وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
المعنى اللغوي والاشتقاقي للاسم:
يدورأصل مادة (ق د س) في كلام أهل اللغة حول معاني: الطهارة، والنزاهة، والبركة؛ فالتقديس هو التطهير والتنزيه، ومنه سُمِّيَت الجنةُ حظيرةَ القُدْس لطهارتها من آفات الدنيا، وسُمِّيَ جبريلُ -عليه السلام -روحَ القُدُس لطهارته وأمانته في تبليغ الوحي، ومنه سُمِّي بيتُ المقدس، البيتُ الذي طُهِّر من الكفار، وعُمِر بالموحدين، كما أُطلق القَدَس على الإناء الذي يُتطهَّر به [راجع: أبو بكر بن العربي، الأمد الأقصى، ص ٣٣٨-٣٣٩، الفخر الرازي، لوامع البينات، ص ١٨٥].
أما من جهة البناء الصرفي، فإن القُدُّوس والسُّبُّوح من صيغ المبالغة على وزن فُعُّول، وهو من الأوزان الدالة على قوة الصفة وتمامها، ويدل اسمُ الله القدوس على المبالغة في التنزه عن كل نقص وعيب؛ فهو سبحانه الطاهر المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله، المستحق لكل تعظيم وتمجيد. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِی لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
ويتحصل من هذا المأخذ اللغوي أن القدوس هو البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانًا [أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ٨/٢٣٣]، والطاهر عن كل عيب [راجع: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن،١٨ /٤٥]، والمبارك المستحق للتمجيد [راجع: الطبري، جامع البيان،٢٢ /٦٢٥].
تنوَّعت عباراتُ العلماء في بيان حقيقة اسم الله - تعالى - القدوس، وتوجيه معناه من جهة الاعتقاد، ويمكن عرض ذلك في جملةٍ من المعاني:
نبَّه الإمام الحافظ ابن العربي على إشكالٍ وقع فيه البعض عند الحديث عن تنزيه الله - تعالى - عن النقائص، وهو أن الأصل عدم الابتداء بذكر النقائص نفيًا مجردًا من غير مناسبة، لكن لما وقع من أهل الباطل من نسبة ما لا يليق بالله - تعالى - كالشريك، والصاحبة، والولد، كان بيان تنزهه سبحانه عن ذلك من تمام التوحيد وواجب الاعتقاد؛ إذ صار الرد على هذه الأوهام من جملة تعظيم الله وتقديسه [راجع: أبو بكر بن العربي، الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى، ص٣٤٢].
إن حقيقة التنزيه ليست نفيًا لصفات الكمال عن الله تعالى، ولا تعطيلًا لها، وإنما هي إثبات الكمال لله - سبحانه - مع نفي مشابهته للمخلوقات؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ﴾ [الشورى: ١١].
فالقدوس هو المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله، وعن مشابهة الحوادث في صفاتهم وأحوالهم، فلا تدركه الحواس، ولا تحيط به الأوهام، ولا يقاس كماله بكمال المخلوقين المحدود؛ فصفات الله - تعالى - كاملة مطلقة، وصفات الخلق حادثة مقيدة [راجع: الغزالي، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ص٦٨، السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، ص٢٩، محمد بكر إسماعيل، أسماء الله الحسنى وأسرارها، ص٢٧].
من كمال قداسة الله - تعالى - أنه سبحانه متصفٌ بالقداسة والتنزيه أزلًا، قبل وجود الخلق، فهو القدوس في الأزل، المستغني بذاته وصفاته عن كل مَن يقدِّسه أو يسبحه، وإنما تسبيح الخلق وتقديسهم له إنما هو اعترافٌ منهم بكماله، لا إضافةَ كمالٍ لم يكن ثابتًا له [راجع: أبو بكر بن العربي، الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى، ص٣٤٠].
إن معرفة اسم الله - تعالى - القدوس ليست مجرد معرفةٍ ذهنية، بل هي معرفةٌ تُثمر تزكيةً وسلوكًا؛ إذ يدعو هذا الاسم العبد إلى التخلُّق بمعاني الطهارة، والتنزُّه عن مواطن النقص، فيطهر قلبه وجوارحه، ويرتقي عن أسر الشهوات والغفلات؛ فالقرب من الله تعالى يليق به قلبٌ طاهر، وسلوكٌ مستقيم. قال الإمام السنوسي: "الحضرة الإلهية المقدسة لا يؤذن فيها لقَذِر الجَنانِ والأركان" [راجع: السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، ص٢٩].
وتتجلى آثارهذا التخلق في مراتب متعددة:
ذكر أهل السلوك أن تطهير الله لعباده يكون على مقاماتٍ تتكامل فيما بينها:
نفوسُ العابدين: بتوفيق الله لهم إلى اجتناب المخالفات، ومجاهدة الهوى؛ فتصفو نفوسهم من آثار المعصية.
قلوبُ الزاهدين: بتسديد الله لهم عن التعلق المفرط بزخارف الدنيا، والانشغال بالمألوفات التي تصرف القلب عن مقصوده الأعلى.
أسرارُ العارفين: بنور التوحيد الذي يطهرها من التعلق بما سوى الله، فيكون قصدهم، وحركتهم، وسكونهم لله - تعالى، متحررين من الغفلة وآثارها [راجع: القشيري، شرح أسماء الله الحسنى، ص٧٨].
يرى الإمام الغزالي أن كمال تزكية العبد يكون بتطهير جانبَي العلم والإرادة:
تنزيه العلم: بأن يسمو العقل عن الاقتصار على المحسوسات والمتخيلات، ويرتقي إلى العلوم الشريفة والمعارف النافعة التي تزيده قربًا من الله - تعالى؛ لأن شرف العلم يكون بشرف معلومه [الغزالي، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ص٦٨].
تنزيه الإرادة: بأن لا تكون غاية العبد مقصورة على الحظوظ الجسدية والشهوات، بل تتوجه همته إلى الله - تعالى - وطلب رضاه؛ فمن كانت همته متعلقة بشهواته كان أسيرًا لها، ومن طهَّر إرادته لله نال منزلة القرب من حظيرة القدس [الغزالي، المقصد الأسنى، ص٦٩، والفخر الرازي، لوامع البينات، ص١٨٦].
إن من مقتضيات الإيمان باسم الله القدوس العناية بتطهير الظاهر والباطن؛ فيطهر العبد لسانه من الغيبة، وعينه من النظر المحرم، وقلبه من الحسد والكبر وسائر أمراض النفوس، وأشار القشيري إلى أهمية تطهير الجوارح، فذكر تطهير اللسان عن الغيبة، والطرف عن الريبة [القشيري، شرح أسماء الله الحسنى، ص٧٧].
وتتلازم طهارة الظاهر مع طهارة الباطن؛ ولذلك كان الاعتناء بالطهارة من أول أبواب الفقه الإسلامي، لما لها من صلة بتهذيب النفس والاستعداد للعبادة، وقد جاء في الهدي النبوي الشريف: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [مسلم: الصحيح،٢٢٣]، من هنا يظهر أن اسم الله القدوس يربي المؤمن على أن تكون الطهارة منهجَ حياة؛ طهارةً في القلب، واستقامةً في السلوك، ونقاءً في التعامل مع الله والخلق.
إن العبد الذي يتدبر معاني اسم الله تعالى القدوس، ويستشعر آثار تنزيهه وجلاله، تثمر في نفسه جملةٌ من الأخلاق السامية والمعاني الإيمانية، ومن أبرزها:
فمن عرف كمال قداسة الله - تعالى، وتنزهه عن مشابهة الخلق، علم أن غيره سبحانه مخلوقٌ ضعيفٌ محتاجٌ، فلا يصرف قلبه إلى تعظيم مخلوقٍ تعظيمَ عبادة، ولا يخضع إلا لمن بيده الأمر كله، قال الإمام القشيري: "والعارفون إن قاموا قاموا بالله، وإن نطقوا نطقوا بالله، وإن سكتوا سكتوا بالله، فكيفما دارت أوقاتهم، وتصرفت أحوالهم، فالغالب على قلوبهم ذكر الله، لاح لأسرارهم منه علمٌ، فطاح عن إحساسهم كلُّ وصمٍ، أذاقنا الله مما أذاقهم شَمَّةً، وإنه وليُّ كل نعمة" [القشيري، شرح أسماء الله الحسنى، ص٧٨]. أي غلب عليهم حضور مراقبة الله حتى انصرفوا عن الرذائل.
ومن ثمرات هذا الاسم أن يدرك المؤمن قصور معرفته عن الإحاطة بجلال الله - تعالى - وكمال صفاته، فيجمع بين التعظيم والشكر، ويعلم أن أعظم ما يقوم به العبد هو الاعتراف بعجزه عن أداء حق الله سبحانه، "فمن قدَّس ربه فقد أحسن الثناء عليه بما هو أهله، وأدى شكر الله عليه بقدر طاقته البشرية، لا بقدر ما يستحقه الله - عز وجل؛ فإن الله - تبارك وتعالى - قال في كتابه العزيز: ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، أي ما عرفوه حق معرفته، ولا عبدوه حق عبادته، ولا شكروه حق شكره، فإذا أراد المسلم أن يشكر الله -عز وجل- فلا سبيل له إلى ذلك إلا بالاعتراف له بالعجز عن شكره؛ فالاعتراف بالعجز عن الشكر عين الشكر، كما قال الراسخون في العلم" [محمد بكر إسماعيل، أسماء الله الحسنى وأسرارها، ص٢٧].
وفي هذا المظهر، لهجت ألسنة أكابر السادة الصوفية والعلماء بالدعاء والتضرع، تبركًا بهذا الاسم، ومن ذلك:
دعاء سيدنا الإمام الدردير في منظومته لأسماء الله الحسنى:
وَقَدِّسْ أيَا قُدُّوسُ نَفْسِي مِنَ الْهَوَى
ودعاء سيدنا الإمام مصطفى البكري في منظومته:
وقدسني ياقدوس عن كل شائنٍ
يتبين أن اسم الله القدوس يدل على كمال التنزيه والطهارة لله - سبحانه - ويؤسس لعقيدة تقوم على تعظيم الله وتنزيهه عن كل نقص، كما يثمر في حياة المؤمن طهارة القلب، واستقامة السلوك، وتعظيم شعائر الله في القول والعمل.
البقاء صفة أزلية تنزه الخالق عن الفناء.
السمع صفة أزلية تدرك المسموعات بلا أدوات.
قدرة أزلية تبرز الممكنات وتستحيل على العجز.
أشرف مقاماتِ المعرفة أن يعرفَ العبد ربَّه سبحانه معرفةً تليق بجلاله وكماله.
صفات كمال وجلال تليق بذاته سبحانه تعالى