Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حفظ اللسان طريق الجنة

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

حفظ اللسان طريق الجنة

 كم كلمةٍ خرجت في لحظة غضب فهدمت علاقةً استمرت سنوات، وكم كلمةٍ طيبة غيّرت حياة إنسان إلى الأبد!

 وفي زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُكتب وتُنشر في ثوانٍ وتصل إلى آلاف الناس، صار حفظ اللسان من أعظم العبادات التي يحتاجها المسلم؛ لأن كلمةً واحدة قد ترفعه عند الله درجات، أو تهوي به في النار والعياذ بالله.

لماذا جعل الإسلام حفظ اللسان من أعظم أبواب النجاة؟

يتميز الإنسان عن غيره بقدرته على التعبير عما في قلبه، ولذلك كان اللسان ترجمان الإيمان، ودليل ما يختبئ في النفس.

 ومن هنا أولى الإسلام عنايةً عظيمة بالكلمة، فلم يجعلها مجرد صوت يخرج من الفم، بل جعلها مسئولية يُحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، فهذه الآية تجعل المؤمن يستشعر أن كل كلمة محفوظة، لا تضيع صغيرة ولا كبيرة، سواء قيلت في مجلس خاص أو نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر من خطر اللسان، فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه].

 إن الإسلام لا يطالب المسلم بأن يتوقف عن الكلام، وإنما يرشده إلى أن يجعل كلامه نافعًا، فإن لم يكن فيه خير فالصمت خير منه،  ولهذا قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما أخبره بأبواب الخير «وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» [رواه الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده].

 إن كثيرًا من المعاصي تبدأ بكلمة؛ خصومة، أو قطيعة، أو إشاعة، أو سخرية، أو شهادة زور، أو غيبة، أو نميمة، ولهذا كان حفظ اللسان حفظًا للدين كله، فقد رُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ، أَلَا فَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه الشهاب القضاعي في مسنده].

 وكان السلف يعدون الصمت عبادةً إذا خلا الكلام من الخير، فالكلمة في الإسلام ليست أمرًا هيّنًا، بل قد تكون سببًا لدخول الجنة، وقد تكون سببًا لدخول النار.

وصدق النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال في حديثه الصحيح: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ عز وجل، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري في صحيحه، والبيهقي في السنن الكبرى].

آفات اللسان في عصر التواصل الرقمي

كان الإنسان قديمًا يتحدث فيسمعه من حوله، أما اليوم فقد يكتب جملةً واحدة فتصل إلى ملايين البشر في دقائق؛ ولذلك أصبحت مسئولية الكلمة أعظم من أي وقت مضى.

 ومن أخطر آفات اللسان في عصرنا:

  •  الغيبة الإلكترونية: فيظن بعض الناس أن الغيبة لا تكون إلا بالكلام، بينما قد تقع برسالة، أو تعليق، أو منشور، أو صورة ساخرة، أو مشاركة لمقطع يسيء إلى الآخرين.
  • نشر الشائعات: كم من خبر كاذب انتشر بسبب شخص ضغط زر إعادة النشر دون أن يتحقق! قال الله - تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟﴾ [الحجرات: ٦].
  •  فالتثبت خلق إسلامي، أما التسرع فقد يهدم سمعة إنسان، أو يثير فتنة في مجتمع كامل.
  • السخرية والتنمر: تحولت بعض التعليقات إلى وسيلة للسخرية من أشكال الناس أو لهجاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية، بينما يقول الله تعالى: ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، فقد تكون كلمة ساخرة سببًا في جرح قلب مؤمن، والله يعلم خفايا النفوس.
  • الجدال العقيم: كثير من النقاشات الإلكترونية لا يقصد أصحابها الوصول إلى الحق، وإنما الانتصار للنفس وإحراج الآخرين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» [رواه أبو داود في سننه، والطبراني في المعجم الكبير].

 فليس كل نقاش يستحق أن نخوضه، وليس كل تعليق يحتاج إلى رد،  إن وسائل التواصل لم تصنع آفات جديدة، لكنها وسّعت دائرة انتشارها، ولذلك صار حفظ اللسان يشمل اللسان والقلم ولوحة المفاتيح والهاتف.

ثمار حفظ اللسان في الدنيا والآخرة

حين يحفظ الإنسان لسانه فإنه لا يحمي نفسه فقط من الذنوب، بل يجني ثمارًا عظيمة في حياته كلها.

  •  فأول هذه الثمار طهارة القلب؛ لأن اللسان يعبر عما في الداخل، فإذا طاب القلب طاب الكلام.
  • ومن ثماره - أيضًا: كسب محبة الناس، فالناس بطبيعتهم يميلون إلى صاحب الكلمة الطيبة، ويبتعدون عمن يؤذيهم بلسانه، قال الله - تعالى: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾ [البقرة: ٨٣]، والكلمة الطيبة صدقة، وقد ترفع معنويات إنسان محبط، أو تصلح بين متخاصمين، أو تهدي ضالًّا، أو تواسي مريضًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» [متفق عليه].
  •  ومن أعظم الثمار: حفظ الحسنات، فالغيبة والنميمة لا تزيد صاحبها إلا خسارة؛ إذ يأخذ المظلوم من حسناته يوم القيامة، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» " قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [رواه الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده].
  •   أما أعظم الثمار فهي النجاة يوم القيامة، وقد سأل عقبةُ بن عامر رضي الله عنه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما النجاة؟ فقال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [رواه الطبراني في المعجم الكبير]،  فهذه الوصية النبوية تجعل حفظ اللسان أول طريق النجاة.

كيف نجعل حفظ اللسان منهج حياة؟

لا يكفي أن نعرف فضل حفظ اللسان، بل لا بد من وسائل عملية تعيننا على ذلك وهي:

أولها: أن يستشعر الإنسان مراقبة الله قبل أن يتكلم أو يكتب، وأن يسأل نفسه: هل يرضى الله عن هذه الكلمة؟

وثانيها: أن يجعل شعاره قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه]، فلو طبق المسلم هذه الوصية النبوية لاختفت معظم المشكلات الأسرية والاجتماعية والإعلامية.

وثالثها: الإكثار من ذكر الله؛ فاللسان إذا انشغل بالطاعة قلَّ انشغاله بالمعصية.

ورابعها: اختيار الصحبة الصالحة؛ فالإنسان يتأثر بمن يجالس، فإن كان مجلسه مليئًا بالغيبة اعتادها، وإن كان عامرًا بالذكر تعود الخير.

وخامسها: التثبت قبل النشر والتعليق، فكل ما يُكتب يدخل في قول الله - تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، وينبغي أن يخصص الإنسان لنفسه محاسبة يومية، فيراجع كلماته كما يراجع أعماله، فيستغفر من الزلل، ويحمد الله على ما وفقه إليه من خير، وقد كان السلف يحاسبون أنفسهم على الكلمة كما يحاسب التاجر نفسه على الدرهم والدينار؛ لأنهم يعلمون أن الكلمة إذا خرجت لم تعد.

 إن المجتمع الذي يحفظ أفراده ألسنتهم هو مجتمع تقل فيه الخصومات، وتنتشر فيه الرحمة، وتسوده الثقة، ويشعر الناس فيه بالأمان؛ فلا يخاف أحد من غيبة أو سخرية أو إشاعة أو بهتان، ولهذا لم يكن حفظ اللسان عبادة فردية فحسب، بل هو أساس في بناء الأسرة، واستقرار المجتمع، وحفظ الحقوق، وصيانة الأخوة بين المسلمين.

الخلاصة

ليس الطريق إلى الجنة مفروشًا بالأعمال العظيمة وحدها، بل قد يكون بكلمة طيبة، أو بصمتٍ عن كلمة تؤذي، أو بلسانٍ اعتاد ذكر الله وخير الناس، فمن حفظ لسانه حفظ دينه، ومن راقب كلماته ربح دنياه وآخرته، وفي هذا نجاة القلب، وسلامة المجتمع، وطريق الفوز برضا الله والجنة.

موضوعات ذات صلة

الخير في الإسلام مفهوم شامل ومركزي، ينبع من الإيمان بالله والعمل الصالح.

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.

الإحسان خلق عظيم يشمل العلاقة مع الله والنفس والناس.

وصفًا لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات، والإنسان منذ نشأته يمارس الحكم الأخلاقي على الأشياء

موضوعات مختارة