وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في عالمٍ يموج بالضجيج واللهاث خلف المادة، تتُوق الأرواح إلى سَكينة، وإلى لحظةٍ تقف فيها مع ذاتها، بعيدًا عن صخب الدنيا وثقل الذنوب، فتأتي مناسك الحج كأعظم رحلة إيمانية يمكن أن يخوضها الإنسان في حياته، فهي ليست مجردَ انتقالٍ مكانيٍّ من بلد إلى بلد، بل هي رحلة الروح إلى الله سبحانه، رحلةُ التجرد، والخضوع، والتوبة، والعودة إلى الفطرة، الحج ليس طقسًا موروثًا، ولا تقليدًا شكليًّا، بل هو مدرسة روحية عميقة، مليئة بالمعاني التي تهُز القلوب، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتغرس في النفس روحَ التواضع والانكسار أمام عظمة الله، فلنفتح قلوبنا لهذه الرحلة، ونتأمل معًا في معانيها.
تبدأ هذه الرحلة العظيمة بالتلبية، وهي إعلان الإخلاص لله تعالى؛ فحين يهتف الحاجُّ منذ لحظة الإحرام: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك"، فإنه لا يردد كلماتٍ فقط، بل يعلن التسليم التامَّ لله، ويجدِّد توجهه للربِّ الذي خلقه وسوَّاه، و"لبيك" تعني: جئتك يا رب طائعًا، خاضعًا، تاركًا أهلي ومالي وراحتي، فقط لأجل رضاك، إنها لحظة تحرُّرٍ من الدنيا، وتوجُّهٍ خالص للآخرة، ففي التلبية تصمت الدنيا كلها، ويتكلم القلب، ويقول الإنسان: أنا عبدك، ولا أريد سواك، وتكتمل هذه المعاني بالإحرام، وهو لِباس التجرد والمساواة؛ حيث ينزِع الحاجُّ ملابسه المعتادة، ويخلع تميزه الطبقيَّ، ويفقد صفته الاجتماعية، ويرتدي قطعتين من القماش الأبيض، كأنه يقول: لا فضلَ لعربيٍّ على أعجمي، ولا غنيٍّ على فقير، فكلنا عبيدٌ لله وذاهبون إلى نفس المصير، والإحرام يذكِّرنا بكفن الموتى، لكن الفرق أننا لا زلنا نملك فرصةً للعمل والتوبة، إنه لِباس التجرد من الدنيا والعودة للفطرة.
وعندما يصل الحاج إلى المسجد الحرام يبدأ الطواف، وفيه يطوف القلب سعيا للمحبوب، حين يطوف الحُجاج حول الكعبة، فإنهم يُعلنون بألسنة قلوبهم "إلهي أنت مطلوبي ورضاك مقصودي"، وكما تدور الكواكب حول الشمس، تدور القلوب حول بيت الله، فالطواف ليس دورانًا جسديًّا فقط، بل هو رمز لحركة القلب شوقا لله، وفي كل شوطٍ يتجدد الحب، وتتجدد النية، ويزداد القرب، ويتلاشى "أنا" ويظهر "هو"، فلا يبقى في القلب إلا الله سبحانه، ثم يأتي السعي بين الصفا والمروة ليقدم دروس الصبر والثقة، فهو إعادة لخطوات السيدة هاجر عليها السلام، تلك المرأة المؤمنة التي كانت في وادٍ لا زرع فيه، فقالت بثقة الإيمان للخليل عليه السلام: إذا كان الله أمرك بهذا، فلن يُضيِّعنا، مشت وركضت تبحث عن الماء لطفلها، لا تيأس ولا تتذمر، بل تسعى بثقة في الله، وفي هذا درسٌ عظيم بأنه لا بد من السعي، ولا بد من حسن الظن بالله، وألا نيأس إن تأخَّر الفرَج، فقد يكون ماؤك تحت قدم طفلك وأنت لا تدري.
ويبلغ الحج ذروته في عرفة، يوم اللقاء الأعظم وقلبُ الحج ورُوحه، وهو اليوم الذي يُباهي الله فيه ملائكته بالحجيج، ويغفر فيه الذنوب، ويُعتق الرقاب من النار، ففي عرفاتٍ، لا حجابات، لا وسطاء، فقط عبدٌ بين يدي ربه، يرفع يديه، ويبكي، ويطلب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» [الترمذي: ٨٨٩]؛ أي: إن الوقوف بعرفة هو لبُّ الحج وجوهره؛ لأنه لحظة اعترافٍ وتوبة، وتجديد ميثاق، تشعر فيها بقرب الله سبحانه، والسماء مهيَّأة لاستقبال كل دعاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ، وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ» [ابن ماجه: ٢٨٩٢].
والملائكة تسجِّل كل دمعة وتفرح بكل توبة، وبعدها تأتي الأضحية ورميُ الجمرات كانتصار على الشيطان والهوى، فالأضحية رمز للاستسلام الكامل لله، كما رفع إبراهيم عليه السلام السكين على رقبة ابنه إسماعيل بقلوب راضية، لنقول اليوم: يا رب، أنت أغلى من نفسي ومالي وأهلي، أما رمي الجمرات، فهو إعلان حرب على الشيطان وقول عملي: لن أخضع لوسوستك يا عدو الإنسان، وفي كل جمرة نتخلص من ذنب، وضعف، وشهوة، لتنتهي المناسك بالحلق والتحلُّل كولادة جديدة، فبعد أيام من التجرُّد يحلق الحاج شعره ليعلن أنه نقيٌّ من الذنوب، إنسان جديد عاد إلى الله بقلب أبيضَ، مصداقًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [البخاري: ١٨١٩]، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» [البخاري: ١٧٧٣، ومسلم: ١٣٤٩]، وعن عمر بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» [مسلم: ١٢١].
إن للحج أعمالا ظاهرة تبدأ قبل السفر بالاستعداد في المال والرفيق، فيَنْبَغِي أن يبدأ الحاج بِالتَّوْبَةِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَإِعْدَادِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إِلَى وَقْتِ الرُّجُوعِ، ويَرُدَّ الْوَدَائِعِ، وَيَسْتَصْحِبَ مِنَ الْمَالِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ مَا يَكْفِيهِ لِذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ، لِيَتَوَسَّع فِي الزَّادِ وَيَرْفُق بِالضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَيَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، كما يَلْتَمِسُ رَفِيقًا صَالِحًا مُعِينًا عَلَى الْخَيْرِ، يُذَكِّرُهُ إِنْ نَسِيَ، وَيُشَجِّعُهُ إِنْ جَبُنَ، وَيُصَبِّرُهُ إِنْ ضَاقَ صَدْرُهُ، وَيُوَدِّعَ إِخْوَانَهُ وَيَقُولَ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»، وَكَانَ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لِلْمُسَافِر: «فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكَنَفِهِ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ أَيْنَمَا كُنْتَ»، وَإِذَا هَمَّ بِالْخُرُوجِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ.. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي مَسِيرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى»، وعلى بَابِ الدَّارِ يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ.. اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا بَلْ خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ»، وَفِي الرُّكُوبِ يَقْرَأُ: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِی سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِینَ * وَإِنَّاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣- ١٤].
لِلحَجِّ آدابٌ دقيقة وأعمال باطنة ينبغي مراعاتها ليكون مبرورًا:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَالْهَمُّ مُجَرَّدًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَلْيَكُنْ قَصْدُهُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ وَمُعَاوَنَةَ أَخِيهِ لَا اتِّخَاذَ ذَلِكَ مَكْسَبًا.
والثَّانِي: التَّوَسُّعُ فِي الزَّادِ وَطِيبُ النَّفْسِ بِالْبَذْلِ بِاعْتِدَالٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "مِنْ كَرَمِ الرَّجُلِ طِيبُ زَادِهِ فِي سَفَرِهِ".
والثَّالِثُ: تَرْكُ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ؛ فَالرَّفَثُ لَغْوٌ وَفُحْشٌ فِي الْكَلَامِ، وَالْفِسْقُ خُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْجَدَلُ مُبَالَغَةٌ فِي الْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ حُسْنُ الْخُلُقِ كَفَّ الْأَذَى بَلِ احْتِمَالُ الْأَذَى.
والرَّابِعُ: اجْتِنَابُ زِيِّ الْمُتْرَفِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ، فَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِثُ»، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لۡیَقۡضُوا۟ تَفَثَهُمۡ﴾ [الْحَجِّ: ٢٩]، ومن هنا استحب للحاج أن يكون شعثا أغبر وفي حديث المباهاة يوم عرفة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» [مسند الإمام أحمد: ٧٠٨٩]، وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَإِنْ كَانَ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا لَهُ حَتَّى يُوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا قَضَى آخِرَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [ابن حبان: ١٨٨٧]، وعن عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: تَشْعَثُونَ، وَتَغْبُرُونَ، وَتَثْقُلُونَ، وَتَضْحُونَ، لا تُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، مَا نَعْلَمُ سَعْدًا خَيْرًا مِنْ هَذَا؛ يَعْنِي: الْحَجَّ [أخبار مكة للفاكهي: ٨٨٧].
والْخَامِسُ: الرِّفْقُ بِالدَّابَّةِ وَعَدَمُ تَحْمِيلِهَا مَا لَا تُطِيقُ والإحسان في الذبح كما أوصانا سيدنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
والسَّادِسُ: التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ دَمٍ سَمِينٍ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ عَنِ الْبُخْلِ وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ تعالى: ﴿لَن یَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاۤؤُهَا وَلَٰكِن یَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ﴾ [الْحَجِّ: ٣٧]، وعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ، وَالثَّجُّ» [ابن ماجه: ٢٩٢٤] والعَجُّ؛ وهو أنْ يَجهَرَ المُلبِّي بالتَّلبيةِ، ويَرفَعَ بها صوتَهُ؛ وهي: "لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شَريكَ لك لبَّيْكَ"، وهي تَعني إجابةَ المُلبِّي لنِداءِ اللهِ بعدَ إجابةٍ، وتتضمَّنُ المحَبَّةَ الكامِلةَ بالْتِزامِ الطَّاعةِ والإقامةِ عليها، "إنَّ الحمْدَ والنِّعمةَ لك والمُلكَ، لا شَريكَ لك"، وفي هذا اعتِرافٌ للهِ بأنَّه مالِكُ المُلكِ، وأنَّه هو الواحِدُ الأحَدُ لا شَريكَ له، والثَّجُّ؛ وهو ذَبحُ الهَدْيِ والأَضاحيِّ؛ وقيلَ: إنَّه يُريدُ بذلك كُلَّ أفْعالِ الحجِّ مِن أوَّلِها إلى مُنتَهاها؛ لأنَّها تَبدَأُ بالذِّكرِ والتَّلبيةِ، وتنتَهي بالذَّبحِ والهَدْيِ؛ فذكَرَ الحدَّينِ لِيَشمَلَ ما بيْنَهما مِن أعْمالٍ؛ كأنَّ كُلَّ أعْمالِ الحجِّ عَظيمةٌ وجَليلةٌ ويَنبَغي إتمامُها.
والسَّابِعُ: طِيبُ النَّفْسِ بِمَا أَنْفَقَ وَبِمَا أَصَابَهُ مِنْ خُسْرَانٍ أَوْ مُصِيبَةٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ بِهِ ثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمِنْ عَلَامَةِ قَبُولِ الْحَجِّ تَرْكُ الْمَعَاصِي، وَاسْتِبْدَالُ إِخْوَانِ السُّوءِ بِالصَّالِحِينَ، وَمَجَالِسِ الْغَفْلَةِ بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ، فالحج المقبول علامته: قلبٌ أكثر خشوعًا، ولسانٌ أكثر ذكرًا، وسلوك أكثر طهرًا، ونفس تمقت المعصية وتستطيب الطاعة.
في كُلِّ عَمَلٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَذَكِّرِ، فَالْبَيْتُ جُعِلَ عَلَى مِثَالِ حَضْرَةِ الْمُلُوكِ، يَقْصِدُهُ الزُّوَّارُ شُعْثًا غُبْرًا خُضُوعًا لِجَلَالِ الله سبحانه المنزه عن أن يحويه مكان، وفي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ تَشَبُّهٌ بِالْمَلَائِكَةِ الطَّائِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَفِي التَّعَلُّقِ بِالْمُلْتَزَمِ طَلَبٌ لِلْقُرْبِ؛ كَالْمُذْنِبِ الْمُتَعَلِّقِ بِثِيَابِ مَنْ أَذْنَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ الْعَفْوَ، وَفِي السَّعْيِ مُضَاهَاةٌ لِتَرَدُّدِ الْعَبْدِ بِفَنَاءِ الْمُلْكِ رَجَاءَ الرَّحْمَةِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَهُوَ تَذَكُّرٌ لِاجْتِمَاعِ الْأُمَمِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
تنوعت أحوال الصادقين في الموقف بعرفة؛ فمنهم: من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء، وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير، وبكر المزني بعرفة فقال أحدهم: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم، ووقف الفضيل بن عياض بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واسوأتاه منك وإن عفوت، وعن محبوبٍ تلميذ أبي الأديان، قال: ما رأيت رجلًا خائفًا إلا رجلًا واحدًا، كنت واقفًا فرأيت شابًا مطرقًا منذ وقف الناس إلى أن سقط القُرص، فقلت: يا هذا! ابسط يديك للدعاء، فقال لي: ثَّم وحشةٌ، فقلت له: هذا يوم العفو عن الذنوب، قال: فبسط يديه، ففي بسط يديه وقع ميتًا.
جُز أيها الحادي إلى نعمان * * * فاستذكرت عهدا لها بالبان
فسألت الروح من الأجفان * * * تشوقا إلى الزمان الفاني
وَلَا يَنْفَكُّ الْمَوْقِفُ عَنْ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ تَرْتَفِعُ أَيْدِيهِمْ لِلَّهِ سبحانه، فَلَا يُخَيِّبُ أَمَلَهُمْ، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ انْقِيَادٌ لِلْأَمْرِ وَقَصْمٌ لِظَهْرِ الشَّيْطَانِ.
وفي اتخاذك أيها العبد مَقام خليل الله إبراهيم عليه السلام مصلى خُروجُكَ مِنْكَ إليه؛ قَصَدْتَ "التَّخْلِيَةَ" بـ بتلاوتك سورة (الكافرون) لتَهْدِمَ أصنامَ التَّدبير، وأَرَدْتَ "التَّحْلِيَةَ" بـ بتلاوتك سورة (الإخلاصِ) لتَشْهَدَ انفرادَ القَدير.
يا مَنْ سَجَدَ في مَوْطِئٍ ألانَ اللهُ فيه الصَّخْرَ لِلْخَلِيل: عَجَبًا لَكَ إنْ بَقِيَ قَلْبُكَ بَعْدَ الصلاةِ صَلْدًا لا يَلين!
انْتَقِلْ مِنْ حَرَكَةِ "الأشْباحِ" في الطَّوافِ إلى سُكُونِ "الأرواحِ" في الِاعْتِكاف؛ فمَا صلاتُكَ خَلْفَ المَقامِ إلا تَوْقيعٌ على مِيثاقِ الوَلاء، وانْخِلاعٌ مِنْ رُؤيَةِ الأغْيارِ إلى شُهُودِ رَبِّ السَّماء.
وَتُخْتَمُ الرِّحْلَةُ بِزِيَارَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، الْبَلْدَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَمَنْ قَصَدَهَا فَلْيُصَلِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلْيَغْتَسِلْ وَيَتَطَيَّبْ وَيَدْخُلْهَا مُتَوَاضِعًا، يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي عند مقام النَّبِيِّ الأعظم والرسول الأفخم صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُسْتَقْبِلًا جِدَارَ المقام الشريف ولزوم الأدب عند حضرته المنيفة وذاته الشريفة، قَائِلًا: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سيدي يا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.. السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ.. جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ قَوْمِهِ.. أَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ.. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ الطَّيِّبِينَ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ثُمَّ عَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا وَزِيرَيْ سيدنا رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَزَاكُمَا اللَّهُ خَيْرَ مَا جَزَى وَزِيرَيْ نَبِيٍّ عَنْ دِينِهِ.
ثُمَّ يُصَلِّي فِي الرَّوْضَةِ، وَيَزُورُ أُحُدًا وَالْبَقِيعَ وَقُبَاءَ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ يُوَدِّعُ مقام نبيا الأعظم ورسولنا الأفخم -صلى الله عليه وسلم- دَاعِيًا الله تعالى بِالْعَوْدَةِ.
تتجلى حقيقة الحج كمعراجٍ ربانيٍّ تبدأ أولى درجاته من فيض "التلبية"، تلك الاستجابة المقيمة في رحاب الطاعة التي لا تنفك عن قول "لبيك" إقرارًا بإسعادٍ بعد إسعاد، وإيقانًا بأن الخير كله منه سبحانه،، حيث ينسلخ الحاج من حوله وقوته ليقدم "المشيئة الإلهية" على كل قولٍ وعهد، مبرئًا لسانه من زلل اللغو والرفث والفسوق، ومنغصات الغضب ليشترط أن يكون دعاؤه وصِلاته وقفاُ على من استحق في حكم الله، في رحلةٍ تذوب فيها فوارق "عيش الجسد" الفاني المنشغل بالشهوات لتنتصر "حياة الروح" الباقية بالأنس بذكره سبحانه ومحبته؛ إذ يدرك المحب في تلك المشاعر أن "نعيم العيش" الحقيقي وطمأنينة القلب لا تكون إلا برضا الله تعالى، حين يترقى العبد في مدارج الرضا، ويشتاق للقاء ربه تعالى.
مناسك الحج معراجًا حقيقيًا للأرواح التي ترحل عن دنيا الفناء لتستقر في رحاب البقاء، مستلهمةً من قصة الرشيد وعظة أبي العتاهية حقيقة أن نعيم الدنيا زائل لا محالة حين أنشده:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا * * * فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ
يَسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتَ * * * لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ
فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ * * * فِي ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا * * * مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُورِ
فالمحرم يدرك في طوافه وسعيه أن:
إِنَّمَا الدُّنْيَا وَإِنْ سَرَّتْ * * * قَلِيلٌ مِنْ قَلِيلٍ
إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارُ اللَّهِ فِي * * * ظِلٍّ ظَلِيلٍ
حِين لَا تَسْمَعُ مَا يُؤْذِيكَ * * * مِنْ قَالَ وَقِيلْ
فيسعى بقلبه قبل بدنه نحو ذاك المقام الأسمى، موقنًا أن:
مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لَا نَفَادَ لَهَا * * * قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ
وفي هذا المعراج الروحاني فوق صعيد عرفات، يشتد الشوق إلى لقاء المليك المقتدر، فيناجي الحاج ربه بلسان حال العارفين:
طامعًا في "لذة النظر إلى وجه الله سبحانه" التي تذوب عندها كل لذائذ النعيم وتُنسي العبد كل كبد، هربًا من ظُلم العباد وضيق النفوس الأمارة بالسوء، مستعيذًا بالله من خطيئة محيطة، أو ذنب لا يغفر.
وَكَيف يلذ الْعَيْش من كَانَ عَالما * * * بِأَن إِلَه الْخلق لابد سائله
فَيَأْخُذ مِنْهُ ظلمه لِعِبَادِهِ * * * ويجزيه بِالْخَيرِ الَّذِي هُوَ فَاعله
لا يجد ملجًا إلا في حصن التوكل، ليعود من حجه وقد حقق كمال الوثوق برحمة الله، مبرّئًا نفسه من حولها وقوتها، طالبًا منزلة الشوق التي قال فيها الصالحون:
مَا نَالَ عَبْدٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مَنْزِلَةً * * * أَعْلَى مِنَ الشَّوْقِ إِنَّ الشَّوْقَ مَحْمُودُ
فينتهي حجه وقد ذاق طعم لذة القرب الروحي في الدنيا قبل الآخرة، مستروحًا بذكر معبوده وهو ينشد:
أَمُوتُ اشْتِيَاقًا ثُمَّ أَحْيَا بِذِكْرِكُمْ * * * وَبَيْنَ التَّرَاقِي وَالضُّلُوعِ لَهِيبُ
فَلَا عَجَبًا مَوْتُ الْمَشُوقِ صَبَابَةً * * * وَلَكِنَّ بَقَاهُ فِي الْحَيَاةِ عَجِيبُ
هَذِه أَحْوَال لَا يعرفهَا إلا من ذاقها
لايعرف الوجد إلامن يكابده * * * وَلَا الصبابة إِلَّا من يعانيها
فَأَمَّا من لَيْسَ عِنْده مِنْهَا خبر فَرُبمَا لَام أَهلهَا:
يَا عاذل المشتاق دَعه فَإِنَّهُ * * * لَدَيْهِ من الزفرات غير حشاكا
لَو كَانَ قَلْبك قلبه مَا لمته * * * حاشاك مِمَّا عِنْده حاشاكا
بعد الحج هل عُدنا أم بدأنا؟ الحج ليس نهاية، بل بدايةٌ جديدة لحياة نقية، من يعُدْ بعد الحج دون أن تتغير عاداته، فكأنما حجَّ بجسده فقط، إن الحج رحلة عمرٍ، أثرها يجب أن يبقى حتى آخر العمر، فهو تجرد من الدنيا، وتجديد عهدٍ بالعبودية الصادقة، كل ركن فيه يحمل معنًى وكل خطوة فيها صعود نحو النور، فلننظر إلى الحج كمحرك للروح، وحتى من لم يحج، يمكنه أن يحُجَّ بقلبه؛ بالتوبة، والتكبير، والدعاء، ومواسم الطاعة في عشر ذي الحجة، فليكن حجك، أو شوقك إلى الحج، نقطةَ تحول لا محطة مرور، وبدايةَ عهدٍ جديدٍ مع الله.
مراجع الاستزادة:
س: هل تنتهي رحلة الحج بانتهاء المناسك؟
ج: لا تنتهي حقيقة الحج بانتهاء شعائره الظاهرة، بل تبدأ آثاره الحقيقية بعد الرجوع؛ إذ يتحول إلى منهج حياة يقوم على الطاعة، وترك المعصية، واستدامة الصلة بالله، فالحج المقبول هو الذي يُثمر قلبًا تقيًّا وسلوكًا مستقيمًا.
س: ما العلامة الأبرز على قبول الحج؟
ج: من أبرز علامات قبول الحج: تغيّر حال الحاج إلى الأفضل، ودوام الاستقامة، وكثرة الذكر، وترك المعاصي، مع إحساس دائم بالقرب من الله تعالى.
س: كيف يستثمر المسلم أثر الحج بعد عودته؟
ج: يكون ذلك بالمحافظة على روح الإحرام في السلوك، واستحضار معاني التجرّد والتوبة، والاستمرار في الأعمال الصالحة، وجعل الحج نقطة انطلاق نحو حياة إيمانية متجددة.
يخرج الحاج من مناسكه وقد استبدل عيش الجسد الفاني بحياة الروح الباقية، ليكون الحج نقطة تحولٍ كبرى لا مجرد محطة عابرة في سجل الأيام، إن العبرة في "بداية" جديدة تبنى على أنقاض الذنوب، حيث يعود المرء بقلبٍ يرى نور الله في كل شأن، متمسكًا بعهد العبودية حتى اللقاء.
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة
حجة الوداع هى الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم
بقيت في شبه الجزيرة العربية جذور توحيدية ممتدة لدعوة إبراهيم - عليه السلام
دخل سيدنا رسول الله ﷺ مكة فاتحًا مطأطئ الرأس تواضعًا لله الذي أكرمه بالفتح المبين
نشأت مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام في قلب صحراء قاحلة وبين جبال جرداء