وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
طريق الحج بين مكة المكرمة والمدينة المنورة هو أكثر من مجرد درب يربط بين مدينتين عظيمتين؛ إنه شريان نابض بالحياة والإيمان، سلكته أقدام الملايين من الحجاج عبر أربعة عشر قرنًا، حاملين معهم أحلامهم ودموعهم وتضرعاتهم إلى الله في أقدس بقاع الأرض [المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء العلوم، ١٩٨٧، ص ١٢٤].
يمتد هذا الطريق لمسافة تزيد على ٤٠٠ كيلومتر، وتخللته منشآت معمارية فريدة من قصور وآبار وبرك ومساجد وأعلام، جعلت منه نموذجًا متقدمًا في التخطيط الحضري والخدمات اللوجستية، لم تعرف البشرية له نظيرًا في تلك العصور [السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٦، ج٤، ص ٢٠٥].
لم يكن طريق الحج مجرد ممر بري عابر، بل كان منظومة متكاملة من المرافق والخدمات التي وفرتها الدولة الإسلامية لضيوف الرحمن، انطلاقًا من إدراكها لعظمة هذه الشعيرة ومكانتها في قلوب المسلمين؛ ومن هنا، برزت العناية من الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء بهذا الطريق، فشُيدت على جانبيه القلاع لحماية القوافل، وحُفرت الآبار العميقة لتروي العطاش، وبُنيت البرك الضخمة لتجميع مياه الأمطار، وأقيمت القصور الفخمة لراحة الخلفاء والأمراء في رحلتهم إلى الديار المقدسة [ابن جبير، رحلة ابن جبير، دار صادر، ١٩٨٠، ص ١٥٦].
يُعد درب زبيدة أيقونة طرق الحج القديمة وأشهرها على الإطلاق، وقد ارتبط اسمه إلى الأبد بسيدة كريمة من بيت الخلافة العباسي، هي السيدة زبيدة بنت جعفر، زوج الخليفة هارون الرشيد وأم الأمين [تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، ١٩٦٧، ٨/ ٢٤٥]؛ لم تكن زبيدة مجرد زوج خليفة تتنعم في الحرير والمجوهرات، بل كانت امرأة ذات همة عالية وإيمان عميق، رأت معاناة الحجاج في طريقهم إلى الديار المقدسة، فآلمها منظر العطش والتعب، فأمرت بتطوير الدرب وإنشاء البرك والآبار والاستراحات على طوله، وبذلت من مالها الخاص ما يذهل العقول [اليعقوبي، البلدان، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٢، ص ١٨٧].
يبدأ درب زبيدة من الكوفة في العراق، ويتجه جنوبًا نحو الجزيرة العربية، مارًا بمنطقة نجد، وصولًا إلى المدينة المنورة ثم مكة المكرمة [الحموي، معجم البلدان، دار صادر، ١٩٩٥، ٢/ ١٤٥]، تميز هذا الدرب بمنشآته المائية المتقنة التي لا تزال آثارها مبهرة حتى اليوم، ومن أبرزها بركة الجحفة وبركة سويقة، وهما بركتان ضخمتان كانتا تجمعان مياه الأمطار لتوزيعها على الحجاج في موسم الحج، بتقنية هندسية متقدمة تضمن عدم تبخر الماء أو تسربه [البكري، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عالم الكتب، ١٩٩٨، ٣/ ٨١٢]، كما ضم الدرب قصورًا وحصونًا لحماية القوافل من الغارات وقطاع الطرق، لا تزال آثار بعضها قائمة شامخة حتى اليوم، تحكي قصة عظمة وإبداع.
توزعت على طريق الحج بين مكة والمدينة العديد من المحطات والقرى التي كانت تستخدم للراحة والتزود بالمؤن، ويمكن اعتبارها فنادق الصحراء في ذلك الزمان، حيث وجد الحاج فيها ما يحتاجه من ماء وطعام ومأوى وأمان [ابن خرداذبه، المسالك والممالك، دار صادر، ١٩٩١، ص ١٣٢]؛ من أبرز هذه المحطات:
لم تغفل الدولة الأموية أهمية طريق الحج، فأقامت على طوله سلسلة من القصور والقلاع ذات الأغراض المتعددة: الحماية العسكرية، والاستراحة الملكية، والإدارة الحكومية [دراسات في تاريخ الجزيرة العربية، جامعة الرياض، ١٩٧٥، ص ١٢٢]؛ من أبرز هذه المنشآت:
لقد كانت المياه هي التحدي الأكبر للحجاج في رحلتهم بين مكة والمدينة، فالصحراء القاحلة لا ترحم، والعطش كان يفتك بالكثيرين قبل أن تتنبه الدولة الإسلامية لأهمية تأمين الماء على طول الطريق [ابن حوقل، صورة الأرض، دار صادر، ١٩٩٢، ص ٩٨]؛ لذا، اهتم الخلفاء والسلاطين بحفر الآبار وإنشاء البرك والسدود على طول الطريق، مستخدمين تقنيات متقدمة في حصاد المياه وتوزيعها.
من أبرز هذه المنشآت المائية:
لقد ضمت رحلة الحج عددًا من المساجد التاريخية التي كانت تستخدم للصلاة والاستراحة والتعبد، ولعل أشهرها تلك التي اتخذت مواقيت للإحرام، أو ارتبطت بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
طور المسلمون نظامًا متقدمًا لتنظيم رحلة الحج، لم تعرفه حضارة أخرى في ذلك الزمان؛ تضمن هذا النظام وضع أعلام وحجارة منصوبة على جوانب الطريق تبين المسافات بين المحطات، بالإضافة إلى كتابة لوحات إرشادية بأسماء القرى والآبار والمسافات المتبقية [المقدسي، أحسن التقاسيم، ص ١٢٨]، كان هذا النظام يسمى "علم الطريق" أو "مسار الأعلام"، حيث كان الحاج يرى علمًا بعد علم، فيعرف أنه سار مسافة محددة، ويتحمس لمواصلة الطريق.
وتتراوح المسافة بين كل محطة وأخرى بين ٢٠ و٣٠ كيلومترًا، وهي المسافة التي تستطيع القافلة المحملة بالأمتعة والأحمال قطعها في يوم واحد، فتستريح ليلًا في المحطة، وتتزود بالماء والطعام، وتواصل السير باكرًا قبل شروق الشمس، وقد أقامت الدولة الإسلامية على هذه المحطات حراسًا ومرشدين لمساعدة الحجاج وتوجيههم [ابن خرداذبه، المسالك والممالك، ص ١٤٠].
يمثل طريق الحج بين مكة والمدينة نموذجًا حضاريًا فريدًا في التخطيط العمراني والخدمات اللوجستية، سبق عصره بقرون، ويمكن الاستفادة من تجربته في تطوير البنى التحتية الحديثة.
ج: لأنه يضم معالم أثرية ومحطات خدمية متكاملة تعكس تطور الحضارة الإسلامية في خدمة الحجاج وتنظيم رحلاتهم.
أما عن أقدم طريق سلكه الحجاج بين الحرمين الشريفين، فالتاريخ يشير إلى أن "درب زبيدة" يعد الأثرى والأشهر في العصر الإسلامي الوسيط، وإن كانت دروب أخرى أقدم منه تعود إلى العصر الجاهلي، حيث كانت قريش تسلكها في أسفارها للتجارة والحج إلى مكة، قبل أن يأتي الإسلام ويقدس هذه المسالك ويطورها بما يتناسب مع قدسية الغاية.
ج: كانت القوافل المحملة بالأمتعة والأحمال تحتاج إلى ما بين عشرة أيام وأربعة عشر يومًا، حسب حجم القافلة وحالة الطريق وتقلبات الطقس ووقت السنة، وكانت المحطات تنتظم كل مسافة يوم واحد لتكون راحة للحجاج وزادًا لأمتعتهم، حيث يجدون فيها الماء العذب والطعام والمأوى والأمان.
ج: نعم، لا تزال بعض الآبار والبرك والقصور والمساجد قائمة شامخة حتى اليوم، خاصة في منطقة درب زبيدة شمال غرب المملكة العربية السعودية، تحكي بقايا هذه المعالم قصة كفاح وإبداع عمراني خلدته أيادي المسلمين، ويمكن للزائر اليوم أن يرى بركة الجحفة وقصر عين زبيدة وبئر ميمون، ويتأمل عظمة من شيدها وقد مضى عليها أكثر من ألف عام.
ج: نسبة إلى السيدة زبيدة بنت جعفر بن منصور- رحمها الله -، زوج الخليفة هارون الرشيد- رحمه الله - وأمُّ الأمين، تلك المرأة التي لم تترك للحجاج تعبًا إلا سهلته، ولا ظمأ إلا روَتْه، ولا مشقة إلا خففتها؛ أمرت بحفر الآبار وبناء البرك على طول الدرب، وأنفقت من مالها الخاص أموالًا طائلة، لتظل ذكراها عذبة كما مياه آبارها، ورحمتها شامخة كما قصورها وبركها.
أما عن أمان طريق الحج من قطاع الطريق والغارات، فلم تترك الدولة الإسلامية الأمر للصدفة أو للقبائل المتفرقة، بل أقامت القلاع والحصون على طول الطريق، وجهزت حاميات عسكرية دائمة، وسيرت حراسة عسكرية مدججة بالسلاح مع قافلة الحج كل عام، كان على رأس هذه القافلة أمير الحج، وهو من كبار الدولة، ومعه جيش يحمي الحجيج من أي اعتداء، فتظل راية الأمان خفاقة على رأس كل ركب، ويهنأ الحاج بأداء فريضته في طمأنينة وكرامة.
ج: كان موسم الحج هو الفاصل الأساسي في تنظيم الرحلات، فكانت القوافل تتجه من المدن الإسلامية نحو مكة قبل الحج بشهرين أو ثلاثة، لتتمكن من السير ببطء والراحة في المحطات، وبعد أداء فريضة الحج، وكانت القوافل تتجمع في مكة وتتجه شمالًا نحو المدينة والعراق والشام، في رحلة عودة تستغرق وقتًا مماثلًا، ليعود الحاج إلى أهله سالمًا وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
يمثل طريق الحج بين مكة والمدينة منظومة حضارية متكاملة تجمع بين العمران والخدمة والتنظيم، ويجسد اهتمام المسلمين عبر العصور بتيسير الحج وبناء بنية تحتية تخدم ملايين الحجاج.
حجّة الوداع هي حج النبي ﷺ ففي السنة العاشرة للهجرة
مع إطلالة شهر ذي القعدة، ندخل في زمن عظيم ومرحلة مفصلية من مراحل العام الهجري
الكعبة المشرفة بنيت قبل سيدنا إبراهيم – عليه السلام- ثم رفع قواعدها مع إسماعيل– عليه السلام-
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
عمرة القضاء وما بها من أحداث كانت في ذي القعدة من العام السابع للهجرة