يوم
عاشوراء له قصتان، وكل قصة منهما تزخر بالعبر والدروس، لأن كل قصة منهما لنبي من
أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل قصة ذات علاقة ببني إسرائيل.
القصة القديمة كانت منذ قرون حين تكبر فرعون وطغى،
ونكل ببني إسرائيل، فجمع سيدنا موسى عليه السلام قومه للخروج، فتبعهم فرعون، فجاء
الوحي في ذلك اليوم العظيم بأن يضرب موسى عليه السلام: البحر بعصاه قال الله
تعالى: ﴿فَأَوۡحَیۡنَاۤ
إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الشعراء : ٦٣] فلما رأى فرعون هذه الآية العظيمة
لم يتعظ ولج وتمادى في طغيانه ومضى بجنوده يريد اللحاق بسيدنا موسى عليه السلام وقومه
، فأغرقه الله عز وجل، ونجى سيدنا موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل، قال
تعالى: ﴿وَإِذۡ نَجَّیۡنَٰكُم
مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَسُومُونَكُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ یُذَبِّحُونَ
أَبۡنَاۤءَكُمۡ وَیَسۡتَحۡیُونَ نِسَاۤءَكُمۡۚ وَفِی ذَٰلِكُم بَلَاۤءࣱ مِّن
رَّبِّكُمۡ عَظِیمࣱ * وَإِذۡ
فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَیۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَاۤ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ
وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: ٤٩-٥٠].
القصة
الأخرى متعلقة أيضًا ببني إسرائيل، لكن تعلقها بالمسلمين كان أهم وأولى، فكان
اليهود يحتفلون بهذا اليوم، فعلم بهذا سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم لما رآهم يصومون
ذلك اليوم حين قدم المدينة، وفي هذا جاء الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي
الله عنهما، قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ
تَصُومُ يَوْمَ عاشُوراءَ، فقالَ: «مَا هَذا؟» قالُوا: هَذا يَوْمٌ صالِحٌ،
هَذا يَوْمُ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصامَهُ مُوسَى،
قالَ: «فَأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصامَهُ وَأَمَرَ بِصِيامِهِ
[البخاري: ٢٠٠٤] زاد مسلم في روايته: «شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ»، وللبخاري في
رواية أبي بشر «وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ» قَال: قَالَ: «فَأَنَا
أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ في رواية مسلم: هَذَا
يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ
وَقَوْمَهُ.
القصتان
مهمتان لنا في هذه الأيام، وحاجتنا إلى ما فيهما من دروس وعبر كبيرة، فهي تمس حياة
المسلمين اليومية، وذلك من جوانب عدة، وأولها
أصل هذا اليوم في الإسلام وحكمه:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ:
كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى
الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ:
«مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [مسلم: ١١٣].
جماهير
العلماء على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وممن قال ذلك مالك، وأحمد ،
وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ.
قال
النووي: " قَالَ
الْقَاضِي وقد قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَرَكَ صِيَامَهُ حَتَّى عَلِمَ مَا
عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ فَصَامَهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَمَا ذَكَرْنَاهُ
أَوْلَى بِلَفْظِ الحديث، قلت -أي الإمام النووي-: المختار قوله الْمَازِرِيِّ؛
وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُ
كَمَا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ
الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ فَصَامَهُ أَيْضًا بِوَحْيٍ أَوْ تَوَاتُرٍ أَوِ اجْتِهَادٍ،
لَا بِمُجَرَّدِ أَخْبَارِ آحَادِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [شرح النووي على
صحيح مسلم: ٨/١١]، وقال ابن رجب: ويتحصل من الأخبار أنه كان للنبي صلى اللّه عليه
وسلم أربع حالات:
الحالة
الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي «الصحيحين» عن عائشة رضي
الله عنها، قالت: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ
صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ
صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَا يَصُومُهُ [البخاري: ٣٨٣١]، وفي رواية: «مَنْ شَاءَ
فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» [البخاري: ١٨٩٣].
الحالة
الثانية: أنّ النبيّ ﷺ لمّا قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له،
وكان يحبّ موافقتهم فيما لم يُؤمر به، صامه، وأمر النّاس بصيامه، وأكّد الأمر بصيامه،
والحثّ عليه، حتّى كانوا يصوّمونه أطفالهم.
فعن
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ
الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا
هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى
اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ
مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَنَحْنُ
أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ
بِصِيَامِهِ. [البخاري :٢٠٠٤، ومسلم:١١٣٠]
وفي
مسند الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ،
فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي
نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرَّقَ فِيهِ
فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ،
فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»،
فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ [مسند الإمام أحمد: ٨٧١٧]
وعن
سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن النبيّ ﷺ أمر رجلا من أسلم: «أن أذّن في
النّاس: من أكل فليصم بقيّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإنّ اليوم يوم عاشوراء»
[البخاري: ٢٠٠٧، ومسلم: ١٧٦١].
وفيهما
أيضا عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ، الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» فَكُنَّا، بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ، وفي رواية: فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ، وفي الباب أحاديث كثيرة جدّا.
وقد
اختلف العلماء رضي الله عنهم، هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم
كان سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة أنّه كان واجبا حينئذ، وهو
ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم، وقال الشافعيّ رحمه الله: بل كان متأكّد
الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
كان
يصومه بمكة ولا يأمر بصومه، فلما قدم المدينة وجد أهل الكتاب يصومونه ويعظمونه
وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه فصامه وأمر به وأكد، فلما فرض رمضان ترك التأكيد،
ثم عزم في آخر عمره أن يضم إليه يومًا آخر مخالفة لأهل الكتاب، ولم يكن فرضًا قط
على الأرجح [وينظر لطائف المعارف: ص٤٨-٥٥].
وقال
الإمام النووي: " واختلفوا
في حكمه في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان فقال أبو حنيفة كان واجبا
واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين
شرع ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان
صار مستحبا دون ذلك الاستحباب والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وتظهر فائدة
الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل فأبو حنيفة لا يشترطها ويقول كان
الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار ولم يؤمروا بقضائه
بعد صومه وأصحاب الشافعي يقولون كان مستحبا فصح بنية من النهار ويتمسك أبو حنيفة
بقوله أمر بصيامه والأمر للوجوب وبقوله فلما فرض رمضان قال من شاء صامه ومن شاء
تركه " [شرح النووي على صحيح مسلم: ٨/٤].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "وَنقل بن عَبْدِ
الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِفَرْض وَالْإِجْمَاع على
أَنه مُسْتَحبّ" [فتح الباري: ٤/٢٤٦].