جاء اسم الله المهيمن في سياق أسماء الجلال والكمال في سورة الحشر؛
ليبين أن إحاطة الله تعالى بخلقه ليست إحاطة علم مجرد، وإنما هي إحاطة علم وقدرة،
وحفظ وتدبير، وعدل ورحمة، ولذلك تعددت عبارات العلماء في تفسيره، وكلها ترجع إلى
معنى واحد هو كمال الإحاطة والقيام على الخلق.
• الهيمنة
تقتضي كمال العلم
إذ لا يخفى على الله ظاهر
ولا باطن، ولا سر ولا نجوى، فهو سبحانه الشهيد على عباده، والرقيب على أعمالهم،
والقائم على كل نفس بما كسبت، ولهذا فسر سيدنا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
- اسم المهيمن بأنه الشهيد على خلقه بأعمالهم، أي الرقيب عليهم، وهو ما
يشهد له قوله تعالى:
﴿وَٱللَّهُ
عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾
[المجادلة: ٦] [راجع: إسماعيل بن
كثير، تفسير القرآن العظيم، ٨ /١٠٨].
وتندرج تحت هذا المعنى دلالة المشاهدة التي نُقلت عن قتادة،
والحفظ والرعاية التي ذكرها الجوهري، ومعنى التصديق الذي نُقل عن الحسن
البصري، إذ تجتمع هذه المعاني في كون الله سبحانه محيطًا بخلقه علمًا، لا يغيب
عنه شيء، حافظًا لكل ما خلق [راجع: أبو عبد الله
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٨ /٢١٠].
• الهيمنة كمال في القدرة والسلطان
لأن العلم الكامل يستلزم قيام الله تعالى على تدبير الكون كله، فلا
يقع شيء إلا بإذنه، ولا يخرج شيء عن إرادته، فهو القائم على خلقه بأرزاقهم،
وآجالهم، وأحوالهم، والمدبر لجميع شؤونهم بحكمة وعدل، فتجتمع في هذا الاسم معاني
القيام، والرعاية، والتصرف، والسلطان [راجع:
أبو بكر ابن العربي المالكي، الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى والصفات العلى،
ص٢١٤].
• الهيمنة
حفظ ورعاية
وتتضمن الهيمنة معنى الحفظ الدائم، فالله سبحانه هو الحافظ لعباده،
والقيوم على شؤونهم، فلا يضيع عنده عمل، ولا يخفى عليه حال، ولا يترك خلقه هملاً، ولهذا
جاء تفسير المهيمن بأنه الرقيب الحافظ لكل شيء، وأن أصل الكلمة يدل على الأمن
والحفظ والرعاية [راجع: أبو السعود، إرشاد العقل
السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ٨ /٢٣٤]، كما أن
معنى الشهادة لا ينفك عن الحفظ، لأن الشاهد الحق هو الذي أحاط علمًا بما يشهد
عليه، وحفظه من الضياع.
كما أن لفظ المهيمن احتمل في أصله اللغوي وجهين؛ أحدهما أنه من
هيمن يهيمن بمعنى راقب وحفظ، والثاني أن أصله مؤيمن من الأمن، فقلبت الهمزة هاءً،
وفي كلا الوجهين يظهر معنى الرعاية، والأمان، والقيام على الخلق، مما يدل على ثراء
هذا الاسم وشموله [راجع: فخر الدين الرازي، مفاتيح
الغيب ،٢٩ /٥١٣].
وتلتقي هذه المعاني مع ما جاء في شرح الإمام القشيري، إذ جعل الهيمنة
دائرة بين الشهادة، والرقابة، والأمانة، والقيام على الخلق بأعمالهم، وهي معانٍ
يفسر بعضها بعضًا، وتكشف عن كمال إحاطة الله تعالى بخلقه [راجع: القشيري، شرح أسماء الله الحسنى، ص٢٢٣].