تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد التبرك بالافتتاح الشرعي، مع التأكيد على صيانة النصح والحكمة عن غير أهلها.
تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد التبرك بالافتتاح الشرعي، مع التأكيد على صيانة النصح والحكمة عن غير أهلها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
من العبد اللاش أُحَيْمَدَ، إلى الشيخ المُحتشم أخينا عبد السميع الهاشمي، كان الله لنا وله وللمسلمين آمين.
أي أخي: أوصيك بتقوى الله، واتباعِ سُنَّةِ رسولِهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأُحِبُّ أَنْ تَحرِصَ على نصيحتي هذه، فهي نافعة لك ولأمثالِكَ إنْ شاءَ اللهُ؛ وَإِيَّاكَ أَنْ تَودِعها غير أهلها فتظلمها.
ابتدأ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ كتابه المبارك بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسول الله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عملًا بقوله عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُبْدَأُ بِبسمُ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» [رواه بهذا اللفظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة، كما في الجامع الصغير من حديث البشير النذير للسيوطي] وامتثالًا لقوله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْد الله، والصَّلاةُ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» [رواه بهذا اللفظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة، كما في الجامع الصغير من حديث البشير النذير للسيوطي].
وقد ذكر الصالحين الكرام بخير، وحقق نفسه الزكية بمقام العبودية، فَعَنونَ نفسه الرضية بالعبد، تمكنًا ووقوفًا عند حد العبدية؛ الذي هو منتهى كل مخلوق طَهَّر الله قلبه من لَوَثِ الأغيار، ثم وصف نفسه بـ"اللاش"؛ أي: الذي لا شيء، ولا على شيء، انقهارًا تحت سطوة الربوبية، وتجرُّدًا من علائق النفس والبشرية، واستنادًا محضًا إلى الله تبارك وتعالى.
ثم أتبع كل ذلك تأكيدًا بتصغير اسمه المبارك، فقال: أُحَيْمَدَ؛ وعَظَّمَ مُخَاطَبَهُ حال كونه من أصحابه وأتباعه، فوصفه بالشيخ المحتشم؛ وصدَّر وصيته له بتقوى الله، واتباع سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اقتداء بالنبي المكرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنَّه قال عليه الصَّلاة والسَّلامُ لرجل قال له أوصني: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ» [الطبراني في الصغير: ٩٤٩]. وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ» [البيهقي في الزهد الكبير: ٢٠٧].
ثم أمره بالحرص على نصيحته حرصًا على حصول النفع لأخيه المسلم عملًا بقول الله: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ} [المائدة: ٢]، وتحققًا بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [مسلم: ٥٥، وابن الجعد: ٢٦٨١، واللفظ له].
وقد أوضحت معنى هذا الحديث الشريف في رسالتي (داعي الرشاد)، حسبما قَرَّرَهُ أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين، فقلت:
- النصح لله تعالى: هو الإقرار والتصديق بوحدانيته، وكماله، وقدرته، وتنزيهه عن كل نقص مع الخضوع له، والرضا منه في كل حال، والائتمار بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
- والنصيحة لكتابه تعالى: حفظه من التحريف والتأويل الباطل، وتعظيم أحكامه الشريفة بالتأويلات الصحيحة، وقراءته وتلاوته بالأدب والتجويد، ورعاية معانيه، وتعليمها لذي القدرة من عباد الله تعالى.
- والنصح لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: التصديق بكافة الأحكام التي جاء بها مع حُسن التخلق بأخلاقه الجميلة الشريفة، والعمل بطريقته وشريعته، والترغيب بالوسائل الممدوحة للتأدب بآدابه عليه الصلاة والسلام.
- والنصح لأئمة المسلمين: يعني؛ من حاز الإمامة الكبرى، والخلافة العظمى، هو أنه إذا غفل الأمير حسب البشرية عن قضية لازمة في ملكه لإصلاح أمر الرعية وتشييد الأركان الدينية، يعرض له الناصح حقيقة الحال بحسن التعبير بلا غرض ولا آمال، وأن يجمع له القلوب النافرة عنه، ويجلبها بالأساليب الممدوحة لمحبته، ويدفع عنه حركة الفساد، ويقطع بحسن نصيحته عنه ألسنة أهل البغي والعناد، ويشتغل بصالحه وقضاء مصالحه على مقتضى إمكانه.
والنصح للمسلمين هو الشفقة عليهم، والتعظيم لكبيرهم، والمرحمة لصغيرهم، والفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم، وهذا هو المقصود من قوله تعالى في كتابه الكريم: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ} [التوبة: ٧١].
وقد حذر خليفته الشيخ عبد السميع قُدِّسَ سِرُّهُ من إيداع الحكمة غير أهلها؛ لأن الحكمة إذا استودعت عند غير أهلها الذين لا يعرفون قدرها، ولا يدركون شرف النتيجة المقصودة منها، يهملونها فتضيع، وتبقى في زوايا الكتمان محجوبة عن أهلها، فتظلم، وما أحسن قول القائل:
ومن منح الجُهَالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ *** ومَنْ منع المُسْتَوجِبِينَ فقد ظلم
وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا} [النساء: ٥٨]، فإنَّه وإن يكن سبب نزول هذه الآية خاصًّا، فإن معناها شامل عام، ونتائجه لا تخفى على ذي طبع سليم.
مراجع الاستزادة
قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي.
صحيح مسلم
مسند علي بن الجعد
المعجم الصغير للطبراني
الزهد الكبير للبيهقي
الجامع الصغير من حديث البشير النذير للسيوطي
تُجلّي هذه الدرر آداب السلوك، فهي تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله بعد التبرك بالافتتاح الشرعي، مع تفصيل لمعنى النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعامة المسلمين وخاصتهم. وتؤكد على صيانة الحكمة، والتحذير من إيداعها عند غير أهلها، لئلا يقع ظلم العلم بإضاعته.
مع حكم الإمام الرفاعي نأخذ العبرة من حقيقة الدنيا، مُبينةً أن حبها علامة على الحجب والابتلاء بثلاث خصال ملازمة،
الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم
في رحاب قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي تتجلّى أسرارُ التوكّل، وصفاءُ العقل