Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أسرار اسم الله الرحمن

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

أسرار اسم الله الرحمن

إنَّ الولوج إلى رحاب الأسماء الحسنى ليس ترفًا فكريًا، بل هو ركيزةٌ عقدية تتشابك فيها دلالات اللسان وبراهين الأعيان لتصون الجناب الإلهي من غوائل التعطيل والتشبيه، فكيف يتجلى اسم (الرحمن) كأثر مبرهن تتوحد فيه أسرار التنزيل البيانية مع المعطيات الرقمية لتُخرس دعاوى المادية والصدفة؟

دلالة اسم الله الرحمن

  • الدلالة اللغوية

يدور المعنى اللغوي لاسم الرحمن حول مادة ثلاثية أصيلة؛ إذ يقرر ابن فارس أن مادة رحم بأحرفها: "الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة" [ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ٢ /٤٩٨].

وقد تتابع أئمة اللغة على إثبات أصالة هذا البناء وعربيته، حيث ينقل الواحدي عن الليث: "الرحمن الرحيم اسمان اشتقاقهما من الرحمة، ونظيرهما في اللغة: نديم وندمان" [راجع: الواحدي، التفسير البسيط، ١ /٤٥٨].

  • المعنى الاصطلاحي

يتجاوز العقل الكلامي في مدرسة أهل النظر والأثر المفهوم البشري للرحمة - باعتباره رقة مؤلمة تعتري النفس المحدثة - ليرتقي بها إلى مقام الكمال المطلق؛ فالرحمة في حق الرحمن سبحانه هي: "إرادة الإنعام والإحسان السابغ على الخلائق، إذ إن الحقيقة في حقه تعالى هي غاية الرحمة (وهي الإنعام) لا مبدؤها - الذي هو الرقة المستحيلة على ذاته القدسية" [ينظر: السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، دار الكتب العلمية، ص٢٧].

وقد حرر حجة الإسلام الإمام الغزالي الفرق المعرفي بين الاسمين الشريفين لمنع توهم الترادف اللفظي فقال: "الرحمن أخص من الرحيم، ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل، والرحيم قد يطلق على غيره، فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله تعالى الجاري مجرى العلم، وإن كان هذا مشتقًا من الرحمة قطعًا... ويلزم من هذا الوجه، ومن حيث منعنا الترادف في الأسماء المحصاة، أن يفرق بين معنى الاسمين؛  فَبِالْحَرِيِّ أن يكون المفهوم من الرحمن نوعًا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد، وهي ما يتعلق بالسعادة الأخروية؛ فالرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولًا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيًا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثًا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعًا" [الغزالي، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ص ٦٣ - ٦٤].

وفي ذات السياق، يقرر الأئمة أن تقديم الاسم الأول (الرحمن) على الثاني (الرحيم) جاء لأن الأول لما كان خاصًا بالمولى تبارك وتعالى جرى مجرى العلم، فقدم على ما تمخض للوصفية، وأيضًا فالاسم الثاني كالتتمة للأول بناءً على أن الأول دال على الإنعام بجلائل النعم وأصولها والثاني على الإنعام بدقائقها وتفاريعها، فإرداف الأول بالثاني من باب التكميل والتتميم [السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، ص٢٧].


الأبعاد العقدية والمذهبية لتفرد اسم الرحمن

  • حصرية التسمية بالرحمن

يجمع المفسرون والمتكلمون على أن اسم (الرحمن) من الأسماء الذاتية المغلظة الخصوصية بالله -عز وجل-، الجارية مجرى العلم كلفظ الجلالة (الله)، فلا يجوز إطلاقه ولا التسمي به لأحد من خلقه؛ مصداقًا للمحاذاة والتعادل في التنزيل: ﴿قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُوا۟ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ [الإسراء: ١١٠]، فهو أخص من الرحيم من حيث منعه من التسمية لغير الله [الغزالي، المقصد الأسنى، ص٦٣].

ولما تجاسر مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب [ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١ /٤٠]، وفي المقابل، نجد أن اسم (الرحيم) قابل للإطلاق المقيد على المخلوق كما وصف الحق نبيّه: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].

  • تفكيك التعجرف الجاهلي (الشبهة والرد)

أثارت الآيات التي حكت إنكار المشركين للاسم كقوله تعالى: ﴿قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ [الفرقان: ٦٠]، إشكالًا معرفيًا، حرره المحققون على أنه تعنت ومغالطة شاغبة لا جهل حقيقي؛ فالقوم كانوا يعرفون الاسم بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ [الزخرف: ٢٠]، وبما استقر في أشعارهم الجاهلية كقول سلامة بن جندل:

عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا إِذ عَجَلنا عَلَيْكُمُ * * * وَمَا يَشَأ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ

وإنما كان شغبهم ناشئًا عن محاولة إيهام عوامهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى إله آخر غير الله، فجاء الرد القرآني حاسمًا لقطع دابر هذه المغالطة السياسية واللسانية [راجع: الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ١ /٣٠].

الآثار الإيمانية ومقتضى السلوك الإنساني

يتجلى حظ العبد من الإيمان بهذا الاسم الشريف من خلال مسارات ثلاثة تصوغ بنيته الأخلاقية والسلوكية وهي:

  • الاستغراق في المحبة والتعظيم: إذ جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها، والتمكين في الأرض وتيسير منافعها هو أثر خالص للرحمة الظاهرة، مما يوجب لزوم الشكر للرب ورؤية المنة له سبحانه وحده وفي الوصل بين الاسمين الكريمين إشارة لطيفة إلى ألا يأخذ العاقل من النعم الدنيوية - التي هي متعلق اسم الرحمن - إلا ما يوصله إلى النعم الأخروية - التي هي متعلق اسم الرحيم - كالأعمال الصالحة، ويزهد فيما سوى ذلك خوفًا من الانقطاع [راجع: السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، ص٢٨].
  • التخلق برحموت الخلق: ويتحقق ذلك بأن يرحم العبد عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإزراء، وأن تكون كل معصية تجري في العالم كمصيبة له في نفسه فلا يألو جهدًا في إزالتها بقدر وسعه رحمة بالعاصي من سخط الله [راجع: الغزالي، المقصد الأسنى، ص٦٤]؛ امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمْ الناسَ، لا يَرْحَمْهُ اللهُ عزَّ وجلَّ» [مسلم: الصحيح،٢٣١٩].
  • صيانة النفس من قنوط اليأس: فمستقر اليقين بسعة الفياض الأقدس يورث حسنًا في الظن بالرب لا تزلزله طوارق الفتن، فيتحقق العبد بالاتسام بالرحمة بجميع العباد ورفض كل ما سواه اكتفاءً برحمته الواسعة التي إليها الاستناد يوم يقوم الأشهاد [السنوسي، شرح أسماء الله الحسنى، ص ٢٧ - ٢٨].

الخلاصة

إنَّ اسم الرحمن جل جلاله هو مجمع أسرار الذات الإلهية وجلالها، والفيض الأقدس الشاهد بسعة رحمته وعموم وعطائه؛ مما يوجب على العبد استغراقًا في مقام العبودية والمحبة، وترقيًا في مدارج التخلق والرحمة بالخلق، صيانًةً للفطرة، وتحقيقًا لمراد الحق سبحانه.

موضوعات ذات صلة

الأسماء الحسنى هي أسماء الله تعالى التي ارتضاها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ

يُقصد باسم الله الأعظم، الاسم الذي إذا دُعي به الله أجاب

اسمُ اللهِ القدوسُ أصلٌ عظيمٌ في معرفةِ اللهِ تعالى، تتجلَّى به معاني الكمال الإلهي

يمثّل اسم الله الحق أحد أكثر الأسماء الحسنى دلالةً على الثبات الإلهيّ

اسم الله "السلام" هو مصدر الطمأنينة والسكينة في الوجود

موضوعات مختارة