Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حفظ اللسان من الغيبة والنميمة

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

حفظ اللسان من الغيبة والنميمة

كيف نحفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة، ونصون قلوبنا من آفات الكلام التي تفسد المودة وتزرع الخصام؟

إن اللسان نعمة عظيمة، فمَن حفظه عن الشر وزيَّنه بالخير، حفظ الله قلبه، وأصلح شأنه، وجعل كلماته سبيلًا إلى المحبة والسلام.

خطر الغيبة والنميمة وآفات اللسان

اللسان نعمةٌ من أعظم نعم الله على الإنسان، به يذكر ربَّه، ويقرأ كتابه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس، كما أنه قد يكون سببًا في هلاكه إذا أطلقه فيما لا يرضي الله؛ ولذلك كان حفظ اللسان من أجلِّ العبادات، وعدَّه العلماء من علامات كمال الإيمان وحسن الإسلام.

ومن أخطر آفات اللسان التي ابتُلِي بها كثيرٌ من الناس: الغيبة والنميمة؛ فكم فرَّقتا بين الأحبة، وأفسدتا العلاقات، وأشعلتا العداوات، وأورثتا القلوب قسوةً وظلمة، وقد حذَّر الله سبحانه وتعالى منهما أشد التحذير، فقال عز وجل: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].

كيف نحفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة؟

فإذا أدركنا خطورة هذا الذنب، كان السؤال: كيف نتخلَّص من الغيبة والنميمة؟

أولًا: يجب علينا أن نُعظِّم شأن الغيبة والنميمة في نفوسنا؛ لأن الإنسان إذا لم يستعظم الذنب، استهان به، وإذا استهان به أقدم عليه من غير مبالاة.

وثانيًا: الصمت، وقلة الكلام فيما لا ينفع، وقد ألَّف الإمام ابن أبي الدنيا كتابًا كبيرًا فيما ورد عن سيدنا رسول الله ﷺ في الصمت.

وقلة الكلام تُعين الإنسان على الحكمة والتبصُّر، وقد ورد: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُوتِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ، فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُلَقَّنُ الْحِكْمَةَ».

ويقول ربنا عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].

ويقول رسول الله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».

فهذه من الوسائل التي إذا تذكَّرها الإنسان أعانته على ترك الغيبة والنميمة: أن يلتفت إلى نفسه، ويتدبَّر حاله، وينشغل بعيوبه عن عيوب الناس، ويلزم الصمت إلا فيما ينفع.

واعلم أنك تملك الكلمة ما دامت في صدرك، فإذا نطقت بها ملكتك، وصرت مسؤولًا عنها.

وقد قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ»، وقال ﷺ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟»؛ فيجب على الإنسان أن يستعظم قضية الغيبة والنميمة.

وكان أحد مشايخنا رحمه الله يتبع طريقةً تربويةً نافعةً مع مَن ينقلون الكلام، فإذا جاءه رجل فقال له: يا مولانا، إن فلانًا قال في حقك كذا وكذا، كان الشيخ يستعظم نقل الكلام، ويرى أن الاستماع إلى النميمة من غير إنكار أو حاجة أمرٌ لا يجوز، فكان يقول لناقل الكلام: "اجلس هنا"، ثم يرسل إلى الشخص الذي نُسب إليه الكلام، فإذا حضر قال له: هل صحيح أنك قلت في حقي كذا وكذا؟ فإن أخانا هذا يقول إنك قلت ذلك.

وعندئذٍ يقع ناقل الكلام في حرج شديد، حتى وإن كان ما نقله صحيحًا؛ لأنه يرى بنفسه ما أحدثه من فتنة، وما سببه من فساد بين الناس، فلا يعود إلى مثل هذا الفعل مرةً أخرى.

وكانت مثل هذه المواقف تمنع الفساد، وتربي الإنسان على الصلاح، وتعلمه أن الكلمة أمانة، وأن نقل الكلام بين الناس ليس أمرًا هيِّنًا.

ومع ذلك، فإن مواجهة ناقل الكلام أو مَن نُسب إليه الكلام ليست قاعدةً ثابتةً في كل الأحوال، بل تُراعى فيها المصلحة، ويُنظر فيما إذا كانت المواجهة ستصلح الأمر أو تزيد الفتنة.

التوبة من الغيبة والنميمة وإصلاح ما أفسدناه

أما التوبة من الغيبة والنميمة، فقد ذكر العلماء لها أمورًا:

أولًا: أن يندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود إليه.

ثانيًا: أن يستغفر الله تعالى، وأن يستغفر لمن اغتابه أو أساء إليه، وأن يذكره بخير في المواضع التي ذكره فيها بسوء، وأن يدعو له، فيقول مثلًا: اللهم اغفر له، وارحمه، وأصلح شأنه.

ثالثًا: إذا ترتب على النميمة فسادٌ أو قطيعةٌ بين الناس، وجب عليه أن يسعى في إصلاح ما أفسده، على قدر استطاعته، من غير أن يُحدث فتنةً جديدة.

رابعًا: إذا كانت العلاقة بينه وبين مَن ظلمه قوية، وكان الاعتذار لن يزيد الأمر سوءًا، جاز له أن يعتذر إليه، أما إذا كان الاعتذار سيؤدي إلى زيادة الشحناء والخصومة، فليكثر من الدعاء والاستغفار له، وليذكره بخير، وليصلح ما أفسده بقدر المستطاع.

فنحن نعيش في عصر كثرت فيه الغيبة والنميمة، وكثر فيه الكذب، وكثرت فيه آفات اللسان، فنحن أحوج ما نكون إلى أن نتخلَّى عن هذه الصفات، وأن نحفظ ألسنتنا، وأن ننشغل بعيوبنا عن عيوب الناس، وأن نتثبت قبل أن نتكلم أو ننقل.

وكان من هدي بعض السلف الصالح أن يقول أحدهم: "اللهم إني قد تصدقت بعِرضي على الناس".

أي: اللهم إني قد عفوت عمَّن اغتابني أو أساء إليَّ، ووهبت له حقي، رجاء عفوك وفضلك.

فاحفظ لسانك، ولا تتكلم إلا بخير، ولا تنقل ما يفسد بين الناس، وتذكَّر أن الكلمة قد ترفع صاحبها درجات، وقد تهوي به في النار.

الخلاصة

إن حفظ اللسان من الغيبة والنميمة طريقٌ إلى صفاء القلب وسلامة الصدر، ومن شغل نفسه بعيوبه رقَّ قلبه عن عيوب الناس؛ فاجعل كلمتك نورًا لا نارًا، واذكر أن الصمت حكمة، وأن التوبة الصادقة تُصلح ما أفسدته الألسن.

موضوعات ذات صلة

جريمة أخلاقية عظيمة في حق أخيك المسلم، توجب التوبة والتحفظ من مجالس السوء.

حفظ اللسان من أعظم العبادات التي يحتاجها المسلم.

جريمة أخلاقية تمس كرامة الإنسان، وتفسد القلوب، وتمزق روابط المجتمع.

من الصفات الحميدة في الإنسان، بل إنه من أفضل الصفات الإنسانية على الإطلاق.

التوعية بأهمية صفاء النفس وسلامة الصدر وأثرهما في نشر السلم المجتمعي.

موضوعات مختارة