Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تعليم الأبناء فضل عاشوراء أفضل الوسائل لغرس القيم الإيمانية

الكاتب

هيئة التحرير

تعليم الأبناء فضل عاشوراء أفضل الوسائل لغرس القيم الإيمانية

الطفل المسلم تتشكل هُويته من خلال التفاصيل الرُّوحية والدفء التربوي الذي يَعيشه داخلَ أسرته، وتُعد المواسم الإسلامية محطاتٍ ربانية تمنح الآباء والأمهات فرصة ذهبية؛ لزرع القيم الكُبرى في الأبناءِ تلك النفوسِ الغَضَّة.

عاشوراء نموذجٌ مثاليٌّ للمدرسة المتكاملة

ويوم عاشوراءَ هو بحقٍ نموذجٌ مثاليٌّ للمدرسة المتكاملة؛ وهذا لأنه يحمل في طياته مشاهدَ بصريةً وقَصصيَّة هائلة، وعِبرًا نفسية وسلوكية، كما أنه يشتمل على منهجية حياة راسخة تُبنى عليها شخصية الطفل والناشئ، وذلك حين يتحول الأمر إلى عبادة، وليست مجرد طقس سنوي يتكرر.

ماذا نغرس في وعي الطفل؟

إن البداية الصحيحة لكل مربٍّ تكمن في تحديد الركائز العقدية التي يود إرساءها في عقل ابنه وقلبه عبر هذه المناسبة، وهي الركائز التي تتجاوز حدود السرد التاريخي؛ لتلامس البناء النفسي للطفل.

أولى هذه الركائز هي صناعة بناء اليقين.

فالطفل المعاصر في هذا الزمان ينشأ في عالم مادي بحت، يعتمد بشكل كامل على الأسباب المحسوسة والعقلية، وقصةُ موسى عليه السلام على شاطئ البحر تعيد صياغة وعيه؛ ليدرك أن الأسباب إن انقطعت في عين البشر، فإن مسبب الأسباب لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

عندما يستمع الطفل لرد كليم الله موسى – عليه السلام- على قومه الواجفين: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: ٦٢] ينغرس في داخله شعور عميق بالأمان والتوكل، كما أنه يتعلم أن القوة الحقيقية ليست في كثرة العدد ولا العُدة (التي مثَّلها فرعون)، بل في معية الله وتأييده (التي تحصَّن بها موسى).

ثم يأتي درس، كيف استقبل الأنبياء نعم الله تعالى، فمن خلال سِيرهم يتضح جليًا مدى قيامهم على الشكر العملي بالعبادة؛ والغرض من هذا أن يتغير مفهوم الامتنان لدى الطفل؛ فالأنبياء عليهم السلام لم يقابلوا نعم الله العظمى — كالنصر والنجاة — بالاحتفالات اللاهية، أو المظاهر المادية الصِّرفة، بل قابلوها بالتذلل والصيام.

 هذا يربي في الطفل حاسة التقدير لكل نعمة يمر بها في هذه الحياة، وكما أنه يربط شكر النعم بطاعة المنعم سبحانه.

إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها               فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم

وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ            فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم 

الاعتزاز بالهُوية والولاء الفكري لأمَّة الأنبياء

ولا يكتمل هذا البناء إلا بترسيخ الاعتزاز بالهُوية والولاء الفكري لأمة الأنبياء.

فالمربِّي حين يكرر على مسامع أبنائه مقولة النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى) [مسند أحمد (٨٧١٧)] هو في الحقيقة يُغير من داخلهم الانتماءات الضيقة؛ ليربطهم بأمة ممتدة عبر الزمان والمكان.

كما أن الطفل يشعر من خلالها أنه الوريث الحقيقي لكل نبي ورسول أرسله الله تعالى الى أمة من الأمم، مما يمنحه مناعة ذاتية ضد الذوبان في الثقافات الدخيلة.

كيف نحول عاشوراء إلى تجربة حية؟

الوصول إلى عقل الطفل وقلبه يتطلب الانتقال من دور "التلقين الجاف" إلى دور "المعايشة التفاعلية"، وهو ما يتحقَّق من خلال خطوات عملية تراعي طبيعة الطفولة، وتتدرج مع نموها الفكري.

التمهيد المعرفي والسيناريو الذهني

تبدأ الخطة التربوية قبل يوم عاشوراء بأيام، عبر عقد جلسة عائلية دافئة بعيدة عن أجواء الأوامر.

يُفتح الحوار فيها بأسلوب التشويق، وسرد القصة بأسلوب حركي ومؤثر: "كيف سار المستضعفون في عتمة الليل؟ وكيف تلاطمت أمواج البحر أمامهم؟".

وهنا يُستخدَم أسلوب السؤال التفاعلي: "لو كنتَ واقفًا هناك ورأيتَ الجيش يقترب والبحر يَمتد، بماذا كنتَ ستشعر؟ وكيف غيّر يقينُ موسى المشهد بالكامل؟".

هذا النمط من الحوار ينقُل الطفل من صفوف المستمعين السلبيين ليكون مشاركًا وجدانيًا في الحدَث، فتنطبع العبرة في ذاكرته طويلاً.

التميز وبناء الشخصية المستقلة

عند الانتقال لتوضيح سنة صيام يومي تاسوعاء وعاشوراء، يبرُز درس تربوي فريد في بناء الشخصية، وهو فقه "المخالفة والتميز" الذي وجهنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بصيام يومٍ قبل عاشوراء لمخالفة أهل الكتاب.

نوضح للأبناء بأسلوب مبسط أن المسلم لا يكون إمَّعة يقلد غيره تقليدًا أعمى في طقوسهم وعاداتهم، بل هو صاحب هوية مستقلة متميزة يفخر بها.

هذا المفهوم الصغير هو البذرة التي ستحمي الابن مستقبلاً في مرحلة المراهقة والشباب من الانصياع الأعمى لضغوط الأقران، أو التقليعات الفكرية والسلوكية المعاصرة.

دَور العبادة داخل البيت

يتحول الصيام إلى تجربة محببة عبر صناعة "الحدث العائلي"؛ فيمكن تشجيع الأطفال دون سن البلوغ على صيام بِضع ساعات، أو نصف اليوم، ويتم تدريبهم تدرجيًا، كما أن من المهم إشراكَهم في التخطيط لوجبة الإفطار وإعدادِها، وتكليفهم بمهامٍّ مثل إيقاظ العائلة للسحور، أو تجهيز التمر.

إن ربط يوم الصيام بأجواء الدفء الأسري، والمائدة المجتمعة، والدعاء الجماعي في لحظات الإفطار الثمينة، له أثر كبير في وجدان الطفل، إذ يحفر في وجدانه ذكريات إيجابية تجعله ينتظر هذا الموسم بشَوق في كل عام.

التدرج العُمْري في الطرح والتعامل

يتطلب النجاح في هذه المنهجية وعيًا من المربين - سواء الآباء، والأمهات، والمدرسين - باختلاف وعي الأبناء، وقدراتهم الاستيعابية حسب مراحل نموهم:

ففي مرحلة الطفولة المبكرة يكون التركيز بالكامل على الجانب البَصري، والقدرة الإلهية المطلقة.

حين تُسرد قصة انشقاق البحر تسرد في نطاق أنها معجزة باهرة، تظهر رحمة الله وحمايته للمؤمنين، ولوصول الرسالة والمضمون تُدعم بالرسوم التوضيحية، أو الأنشطة البسيطة، مع هذا كله يتم تشجيعهم على تجربة الصيام لساعات قليلة جدًا؛ لربطهم بالحدث وجدانيًا.

أما في مرحلة الطفولة المتوسطة، فهنا ينتقل التركيز إلى القيم السلوكية، والشكر العملي، وفهم سر التميز الإسلامي بصيام تاسوعاء وعاشوراء.

والأبناء يشاركون في الصيام الفعلي، ويُفتح معهم حوارٌ أعمقُ حول كيفية مواجهة الصعاب بالثقة بالله، وكيف يكافئ الله عز وجل من يلتجئ إليه بيقين.

وعند الوصول إلى مرحلة المراهقة والشباب يرتفع مستوى الطرح؛ ليكون تحليليًّا وفكريًّا.

فحين يتم مدارسة الآيات القرآنية التي وثَّقت القصة بدقة، وحين يُفتح المجال لطرح الأفكار حول السُنن الإلهية في سقوط الطغيان الفكري والمادي، وكيف يمكن للشاب أن ينجو بفطرته وإيمانه وسط أمواج الشبهات المعاصرة، مستلهِمًا من عاشوراءَ أن الحق دائمًا منصور، وإن بدت الظروف المحيطة مستحيلة.

الخلاصة

إن الثمرة الحقيقية لتربية الأبناء على قيم عاشوراء بهذه المنهجية لا تقتصر على صيام يوم وانقضائه، بل لغرس آثارها العميقة، وذلك عندما يخرج هؤلاء الأبناء؛ لمواجهة معترك الحياة بمفردهم.

 فعندما يواجه الابن في مستقبله أزمة دراسية، أو ضائقة مادية، أو اضطرابًا مجتمعيًّا، ستتردد في أعماق نفسه تلك الكلمة الخالدة التي شربها في ظلال هذه المناسبة: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: ٦٢].

 وحينها سيعتقد اعتقادًا يقينًا أن أبواب الفرج تُفتح بواسطة الاستمساك بعهد الله وطاعته، وأن مع العسر يسرًا؛ ليَظل عاشوراءُ دائمًا فجرَ النجاة المتجدِّد في وعي الأجيال.

موضوعات ذات صلة

يشغل أنبياء الله ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ المحل الأسمى، والأرفع في قلوب المسلمين جميعًا

في زحام الدنيا، وتقلّب الأيام، تأتي بعض المناسبات ليست كغيرها، كأنها رسائل من السماء تهمس للقلوب

إن يوم عاشوراء، العاشر من محرم ليوم من أيام الله تعالى الخالدة ما بقي الدهر، فهو ليس مجرد تاريخ في التقويم الهجري

إذا تأملنا في حركة الزمن، لوجدنا أن الأيام ليست على وتيرة واحدة