Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

محبة النبي صلى الله عليه وسلم

الكاتب

هيئة التحرير

محبة النبي صلى الله عليه وسلم

تُعد محبة النبي ﷺ الروحَ السارية في جسد الإيمان، والقبلة التي تتجه إليها قلوب السالكين؛ فهي ليست مجرد ذكر باللسان، بل هي حالٌ يغمر الوجدان ويقود الجوارح للاقتداء والرضوان.

حقيقة المحبة والشوق للنبي ﷺ

التعلّق بالنبي ﷺ هو ارتباط القلب والروح به، بحيث يصبح هديه وسنّته مرآةً لحياة المؤمن، يُقدَّم فيها حبّه على النفس والمال والأهل، والمحبّة له ﷺ ليست مجرد عاطفة، بل هي طاعة وانقياد، وتعظيمٌ لجنابه الشريف ﷺ واتباعٌ لما جاء به من نور وهداية.

أما الشوق إليه - صلى الله عليه وسلم - فهو انجذاب القلب لرؤيته، وتمنّي صحبته، والحرص على لقائه في الآخرة، وهو ثمرة المحبة الصادقة، وكلما ازداد المسلم معرفة بسيرته العطرة وشمائله الكريمة ازداد حبّه له، واشتدّ شوقه إليه.

وقد قال القاضي عياض: "المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (ط: دبي) (١/ ٢١٤)]، ولا شيء يوافق الفطرة السليمة كحبّ النبي ﷺ، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يتنافسون في خدمته، ويذرفون الدموع لفراقه، ويشتاقون إليه في كل لحظة، فمن أراد أن يذوق حلاوة الإيمان فليجعل محبّة النبي ﷺ في قلبه فوق كل حب، وليترجمها بعملٍ وسلوكٍ واتباع.

فالمحبة في جوهرها ميلٌ قلبي، لكنها عند السالكين في طريق الحب النبوي ليست مجرد عاطفة، بل هي طريق روحي ومقام عظيم، فهي رحلة قلب بدايتها العلم وعمل اللسان، ووسطها الشوق والاتباع، ونهايتها الفناء والشهود، فهل أنت مستعد لهذه الرحلة؟

الترقي في محبة النبي ﷺ

إن محبة النبي ﷺ درجات، كلما اجتهدت في درجة أوصلتك لما يليها، وهذا بيانها يا سائرًا في محبة رسول الله ﷺ:

١- درجة التعلق: وهذه الدرجة أولى خطوات المحبة؛ حيث يبدأ القلب بالارتباط به ﷺ والاقتداء الكامل بهديه وسنّته، وتقديم محبته على النفس والمال والأهل، إنها بذرة الحب الأولى التي تُسقى بذكر شمائله وقراءة سيرته.

٢- درجة المحبة: وهي ميلُ القلب إليه ميلًا صادقًا يفوق كل حبٍّ دنيوي، بحيث يُقدَّم على النفس، والوالد، والولد، والناس أجمعين، وقد اختلف الناس في تفسيرها وكثرت عباراتهم: فمنهم من قال إنها اتباع الرسول ﷺ، ومنهم من قال: إنها دوام الذكر للمحبوب، وآخرون قالوا: هي إيثار المحبوب، وكما قال القاضي عياض: "المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/ ٢١٤)].

درجات المحبة عند الصوفية

أما عند الصوفية، فالمحبة لها درجات تفصيلية:

١- درجة العلاقة والإرادة: هي نقطة البداية؛ حيث يتعرف السالك على النبي ﷺ فتتعلق روحه به وتتحول إلى إرادة صادقة في اتباعه.

٢- درجة الصبابة والغرام: فعندما يتعمق الحب يتحول إلى صبابة، وهي اشتداد الشوق الذي لا يملكه صاحبه، وتتطور لتصل إلى الغرام، وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه.

٣- درجة الود والشغف: وهنا يصبح الحب نقيًّا وخالصًا، ويصل إلى شغاف القلب؛ لتتغلغل فيه المحبة وتتملك كيان السالك كله.

٤- درجة العشق: وهي فرط المحبة الذي يصل إلى أعلى درجاتها؛ حيث يغيب المحب عن نفسه بذكر المحبوب.

٥- درجة الشوق: هو انجذاب قلب المؤمن إلى رؤية سيدنا محمد ﷺ وحرصه على لقائه مع العمل لنيل صحبته في الآخرة، وهو ثمرة طبيعية للمحبة الصادقة، فكلما قويت المحبة عَظُم الشوق، وله مقامات عليا كالهيام، وهو أشد درجات العطش والشوق.

٦- التتيُّم: وهو درجة يصل فيها المحب إلى أن يصبح منصاعًا لحب المحبوب، فيرى السالك أن محبته للنبي ﷺ أعلى أنواع العبادة، ويصبح كل عمل يقوم به بدافع هذه المحبة.

٧- الهُيام: وهو أشد درجات العطش والشوق في هذه الدرجة، فيصبح المحب في حالة من الذهول والانجذاب الكلي نحو النبي ﷺ فيفنى في محبته.

٨- الخُلَّة: وهي أعلى مراتب المحبة؛ حيث تتخلل روح المحب وقلبه، ويعتقد المحب أن هذه الدرجة هي محبة خالصة لله تعالى، وأن المحبة للنبي ﷺ هي طريق للوصول إليها.

٩- الفناء في المحبوب: وهي أعلى درجة في مراتب المحبة؛ حيث يغيب المحب عن إرادته وصفاته الذاتية، ويفنى وجوده في ذات المحبوب وأخلاقه، بحيث لا يرى إلا المحبوب، فيصبح السالك متخلقًا بأخلاقه قولًا وفعلًا وحالًا، ويصل إلى مقام الشهود؛ حيث يرى النبي ﷺ بقلبه، ويأنس به في يقظته ومنامه.

٤- محبة النبي ﷺ ركن من أركان الإيمان

إن محبة النبي ﷺ واجبة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وجعلها شرطًا في كمال الإيمان، فهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكان رحمة مهداة وهداية للعالمين، وقد توعَّدَ اللهُ - عزَّوجلَّ - من قَدَّم على محبته أحدًا من الأقارب أو الأموال، فقال: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِینَ﴾ [التوبة: ٢٤].

ففي قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِینَ﴾ [التوبة: ٢٤] وعيد على مَن قدَّم محبة شيء على محبة الله - عزَّوجلَّ - ومحبة رسوله  ﷺ والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم، وحتم واجب، ووجه الاقتران بين محبة الله ومحبة رسوله في قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه تعالى إلا من جهة نبيه المبلغ عنه ﷺ ما يحبه وما يكرهه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته صلوات الله وسلامه عليه.

قال القاضي عياض - تعليقًا على هذه الآية الكريمة: "فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ إذ قرَّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل، ولم يهده الله" [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص٤٩٢)].

فمحبته ﷺ ليست مجرد عاطفة، بل هي ركن من أركان الإيمان.

دلائل محبة النبي ﷺ

ولهذه المحبة دلائل وعلامات، ومن أهمها:

‌أ- اتباع سنته ﷺ: قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فمن أحب النبي ﷺ اتبع سنته، وامتثل لأوامره، واجتنب نواهيه، وقد بيَّن حضرة الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم – ذلك، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)]

‌ب- الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ: فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، والصلاة عليه هي صلة حقيقية بين المحب والمحبوب.

‌جـ- إيثار حبه ﷺ: تقديم حبه على حب النفس والمال والأهل.

‌د- كثرة الشوق إلى لقائه ﷺ: شوقٌ يجعل القلوب تذوب، كما حدث مع جذع النخلة الذي حنَّ إليه، وكما كان حال الصحابة الكرام.

‌هـ- التعظيم والتوقير بإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه الشريف ﷺ.

‌و- محبة من أحب النبي ﷺ: حب آل بيته وأصحابه والولاء لهم، وبغض من أبغضهم.

‌ز- حب القرآن الكريم: فالقرآن هو خُلُق النبي ﷺ، ومن أحب النبيَّ أحب كتابه.

‌حـ- الشفقة على أمته ﷺ بالسعي في مصالحهم ورفع الضرر عنهم اقتداءً به صلوات الله وسلامه عليه.

‌ط- الزهد في الدنيا: بإيثار الفقر في سبيل الله - تعالى - والرسول ﷺ؛ فكمال المحبة يقتضي الزهد في كل ما يشغل عن المحبوب.

كمال محبة الصحابة للنبي ﷺ

كانت محبة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نموذجًا عمليًّا لهذه الدرجات، فنجد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يبكي من الفرح عندما أذن له النبي ﷺ بالهجرة بقوله: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ»، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «الصُّحْبَةُ»، فتقول عائشة - رضي الله عنها: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ [السيرة لابن هشام (١/ ٤٨٤)].

وكذلك لما انتهى إلى الغار قال أبو بكر: كما أنت حتى أقمَّه، فرأى جُحرًا فألقمها قدمه، وقال: يا رسول الله، إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي [فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (١/ ١٧٨)].

وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات مرة وكان رسول الله ﷺ آخذًا بيده، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ» [أخرجه البخاري (٦٦٣٢)].

بل وصل حبه للجناب النبوي أنه كان مُحبًّا لما يحبه ﷺ ولو كان مخالفًا لهواه وفطرته، ومن ذلك لما كان فتح مكة حين جاء العباس - رضي الله عنه - بأبي سفيان إلى النبي ﷺ، وكان عمر حريصًا على أخذ الإذن من رسول الله ﷺ بقتله، فقال العباس لعمر: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من بني عدي ما قلتَ هذا، فقال عمر: مهلًا يا عباس، فو الله لَإسلامُك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب - يعني أباه - لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم [انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٠٣)].

وفي حادثة الغدر التي قامت بها عضل والقارة، وعرفت في السيرة النبوية بـ(يوم الرَّجِيع) وكان من آثارها أنْ "بِيع زيد بن الدِّثنَّة وخُبيب بن عدي إلى قريش، فلما قُدِّم زيد ليقتل، قال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا، كحب أصحاب محمد محمدًا". [السيرة النبوية لابن هشام (ج١ /١٧٠)].

وربيعة بن كعب الأسلمي يطلب مرافقته في الجنة، فيقول له النبي ﷺ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود» [أخرجه مسلم (٤٨٩)].

ومواقف الصحابة في محبتهم للنبي ﷺ لا تُعد ولا تُحصى، فقد بلغت من السمو والصفاء ما يفوق الوصف، ومن سار في مدارج هذه المحبة، وتدرج في مراتبها نال بها أعظم المقامات وارتقى إلى منازل الرضا والقرب، حتى صار حب النبي ﷺ عندهم أعز من النفس والولد، وأغلى من المال والجاه، وأحب إليهم من الماء البارد على الظمأ.

آثار محبة النبي ﷺ والشوق إليه

ولهذه المحبة آثار فمن أحب النبي ﷺ واشتاق إليه زاد حبه للدين والخَلق، وانضبط سلوكه، وابتعد عن المعاصي، وارتقى أخلاقيًّا، فمحبته ﷺ نور وهداية في الحياة، والثواب الجزيل في الآخرة لمن حقق المحبة على الوجه الصحيح بأن يكون رفيق المصطفى في الجنة؛ لقوله ﷺ لمن قال له: إني أحب الله ورسوله: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [البخاري (٣٦٨٨)].

فمن بلغ هذه الدرجات صار قلبه لا يتحرك إلا بمحبة النبي ﷺ، كما جَاءَ فِي مُوَطَّأ الإِمَام مَالِك عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّهُ قَالَ جَاءَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم - مِنْ مَسْجِدِكُمْ هذَا؟ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ وَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، فَقَالَ لِي هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلاَثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ فِيهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ، قَالَ فَقُلْتُ دَعَا بِأَنْ لاَ يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلاَ يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ فَأُعْطِيَهُمَا، وَدَعَا بِأَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمُنِعَهَا، قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَلَنْ يَزَالَ الْهَرْجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [موطأ مالك: ٢١٦/١(٣٥)].

قَالَ الحَافِظ ابْنُ عَبْد البَّر الْـمَالِكِي: فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ مِنَ التَّبَرُّكِ بِحَرَكَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اقْتِدَاءً بِهِ وَتَأَسِّيًا بِحَرَكَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَسْجِدِهِمْ لِيُصَلِّيَ فِيهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ وَرَجَاءَ الْخَيْرِ فِيهِ [التَّمْهيد لِلْحَافِظ ابن عَبْد البَر (١٩ /١٩٧)، النَّاشر وَزَارَة الأَوْقَاف وَالشُّؤُون الإسْلاَمِيَّة الـمَمْلَكَة الـمَغْربِيَّة].

وأورد الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل قال: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: رَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ شَعرةً مِن شَعرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَضَعُهَا عَلَى فِيْهِ يُقبِّلُهَا، وَأَحسِبُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنِهِ، وَيَغْمِسُهَا فِي المَاءِ وَيَشرَبُه يَسْتَشفِي بِهِ، ورَأَيْتُهُ أَخذَ قَصْعَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَغَسلهَا فِي حُبِّ المَاءِ، ثُمَّ شَرِبَ فِيْهَا، وَرَأَيْتُهُ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ، وَيَمسحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَه.

ثم عقب بعدها الذهبي قائلًا: أَيْنَ المُتَنَطِّعُ المُنْكِرُ عَلَى أَحْمَدَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ سَأَلَ أَبَاهُ عَمَّنْ يَلمَسُ رُمَّانَةَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَمَسُّ الحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ، فَقَالَ: لاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْساً [سير أعلام النبلاء: ٢١٢/١١].

ورُؤىَ ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ ﷺ من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه، ولهذا كَان مَالِك - رَحِمَه اللَّه - لَا يَرْكَب بِالْمَدِينَة دَابَّة

وَكَان يَقُول أسْتَحْيي مِن اللَّه أن أطَأ تُرْبَة فِيهَا رَسُول اللَّه ﷺ بِحَافِر دَابّة [الشفا بتعريف حقوق المصطفى - بحاشية الشمني: ٥٧/٢].

الخلاصة

إن الترقي في مراتب الحب النبوي هو رحلةٌ تبدأ بالتزام السُّنة وتنتهي بالفناء في أنوار المصطفى ﷺ؛ حيث يغدو المحب مرآةً لجمال أخلاقه وشريف شمائله، فمن ذاق حلاوة التعلق وبذل الروح في الشوق، نال شرف المعية في الدارين، وصار قلبه مستقَرًّا لسكينة القرب ومشاهدة النور، والمحبة الصادقة هي التي تُحيل العبد طائعًا مُحبًّا، يرى في رضاء الحبيب غاية الأماني ومنتهى الآمال؛ فكن محمديَّ الهوى، تكن ربانيَّ العطاء، وتفز بصحبة من هو بالمؤمنين رءوف رحيم ﷺ.

موضوعات ذات صلة

كلما ازداد القلب قربًا من سنّته وهديه، زاد تعلقه به صلى الله عليه وآله وسلم حبًا وشوقًا.

تقديم أدب المحبة والوجد على الامتثال الظاهري يُحول الطاعات من رسوم جامدة إلى روح حية، ترفع العبد لمقام الصالحين.

أسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مختارة