يجمع المفسرون
والمتكلمون على أن اسم (الرحمن) من الأسماء الذاتية المغلظة الخصوصية بالله -عز
وجل-، الجارية مجرى العلم كلفظ الجلالة (الله)، فلا يجوز إطلاقه ولا التسمي به
لأحد من خلقه؛ مصداقًا للمحاذاة والتعادل في التنزيل:
﴿قُلِ
ٱدۡعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُوا۟ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ
ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ [الإسراء:
١١٠]، فهو أخص من الرحيم من حيث
منعه من التسمية لغير الله [الغزالي،
المقصد الأسنى، ص٦٣].
ولما تجاسر مسيلمة
الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة
الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من أهل
البادية والأعراب [ينظر: ابن كثير، تفسير
القرآن العظيم، ١ /٤٠]، وفي
المقابل، نجد أن اسم (الرحيم) قابل للإطلاق المقيد على المخلوق كما وصف الحق نبيّه: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ
رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة:
١٢٨].
- تفكيك التعجرف الجاهلي (الشبهة
والرد)
أثارت الآيات التي
حكت إنكار المشركين للاسم كقوله تعالى: ﴿قَالُوا۟ وَمَا
ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ [الفرقان:
٦٠]، إشكالًا معرفيًا، حرره
المحققون على أنه تعنت ومغالطة شاغبة لا جهل حقيقي؛ فالقوم كانوا يعرفون الاسم
بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ
ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وبما استقر في أشعارهم الجاهلية كقول سلامة
بن جندل:
عَجِلْتُمْ
عَلَيْنَا إِذ عَجَلنا عَلَيْكُمُ * * * وَمَا يَشَأ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ
وإنما كان شغبهم ناشئًا عن محاولة
إيهام عوامهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى إله آخر غير الله،
فجاء الرد القرآني حاسمًا لقطع دابر هذه المغالطة السياسية واللسانية [راجع: الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ١ /٣٠].