
أولها: أَنْ تَخْتَلِسَ مِنْ سَاعَاتِ
لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ سَاعَةً تَخْلُو فِيهَا بِنَفْسِكَ، وَتَنْظُرَ فِي يَوْمِكَ
وَأَمْسِكَ، وَتُلَاحِظَ هُجُومَ المَوْتِ وَلَوَازِمَ رَمْسِكَ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُمْكِنَ ذَلِكَ
لِتَمَكُّنِ التَّعَبِ السَّابِقِ وَالشَّغَبِ اللَّاحِقِ، فَتَخْتَلِسَ مِنَ
الأَيَّامِ يَوْمًا فِي الجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَفِي الشَّهْرِ ثَلَاثًا
وَنَحْوَهَا، تَجْعَلُهَا عَلَيْكَ كَالدَّيْنِ.
الثَّالِثَ: أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ
عَلَيْكَ، وَلَا تَقْدِرَ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ مَا لَدَيْكَ، فَيَكُونُ مَرَّةً
فِي السَّنَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا حَالَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ
تَعَالَى قَدْ ذَكَّرَنَا بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا، وَنَدَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلتَّذْكَارِ فِي يَوْمِهَا بِالتَّرْغِيبِ فِي الْإِنْصَاتِ، وَكَثَرْةِ
السَّلَامِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ، وَرَغَّبَنَا فِي صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ
أَيَّامِهَا، وَجَعلَ التَّوَقِّيَ فِي الأُمُورِ مِنْ حَقِيقَةِ أَحْكَامِهَا،
فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «أَيَجْعَلُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ صَوْمِهِ كَيَوْمِ فِطْرِهِ»... الحَدِيثُ [أورده ابن أبي شيبة في
مصنفه، كتاب الصيام، ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام. عن جابر رضي الله قال : «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ
وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ
عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ
وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً»، وَكَذَلِكَ رَغَّبَ فِي صِيَامِ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَفَرَضَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَسَنَّ فِيهِ
الاعْتِكَافَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالهِمَّةُ حَامِلُ
البَدَنِ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى هِمَّةٍ اسْتَعَانَ بِهَا عَلَى أَمْرِهِ، حَتَّى
إِنَّهُ لَا يَجِدُ وَقْتَ فَرَاغٍ إِلَّا فَرَغَ فِيهِ لِمُرَادِهِ، وَقَامَ
بِمَا يُمْكِنُهُ فِي الحَالِ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَبِّبًا قَامَ بِالذِّكْرِ
المَذْكُورِ مَعَ أَسْبَابِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَجَرِّدًا جَعَلَ الذِّكْرَ
المَذْكُورَ مَوْضِعَ اكْتِسَابِهِ، وَإِنْ كَانَ طَالِبَ عِلْمٍ جَعَلَهُ فِي
تَصَرُّفَاتِهِ، إِذْ لَيْسَ طَلَبُ العِلْمِ بِمُسْتَغْرِقٍ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ.