Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دروس من حجة الوداع

الكاتب

هيئة التحرير

دروس من حجة الوداع

كيف اختزلت حجة الوداع أعظم مبادئ التشريع الإسلامي في كلمات خالدة؟ 

إنها لحظة تاريخية رسمت ملامح العدالة وصانت الكرامة الإنسانية للأبد.

حقوق الإنسان وحرمة الدماء والأموال

صعد النبي صلى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع؛ ليحدد لهذه الأمة هويتها وشخصيتها، ويبين لها ميزتها على بقية الأمم، فقال في نمرة في هذا المسجد المبارك -ومسجد نمرة بعضه في أرض عرفات، وبعضه الآخر في نمرة- وصية جامعة، سمعه فيها (١١٤٠٠٠) من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين؛ فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ‌لَعَلِّي ‌لَا ‌أَلْقَاكُمْ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا بِمَكَانِي هَذَا، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي الْيَوْمَ فَوَعَاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» [مسند الدارمي رقم (٢٣٣)].

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، ‌فِي ‌شَهْرِكُمْ ‌هَذَا، ‌فِي ‌بَلَدِكُمْ ‌هَذَا» [رواه البخاري رقم (٦٠٤٣)].

وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: «إن دماؤكم وأموالم حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ» [رواه مسلم رقم (١٢١٨)].

فقد بيَّن النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- حُرمة الدماء والأموال، ووضَّح لنا أن هذه الحُرمة تُساوي حُرمة اليوم والشهر والبلد، ومعلومٌ أن حُرمة البلد الحرام- وهو مكة- حُرمةٌ عظيمة، وحُرمة الشهر الحرام - وهو شهر ذي الحجَّة - حرمة عظيمة؛ فحُرمة الدِّماء والأموال حُرمة شديدة وعَظيمة.

ولو تدبَّر الناس هذا الكلام؛ لَمَا تعدَّى أحد على أحد، ولَمَا سُفكَت الدماء، ولَمَا خُطفَت الأموال، ولما سُرقَت، ولَما اغتُصبَت، ولَعاش الناس عيشةً هنيئةً فيها سعادتهم الدُّنيوية قبل الأُخرويَّة، فهذا التحريم يجعل الإنسان يعمل ألف حِساب قبْل أن يتعدَّى على غَيره دون وجْه حقٍّ فقد جاء في كتاب الله قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدࣰا فِیهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِیمࣰا﴾ [النساء: ٩٣].

فهذا وعد من القرآن بالعقاب الشديد لمن قتل أخيه عمدًا، وقد توعدت السنة النبوية أيضًا لذلك؛ فعن عَبد اللهِ بن عَمْرو، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «‌لَزوالُ ‌الدُّنْيا ‌أهْونُ ‌على اللهِ من قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلمٍ» [سنن الترمذي رقم (١٤٥٢)]،

وقال أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ‌أَنْ ‌يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [مسند أحمد رقم (٢٣٠٦٤)]، أي: يخيفه ويفزعه، ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل عمل يؤدي إلى القتل ولو بالإشارة بالسلاح، فقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ ‌إِلَى ‌أَخِيهِ ‌بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» [رواه مسلم رقم (٢٦١٧)].

فالأصل في الدماء الحرمة، وهي شهادة شرعية من سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ومن رب العزة قبل ذلك حتى حرمة دماء غير المسلم ما داموا يحترمون عهودهم ومواثيقهم، وما داموا يجنحون إلى السلم حقيقة لا زورًا ولا بهتانًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٦١]. 

محاربة الاستغلال المالي (إسقاط الربا)

وضَع النبي - صلى الله عليه وسلم - كلَّ شيء مِن أمر الجاهلية، فجاء من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «،، ‌أَلَا ‌وَإِنَّ ‌كُلَّ ‌شَيْءٍ ‌مِنْ ‌أَمْرِ ‌الْجَاهِلِيَّةِ، مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ» [سنن ابن ماجه رقم (٣٠٧٤)].

ومن جملة ما أبطله سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم (الربا) حيث كانوا يتعاملون فيما بينهم في الجاهلية به فأنزل فيه حكم الله عزوجل بوضعه وإبطاله؛ وبدأ بأقرب الناس إليه وهو عمه العباس رضي الله عنه، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» [رواه مسلم رقم (١٢١٨)].

 والله - عز وجل - قد حرَّم الربا فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَیۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويقول تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِیَ مِنَ ٱلرِّبَوٰۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ * فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُوا۟ فَأۡذَنُوا۟ بِحَرۡبࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]، فهذا وعيد شديد لِمَن لم يَنتهِ عن الرِّبا.

وعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي، فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، ‌وَآكِلِ ‌الرِّبَا ‌وَمُوكِلِهِ، وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ» [رواه البخاري رقم (٥٩٤٥)].

وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ‌آكِلَ ‌الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ » [رواه مسلم رقم (١٥٩٨)].

فآكِل الربا مَلعون، واللعنَةُ: هي الطرد مِن رحمة الله - عز وجل - فعلينا بتقوى الله تعالي وأكْل الحلال، والبُعد عن أكل الحَرام، وتجنب التعامل بالربا الذي يُطرَد آكِلُه من رحمة الله تعالى.

قال ابن النقيب: "والصحيح أن الآية من العموم في خصَّ من المجمل، ثم جمهور العلماء على أن عقد الربا مفسوخ، وقال أبو حنيفة: هو فاسد إذا أزيل عنه ما يفسده انقلب صحيحًا، وأكل الربا محرم بنص القرآن -كما سلف- وهو من الكبائر المتوعد عليها بمحاربة الله ورسوله، وبما ذكره في الحديث.

قال الماوردي: " أجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرمًا في جميع الشرائع" [ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤ /١٦١)].

ميثاق حقوق المرأة في الإسلام

لم تكن الخطبة النبوية المشرفة لجنس دون آخر، بل كانت خطبة جامعة ودستورًا شاملًا عامًا لكل البشرية جمعاء، فجاء الخطاب النبوي حول كيفية التعامل مع النساء شاملًا جميع النساء من أم وأخت وزوجة وابنة، حيث كانت الجاهلية تنظر إليها على أنها شؤم أو سلعة تباع وتشترى قال تعالى حكاية عن حالهم في الجاهلية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدࣰّا وَهُوَ كَظِیمࣱ* یَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦۤۚ أَیُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ یَدُسُّهُۥ فِی ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨-٥٩]، فليس لهن أية حقوق إلا ما كان من بعض الحرائر وليس جميعهن، بل يكون الوأد مصيرهن، أما الإماء فكان الوضع يرثى له؛ لذلك أوصى سيد الخلق وحبيب الحق بالنساء خيرًا فقال صلى الله عليه وسلم: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ ‌فَاضْرِبُوهُنَّ ‌ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» [رواه مسلم رقم (١٢١٨)].

وقال صلى الله عليه وسلم: « فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ ‌أَخَذْتُمُوهُنَّ ‌بِأَمَانَةِ ‌اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [سنن أبي داود رقم (١٩٠٥)].

وإذا كان الله - سبحانه وتعالى - أحلَّ لنا الزواج مِن النساء، فقد أمَرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتقوى الله تعالى في النساء والإحسان إليهنَّ، فعلى الأزواج أن يُحسِنوا في إطعامهن، وكسوتهنَّ، وأن يُعاشِروهنَّ بالمعروف يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡءࣰا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء: ١٩]، ويقول سبحانه ﴿وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّیثَٰقًا غَلِیظࣰا﴾ [النساء: ٢١]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهلِه؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، ‌وَأَنَا ‌خَيْرُكُمْ ‌لِأَهْلِي» [سنن ابن ماجه رقم (١٩٧٧)].

فتتجلى عناية سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في أن المرأة أمانة عند الرجل سيسأل عنها يوم القيامة إن قصَّر في حقِّها وآذاها، فأمر بالإحسان إليهنَّ فقال صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ ‌عِنْدَكُمْ ‌عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوَطِّئْنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» [سنن ابن ماجه رقم (١٨٥١)].

فقَوْلُهُ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا": (قِيلَ: الِاسْتِيصَاءُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ أَيْ: أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِلطَّلَبِ أَيِ: اطْلُبُوا الْوَصِيَّةَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِخَيْرٍ أَوْ يَطْلُبُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْإِحْسَانِ فِي حَقِّهِنَّ وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ بِلَا سَبَبٍ) [حاشية السندي على سنن ابن ماجه (١ /٥٦٨)].

المساواة العالمية ونبذ العنصرية

إن من المعاني العظيمة التي أكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقررها في حجة الوداع لزوم تقوى الله، والحرص على نيل رفيع الرتب وعالي الدرجات بتحقيقها لا بالفخر بالأنساب والأحساب، فالكل بنو آدم، وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي إلا بتقوى الله، فقال صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا ‌إِنَّ ‌رَبَّكُمْ ‌وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ " قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ» [مسند أحمد رقم (٢٣٤٨٩)].

فقرر صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة العظيمة والبيان البليغ أن التفاضل إنما هو بتقوى الله لا بأي أمر آخر كما قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، فأكرم الناس عند الله أتقاهم له، أي: أكثرهم محافظة على طاعته، وانكفافًا عن معصيته؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللهِ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ‌فَخِيَارُكُمْ ‌فِي ‌الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا» [رواه البخاري رقم (٤٦٨٩)].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ ‌لَا ‌يَنْظُرُ ‌إِلَى ‌صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم رقم (٢٥٦٤)].

والمراد بـ"النظر" هنا: "ما يثيب عليه ويجازى من ذلك، فكل هذا إشارة إلى النيات والمقاصد، وأن المجازي عليه ما كان للقلب فيه عمل من قصد ونية وذكر" [القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨ /٣٢)].

الوسطية والتحذير من الغلو

درس جوهري يبحث عنه الكثيرون لفهم موقف الإسلام من التشدد؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ «الْقُطْ لِي حَصًى» فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ، فَارْمُوا» ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ‌إِيَّاكُمْ ‌وَالْغُلُوَّ ‌فِي ‌الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [سنن ابن ماجه رقم (٣٠٢٩)].

وذلك أن ‌الغلو ‌في ‌الدين مذموم، والتشديد فيه غير محمود؛ فإذا أوجب الإنسان على نفسه شيئًا شاقًّا من العبادة ثم لم يقدر على التمادي فيه، كان ذلك إثمًا، ولذلك نهى الشارع أصحابه عن الترهب،[ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣١ /٥٠)].

قال مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّهِ بْن الشِّخِّير لابنه، وكان قد تعبّد: يا بنيّ، إنّ الحسنة بين السيئتين- يعني الدين: بين الإفراط والتقصير- وخير الأمور أوسطها، وشر السّير الحقحقة [ابن عبد ربه، العقد الفريد (٢ /٢١٠)].

قوله: "الحسنة بين السيئتين" يقول: الحق بين فعل المقصر والغالي، ومن كلامهم: "‌خير ‌الأمور ‌أوسطها".

قوله: "وشر السير الحقحقة": وهو أن يستفرغ المسافر جهد ظهره فيقطعه، فيهلك ظهره، ولا يبلغ حاجته،[المبرد، الكامل في اللغة والأدب (١/١٩٥)].

وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «‌هَلَكَ ‌الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا» [رواه مسلم رقم (٢٦٧٠)]، فقوله: "‌هَلَكَ ‌الْمُتَنَطِّعُونَ": أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٦ /٢٢٠)].

وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قومًا أرادوا أن يختصوا وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأوعد في ذلك أشد الوعيد؛ قال ابن بطال: (وفى هذا من الفقه أن أمور الدنيا نظير ذلك في أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم، وبذلك نزل القرآن قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فحمد الله في نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، فأمر تعالى بترك التبذير في سبله التي ترجى بها الزلفة لربه، فالواجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدًا في عبادة ربه كان أو في أمر دنياه في عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب أو لباس أو عرى، وبكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلون) [ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٩ /٣٠٣)].

ولذلك جعل الله الأمة المحمدية أمة وسطًا في كل أمورها، بعيدة كل البعد عن الغلو والتشدد، فنالت شرف الوسطية في الدينا والآخرة فقال جل شأنه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].

قال ابن جرير الطبري: (يعني جل ثناؤه كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم عليه السلام وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن ‌جعلناكم ‌أمة ‌وسطًا)،[جامع البيان (٣ /١٤١)].

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ‌جَعَلْناكُمْ ‌أُمَّةً ‌وَسَطًا﴾ قال عدلاً [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (١ /٣٢٧)].

التمسك بما جاء به الشرع الشريف والاعتصام به

جاء القرآن الكريم دستورًا للأمة، ولتوحيد صفها، ونبذ الفرقة والاختلاف فقال جل شأنه ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وجاءت السنة النبوية مؤكدة على هذا المعنى كما ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل عن صفة حجة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ» [رواه مسلم (١٢١٨)]، فهذه وصية من أعظم الوصايا النبوية التي يجب على المجتمع المسلم أن يتمسك بها؛ إذ حث صلى الله عليه وسلم المسلمين على التمسك بكتاب الله، والاهتداء بتعاليمه، وتنفيذ أحكامه، واتباع سنته، ففيهما الخير والهداية، والنجاة مِن كل شرٍّ وسوء؛ فعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: ‌كِتَابَ ‌اللَّهِ ‌وَسُنَّةَ ‌نَبِيِّهِ » [الإمام مالك، الموطأ (٢ /٨٩٩)].

وقد أكد صلى الله عليه وسلم هذا التمسك في أدق الأفعال التي كان يفعلها وهو يرمي الجمرات؛ فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَقَالَ: ‌خُذُوا ‌عَنِّي ‌مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا» [البيهقي، السنن الكبرى رقم (٩٥٢٤)].

وفي هذه اللحظات ينزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتهل إلى الله بالدعاء على صعيد عرفات بقوله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، وهي آية عظيمة تقرِّر أن الله أكمل هذا الدين، ولم يترك لأحد من الخلق مجالًا ليزيد فيه أو ينقص منه، فلا حلال إلا ما أحل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿‌الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ ‌دِينَكُمْ ‌وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» [رواه البخاري رقم (٧٢٦٨)].

تيسير العبادة ورفع الحرج عن الناس

من أعظم القواعد التي أسس لها الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم أن المشقة تجلب التيسير، فأسس قاعدة "افعل ولا حرج"، وهي أهم قاعدة فقهية يحتاجها المسلم في حياته اليومية؛ لتجنب التعنت.

ولو نظرنا الى هذا الحديث الجامع لعلمنا صدق قول الله عزوجل في حبيه المصطفي: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]؛ فعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ‌افْعَلْ ‌وَلَا ‌حَرَجَ، لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: ‌افْعَلْ ‌وَلَا ‌حَرَجَ» [رواه البخاري رقم (٦٦٦٥)].

"وقد اختلف العلماء في ترتيب هذه الأربعة على الترتيب المذكور في أنه سنة لا شيء في تركه أو واجب يتعلق الدم بتركه إلى الأول ذهب الشافعي رحمه الله تعالى وأحمد وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة مالك، وأولو قوله: "لا حرج" على معنى "رفع الإثم دون الفدية"، والصحيح عدم الوجوب؛ إذ "لا حرج" معناه: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية؛ وقد صرح في بعض الروايات بتقديم الحلق على الرمي" [الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢ /٦٤)].

وهذ القاعدة العظيمة هي روح الشريعة الغراء، وقد دلت آيات الكتاب العزيز عليها فقال الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ﴾ [الحج: ٧٨].

قال بعضهم: "معناه: ‌وما ‌جعل ‌عليكم ‌في ‌الدين من ضيق في أوقات فروضكم مثل: هلال شهر رمضان والفطر والأضحى، ووقت الحج إذا التبست عليكم وشكّ الناس فيها، ولكنه وسع ذلك عليكم حتى تتيقّنوا محلها" [الثعلبي، الكشف والبيان (٧ /٣٦)].

وقد أخبر القرآن الكريم أن الله سبحانه الذي خلقنا هو أعلم بما يصلحنا فقال جل شأنه ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: "هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَّعَ اللَّهُ عليهم أم دِينِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]" [ابن المنذر النيسابوري، تفسير القرآن (١ /١٠١)]؛ لذلك كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "افعل ولا حرج" فسحة وسعة من الأمر، وهو ما يدل على يُسر هذه الشريعة، وقصدها رفع الحرج عن العباد.

مسؤولية الفرد في البلاغ (نشر الوعي)

جعل النبي المعرفة مسؤولية تضامنية بين أفراد الأمة، فجعلَ العالِم واجبٌ عليه تبليغ العلم لمن لَم يبلغه، وتبيينه لمن لا يفهمه، وهو الميثاق الذي أخذه الله عزَّ وجلَّ على العلماء للناس ليبَيِّنُنَّه ولا يكتمونه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ وعن أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ،،، أَلَا ‌لِيُبْلِغِ ‌الشَّاهِدُ ‌الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» [رواه البخاري رقم (٧٤٤٧)].

قال المهلب: (فيه من الفقه: أن العالم واجب عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه، وتبيينه لمن لا يفهمه، وهو الميثاق الذى أخذه الله عز وجل على العلماء ليُبيننَّهُ للناس ولا يكتمونه) [ابن بطال، شرح صحيح البخاري (١ /١٥٠)].

من هنا نفهم أن تبليغ العلم ونشره فرض من فروض الكفايات يقوم به أهله [أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٥/٤٩)]؛ ولذا جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الحديث الطويل: «قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ "اللَّهُمَّ! اشْهَدِ اللَّهُمَّ! اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» [رواه مسلم رقم (١٢١٨)].

إن المسئولية جماعية بين الناس كافة كل حسب طاقته وسعة علمه، فالمراد التبليغ ولو آية واحدة أو حديث واحد يستفيد منه الناس، أو نقل هذا الحديث، وهذه الآية مردها إلى أهل العلم لشرحها وتوضيح معانيها فهم أدرى بصنعتها واستنباط معانيها وفهم المشكل منها؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌بَلِّغُوا ‌عَنِّي ‌وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [رواه البخاري رقم (٣٤٦١)].

هذه جملة من الدروس المستفادة من حجة الحبيب المصطفي صلوات ربي وتسليماته عليه جعلها نبراسًا ودستورًا للأمة يسيرون عليها في دنياهم؛ ليأصلوا مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين كافة وغير المسلمين، لينشأ مجتمع تسوده الالفة والمحبة والود، والسعي والإنتاج.

سؤال وجواب

س: ما أهم ما ميز حجة الوداع؟

ج: أنها أرست قواعد كلية في حفظ الدماء والحقوق، وأكدت مبادئ العدالة والمساواة بين الناس.

الخلاصة

إن الوصايا النبوية الجامعة في حجة الوداع تتجاوز حدود الزمان؛ لتشكل منهاج حياة متكامل يضمن استقرار المجتمعات ورقيها، وبالاعتصام بهذه المبادئ الكلية من وسطية وعدالة، تستعيد الأمة توازنها الحضاري؛ لتقدم للبشرية جمعاء نموذجًا تطبيقيًا للتعايش السلمي والكرامة الإنسانية.

موضوعات ذات صلة

حجّة الوداع هي حج  النبي ﷺ ففي السنة العاشرة للهجرة

مع إطلالة شهر ذي القعدة، ندخل في زمن عظيم ومرحلة مفصلية من مراحل العام الهجري

الكعبة المشرفة بنيت قبل سيدنا إبراهيم – عليه السلام- ثم رفع قواعدها مع إسماعيل– عليه السلام-

الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.

عمرة القضاء وما بها من أحداث كانت في ذي القعدة من العام السابع للهجرة