Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عاشوراء فرصة للتسامح والإصلاح.. كيف نحيي معاني الأخوة والمحبة

الكاتب

هيئة التحرير

عاشوراء فرصة للتسامح والإصلاح.. كيف نحيي معاني الأخوة والمحبة

يُمثّل يوم عاشوراء محطةً روحيةً واجتماعيةً، تتجاوز حدود الذاكرة التاريخية لتؤسس بنيانًا مرصوصًا من الأخوة، فهو فرصة لإعادة ضبط بوصلة العلاقات، بدءًا من تطهير القلوب من الشحناء، وصولًا إلى قمة التماهي المتمثل في الإيثار، ليتعافى جسد الأمة وتنبض خلاياه بالحياة.

التخلية قبل التحلية: تطهير الأساسات

يبدأ المنهج الإسلامي في بناء صرح الأخوة بتطهير النفوس وإزالة عوائق القطيعة؛ إذ لا يمكن تأسيس المحبة على أرضية هشة من الشحناء، وقد ربط القرآن الكريم بين صحة الإيمان وانسجام المجتمع بوضوح قاطع في قوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُوا۟ ذَاتَ بَیۡنِكُمۡۖ﴾ [الأنفال: ١]، ولأن النفس البشرية قد تضعف، تدخل المنهج النبوي ليضع حدًّا زمنيًّا حاسمًا لهذا الضعف، فقال - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» [متفق عليه]، فأكد - ﷺ - على حرمة الشحناء والهجر بقوله - ﷺ -: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ»، ثم توَّج من يكسر حاجز الكبر بوسام الشرف قائلًا: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»، ولتحقيق هذه المبادرة التي تتطلب التغاضي عن الزلات، يضع بعض السلف الصالح القاعدة النفسية لذلك بقوله: "الْمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مَعَاذِيرَ إِخْوَانِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ" [آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي ١ /‏٤٤]، فصحة القلب تُقاس دائمًا بمحاولة إيجاد العذر لا باصطياد الخطأ.

من التنظير إلى العضوية: تجسيد الجسد الواحد

بعد إصلاح الخلل، ننتقل إلى مرحلة البناء الإيجابي؛ حيث لا يعد التراحم تفضُّلًا بل التزامًا وجوديًّا. فالقرآن يقرر حقيقة أصيلة غير قابلة للنقض بقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهي أخوة تتطلب حراكًا دائمًا في جسد الأمة، وقد صوَّر النبي - ﷺ - هذا التلاحم تشريحيًّا دقيقًا حين قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [صحيح مسلم (٢٥٨٦)]، هذا التصوير النبوي المعجز لا يقف عند حدود التنظير الاجتماعي، بل يؤسس لمنظومة عضوية متكاملة، يكون فيها الألم الفردي ألمًا جماعيًّا بالضرورة، ولكن لكي لا تثقل النفوس بحمل هذا الواجب التضامني الكبير، ولكي يتحول تفاعل الفرد مع آلام الأمة من مجرد "تكليف شاق" إلى "تشريف رباني"، كان لا بد من محفز روحي يوقظ الهمم؛ وهنا يتجلى الإعجاز الدعوي والتربوي في قوله - ﷺ -: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ» [شعب الإيمان للبيهقي: (٧٦٥٩)]، بهذا الربط البديع، ينتقل الإسلام بالفرد من الشعور بعبء المسؤولية المجتمعية إلى تذوق حلاوة الاصطفاء الإلهي.

فالسعي في قضاء الحوائج ليس مجرد استجابة لنداء استغاثة من عضو مريض في جسد الأمة، بل هو ارتقاء روحي وتلبية لنداء اصطفاء إلهي؛ لتصبح الدعوة هنا معتمدة على تحفيز الوازع الداخلي، حيث يندفع المؤمن ليكون علاجًا لجسد الأمة، لا درءًا للألم فحسب، بل يقينًا بأنه قد اختير ليقف في محراب الخدمة، وشعورًا بلذة العطاء."

جبر الخواطر: الحد الأدنى والأعلى للتواصل

وفي حالات العجز المادي، لا يُعذر المسلم من البذل المعنوي؛ فالكلمة في الميزان الشرعي لها ثقل عظيم، وتنطلق هذه الرؤية من قاعدة قرآنية شاملة تخاطب البشر كافة: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا﴾ [البقرة: ٨٣] وهنا يوسع النبي - ﷺ - مفهوم الصدقة الاقتصادي ليشمل الجانب النفسي العظيم قائلًا: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، بل وينزل بها إلى أيسر تعبير حركي يبهج الروح: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» [سنن الترمذي: (١٩٥٦)]، ولضبط هذه المعاملات، يضع الإمام يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الرَّازيَّ رحمه الله ميثاقًا ذكيًّا لمن يعجز عن العطاء التام، مقسِّمًا إياه لثلاث مراتب تنازلية تحفظ للمجتمع سلامته، فيقول: "لِيَكُنْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْكَ ثَلَاثًا: إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْرِحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ".

الإيثار: قمة الهرم السلوكي في عاشوراء

ويُعد يوم عاشوراء محطةً للتضحية؛ حيث لا تُفهم التضحية حقًّا دون تحقيق (التجرد الذاتي) والتحرر من حظوظ النفس من أجل الآخرين، وقد ارتقى القرآن الكريم بهذا التماهي المجتمعي إلى أعلى مراتبه السيكولوجية والروحية، فمدح الله تعالى قمة هذا العطاء بقوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩]، فالعطاء من قلب الاحتياج هو أصدق أنواع العطاء؛ لأنه يكسر المنطق المادي المألوف.

ولترسيخ هذه القيمة في البناء النفسي للمجتمع، جعل النبي - ﷺ - هذا المستوى الرفيع شرطًا لكمال الإيمان، فقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [متفق عليه].

ولضبط هذه القاعدة منهجيًّا وعلميًّا بما يتوافق مع الطبيعة البشرية، وحتى لا تبدو كقيد تعجيزي، قال الإمام النووي رحمه الله: "قَالَ الْعُلَمَاءُ رحمهم الله مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ» [شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦)]، لتصبح هذه المنزلة معراجًا روحيًّا يتدرج فيه المؤمن لترويض أنانيته."

الدعاء بظهر الغيب: الحصن المنيع من النفاق

وفي الختام، قد يدخل الرياء في العمل المجتمعي الظاهر، لكن الدعاء في السر يبقى المحك الحقيقي لصدق الأخوة، ويعلمنا القرآن أن ندعو لمن سبقونا ولمن معنا كشرط أساسي لتطهير القلوب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟﴾ [الحشر: ١٠]، فالغل يمنع قبول العمل، وللحض والتأكيد على هذا النقاء الباطني، يضمن النبي - ﷺ - استجابة هذا الدعاء، بل ويجعل الملائكة تؤمِّن عليه، فيقول مبشِّرًا: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ...» [صحيح مسلم (٢٧٣٣)]، وقد كشف الإمام النووي رحمه الله عن حال السلف الصالح في استثمار هذه السنة المباركة، قائلًا: "وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَرَادَ أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه الْمُسْلِمِ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَجَابُ وَيَحْصُلُ لَهُ مِثْلُهَا" [شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٩)]، فهم بذلك يحققون صدق الأخوة ويضمنون إجابة الدعاء لأنفسهم في ذات الوقت.

الخلاصة

إن إحياء معاني الأخوة ليس شعارًا يُردد، بل مسار عملي متكامل؛ يبدأ بسلامة الصدر والتسامح، ويمر بالتكافل العضوي وجبر الخواطر، ليرتقي إلى المنزلة السيكولوجية والإيمانية الأسمى وهي الإيثار، ويظل الدعاء الخالص بظهر الغيب سياجًا منيعًا يحفظ هذا البناء المجتمعي من الآفات، ويُبقي روابط المحبة موصولةً برب السماء.

موضوعات ذات صلة

يوم من أيام الله، اختاره الله ليكون شاهدًا على طريق الأنبياء، وعلى أن الصبر لا يخيب، وأن الابتلاء لا يُقصي، بل يُقرّب.

فرصة متجددة لتحقيق قيم التعايش، والتسامح، والوحدة الإنسانية، بين المذاهب الإسلامية عامة، والأديان السماوية قاطبة

اليوم الذي انجلى فيه الحق، واندحر فيه الباطل، حين نصر الله نبيَّه موسى – عليه  السلام – وأغرق فرعون في جبروته

يوم نجاةٍ، ويوم إدراك، ويوم انتصارٍ للحق، ويوم إصلاحٍ في النفس والمجتمع.

المبادئ السامية تستحق بذل الغالي والنفيس من أجلها، حتى لو كان الثمن هو النفس.