للمسلمين
في شتى بقاع الأرض نصيب وافر من فضل هذه الليلة، ويُستحب لهم إحياؤها بالأعمال التالية:
يبدأ
المسلمون في إظهار شعيرة التكبير المطلق والمقيَّد، ويُستحب الإكثار من التكبير
والتهليل في المنازل والطرقات والمساجد، فرحًا بقدوم العيد وتعظيمًا لله عز وجل
(الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)، قال
الامام المرداوي: "وأمَّا التَّكْبيرُ في ليْلَةِ عيدِ الأضْحَى، فيُسَنُّ فيها
التَّكْبيرُ المُطْلَقُ بلا نِزاعٍ، وفى العَشْرِ كلِّه لا غيرَ، على الصَّحيحِ
مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقيل: يُسَنُّ المُطلقُ مِن أوَّلِ العَشْرِ
إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشْريقِ، جزَم به في "الغُنْيَةِ"، و"الكافي"،
وغيرِهما" [الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف، (٥/٣٦٩)].
وقال الامام الماوردي: "والقول
الثاني: يبتدؤون بِالتَّكْبِيرِ مِنْ بَعْدِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَيْلَةِ
النَّحْرِ إِلَى بَعْدِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَوَجْهُهُ
أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهَا لَيْلَةُ عِيدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ
فِيهَا مَسْنُونًا كَالتَّكْبِيرِ الْمُطْلَقِ. [الماوردي، الحاوي الكبير
(٢/٤٩٩)].
ليلة
العيد هي ليلة شريفة، يُستحب إحياؤها بالصلاة (قيام الليل)، وقراءة القرآن،
والاستغفار، والدعاء، وقد وردت آثار عن السلف الصالح في فضل إحياء ليلتي العيد
(الفطر والأضحى) بالعبادة، قال الامام النووي: "وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْإِحْيَاءِ
بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: تَحْصُلُ بِسَاعَةٍ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ
رحمه الله فِي (الْأُمِّ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا
يُؤَيِّدُهُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما
أَنَّ إِحْيَاءَ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ،
وَيَعْزِمَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْمُخْتَارُ مَا
قَدَّمْتُهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَبَلَغَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ
يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ، لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَأَوَّلِ
رَجَبٍ، وَنِصْفِ شَعْبَانَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَسْتَحِبُّ كُلَّ مَا حَكَيْتُهُ
فِي هَذِهِ اللَّيَالِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [النووي، روضة الطالبين وعمدة
المفتين (٢/٧٥)].
وقال ابن الحاج: "وينبغي للحاج أن
يحيي ليلة العيد بالصلاة، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقوم تلك الليلة
كلها، وكذلك غيره، وقد استحب العلماء ذلك في جميع الأقطار، لما ورد في الحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ
الْقُلُوبُ»، وذلك بشرط أن لا يكون في
المساجد ولا في المواضع المشهورة كما يفعل في رمضان، بل كل إنسان في بيته لنفسه،
ولا بأس أن يأتمَّ به بعض أهله وولده" [المدخل لابن الحاج (٤/٢٣٢)].
اسْتِحْبَابُ إحْيَاءِ لَيْلَتَيْ
الْعِيدِ بِالْعِبَادَةِ) مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، لِخَبَرِ:
«مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ
الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ
وَأَسَانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَحَبُّوا الْإِحْيَاءَ؛ لِأَنَّ
أَخْبَارَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا، وَيُعْمَلُ بِضَعِيفِهَا، قَالَ
الْأَذْرَعِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا عَدَمُ تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ
الصَّوَابُ. [زكريا الأنصاري، أسنى المطالب (١/٢٨١)].
يُسن
للمسلم في هذه الليلة التجهيز والاغتسال لصلاة العيد، وتجهيز أجمل الثياب، والتطيب
(للرجال)، تحضيرًا لشهود صلاة العيد مع جماعة المسلمين في الصباح، قال ابن المنذر:
"ويستحب
الاغتسال للعيد، كَانَ ابن عمر رضي الله عنهما يفعله". [الإقناع لابن
المنذر (١/١٠٩)].
وقال ابن قدامة: "ويسن الاغتسال للعيد،
والطيب والتنظيف والسواك، وأن يلبس أحسن ثيابه، لما روي أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال في جمعة من الجمع:
«إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ»، فعلل ذلك بأنه يوم عيد، ولأن
هذا اليوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة، فأشبه الجمعة، وقد روي "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ"، رواه ابن عبد البر.
[ابن قدامة، الكافي في الفقه (١/٣٤٠)].
يُستحب
لمن نوى الأضحية أن يتفقد أضحيته في هذه الليلة، ويجهز ما يلزم لذبحها بعد صلاة
العيد مباشرة؛ تقربًا إلى الله، وأن يستحضر النية الصادقة بأن هذا العمل هو إحياء
لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، فعن أبيّ أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ رضي الله عنه
قَالَ: "كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ
الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ" [البخاري (٧/١٠٠)].
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه
قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأَنَا
أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ" [البخاري (٥٥٥٣)].
وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «فِي الأُضْحِيَّةِ لِصَاحِبِهَا بِكُلِّ
شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ وَيُرْوَى بِقُرُونِهَا» [سنن الترمذي (١٤٩٣)].
والأصل في مشروعية الأضحية قول الله
تعالى: ﴿إِنَّاۤ أَعۡطَیۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ *
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الكوثر:
١-٢]،
ويكره ترك الأضحية لمن قدر عليها؛ لما رواه الشيخان عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه
قَالَ: "ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ
ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا"
[البخاري (٥٥٦٥)، مسلم (١٩٦٦)].
وللأضحية ثواب عظيم عند الله تعالى،
فقد روى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ - أَوْ قَالُوا -: «يَا
رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»،
قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ»، قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، فَالصُّوفُ؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ».
[أحمد (١٩٢٨٣)]، وروى الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ
يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيأْتِي
يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَإنَّ الدَّمَ
لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا
بِهَا نَفْسًا» [سنن
الترمذي (١٤٩٣)].
التخطيط
لزيارة الأهل والأقارب، وتجهيز رسائل التهنئة، وإدخال السرور على أهل البيت
والأطفال، فالأعياد في الإسلام هي مواسم للفرح، ولتجديد الروابط الاجتماعية.
فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها
قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ
يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، يَعْنِي: أَبْكَارَ الْعَوَاتِقِ، وَذَوَاتَ
الْخُدُورِ، وَالْحُيَّضَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِحْدَاهُنَّ لَا يَكُونُ لَهَا
جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "فَتُلْبِسُهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا" [صحيح
ابن حبان (٥٦٠٣].
وعَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ
الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
يَقُولُ: «مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا
إِشْرَافِ نَفْسٍ، فَلْيَقْبَلْهُ وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ
سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ» [أحمد (١٧٩٣٦)].
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي
مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ
تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» [المعجم الكبير للطبراني (٨٠١٤)].
أ- الكرم وبذل الطعام.
ب- نشر السلام، وإذاعة التحية به.
جـ- زيارة الأقارب ومودتهم والإحسان
إليهم.
د- والصلاة بالليل والناس نيام.
[الترغيب والترهيب للمنذري (٢/٦٢)].
قال المهلب: كانت أم حرام خالة النبي
صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلذلك كان ينام في حجرها، وتفلِّى رأسه، قال غيره:
إنما كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بنى النجار، وكان يأتيها
زائرًا لها، والزيارة من صلة الرحم [ابن بطال، شرح صحيح البخاري (٥/١٠)].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن نفقةٍ بعدَ صِلَةِ الرَّحِم أعظمُ
عندَ الله من إهراقِ الدم» [ابن عبد البر، التمهيد (١٥/١٢٧)].
قال القاضي: إن صلة الرّحِم أفضل من
العتق، وقد قال مالك: الصدقة عَلى الأقارب أفضل من عتق الرقاب. [القاضي عياض،
إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/٥١٩)].
ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة على
الجملة، وقطعها كبيرة [القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/٢٠)].
قال القاضي: وقد اختلف في الرحم التي
تجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هي كل رحم محرم، وعلى هذا فلا تجب في بني الأعمام
وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في
المواريث محرمًا كان، أو غير محرم [أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص
كتاب مسلم (٦/٥٢٧)].
(والصلة) المراد بها صلة الرحم وكل
ما أمر به أن يوصل، وذلك بالبشر والإكرام وحسن المراعاة ولو بالسلام، وصلة الرحم
هو تشريك ذوي القرابات في الخير [الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري
(١/٥٧)].