وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الشريعة الإسلامية الغراء جاءت مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، حاملة لواء رحمة الله تعالى الواسعة، ولما كان الحج ركن الإسلام الركين، ومن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله والجهاد في سبيله، وكان المسلم في كثير من الأحيان يفتقد الاستطاعة البدنية، أو تحول بينه وبين شهود المناسك جوائح وبائية، أو عوائق مالية؛ كانت سعةُ رحمة الباري جل وعلا حاضرةً، وكان فضلُه السابغُ على هذه الأمة المرحومة مبثوثًا في كل سبيل، فقد شرع لها من البدائل التعبدية والقربات الصالحة ما يبلغ به العبد ثواب الحج والعمرة وجزاءهما؛ لتظل أبواب القربات، ومضاعفة الحسنات، مشرعةً أمام كل نفس مشتاقة وقلب محروم.
إن التحقيق الأصولي والفقهي يقتضي منا ضبط منطق المماثلة في نصوص الوحيين، فالأعمال البديلة التي وردت النصوص بأنها تعدل الحج، إنما تنصرف المماثلة فيها إلى الجزاء أي: تحصيل الأجر والثواب والمضاعفة، ولا تنصرف بحال إلى الإجزاء أي: إسقاط الفريضة المكتوبة عن المستطيع، فحج الفرض ركن عيني لا يسقط عن القادر عليه بتتابع النوافل والفضائل، فإذا ما حيل بين العبد وبين الفرض لعجز أو مانع، تأكد في حقه لزوم هذه الطاعات؛ لتعويض ما فاته من فيوضات الأجر المعظم.
إن استقراء السنن المأثورة والآثار المروية يُوقفنا على حُزمة نفيسة، ومنظومة متكاملة من القربات التعبدية والأعمال الصالحة التي شرعها الحكيم الخبير، وجعلها مَفزعًا ومَلاذًا وعِوضًا روحيًا للمحرومين والمشتاقين؛ لتظل أشواقهم موصولةً بالبيت العتيق، وإن حُبست أبدانهم خلف أسوار الأعذار، وتفصيل القربات ودلائلها على النحو الآتي:
إن صدق العزيمة والنية مع الله تعالى يعد محركا باعثا للعمل؛ فحين تعجز الأبدان تنوب عنها النيات الصادقة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» [البخاري: الجامع الصحيح، كتاب المغازي، ،(٢٨٣٩)]، وفي رواية: «إلَّا شَرِكوكُم في الأجرِ» [مسلم، المسند الصحيح، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو، رقم (١٩١١)].
يقول الإمام النووي: "وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعَرَض له عذرٌ منعه، حصل له ثواب نيته" [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣ / ٥٧]، ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: «من سألَ اللَّهَ الشَّهادةَ صادقًا بلَّغَه اللَّهُ منازلَ الشُّهداءِ وإن ماتَ علَى فراشِه» [ أبو داود، السنن، (١٥٢٠)].
الخروج إلى بيوت الله تعالى يمثل هجرة شعائرية صغرى، تتماثل في هيئتها وروحانيتها مع القصد إلى البيت الحرام، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن خرَجَ مِن بيتِه متطهِّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ، فأجْرُه كأجرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ومَن خرَجَ إلى تسبيحِ الضُّحى لا يُنصِبُه إلَّا إيَّاهُ، فأجْرُه كأجرِ المُعتمِرِ، وصلاةٌ على أثَرِ صلاةٍ لا لَغْوَ بينَهما كتابٌ في عِلِّيِّينَ» [أبو داود، السنن، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، (٥٥٨)].
قوله: «تسبيح الضحى» أي صلاة الضحى؛ إذ كل نافلة سبحة، وقوله «لا ينصبه» بفتح الياء أو ضمها، أي لا يقيمه ولا يخرجه ولا يتعبه إلا هي [الخطابي، معالم السنن شرح سنن أبي داود، المطبعة العلمية بحلب، ١ / ٢٠٣].
يرى الإمام البغوي أن هذا التشابه يرجع لثلاثة أوجه؛ إما للمضاعفة التي توازي ثواب الحاج، أو لاستدامة الثواب من لدن الخروج حتى الرجوع، أو لكونه توجه إلى بيت من بيوت الله لعبادته كالحاج تمامًا [البغوي، شرح المصابيح، ٢ / ١٥٧].
هذه الخلوة الروحية في أول النهار تعد من أعظم المكاسب التي تمد العبد بمدد رباني يوازي ثواب نسك كامل، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَن صلى الفجرَ في جماعةٍ، ثم قَعَد يَذْكُرُ اللهَ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، ثم صلى ركعتينِ، كانت له كأجرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تامَّةٍ، تامَّةٍ، تامَّةٍ» [أخرجه الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح، (٥٨٦)]، وله شاهد من حديث أبي أمامة بلفظ: «مَن صلَّى صلاةَ الصُّبحِ في جماعةٍ ثُمَّ ثَبتَ حتَّى يسبِّحَ للَّهِ سُبحةَ الضُّحَى كانَ لَهُ كأجرِ حاجٍّ ومعتَمِرٍ، تامٌّ لَهُ حجُّهُ وعمرتُهُ» [الطبراني: الكبير(٧٦٤٩)].
إن المماثلة في قوله - صلى الله عليه وسلم: «كانت له كأجرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ» هي مماثلة في أصل الثواب، لا تقوم مقام الفريضة، يقول الإمام المبارَكْفُوري: "قوله تامة تامة صفة لحجة وعمرة وكررها ثلاثًا للتأكيد" [المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، دار الكتب العلمية، ٣ / ١٩٤]، وعاضده الإمام الطِّيبي بقوله: "هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا، أو شبه استيفاء أجر المصلي تامًا بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تامًا بالنسبة إليه" [الطيبي، شروح مشكاة المصابيح الكاشف عن حقائق السنن، مكتبة نزار مصطفى الباز، ٤ / ١٢٣٨].
إن شرف الزمان ينعكس على شرف العمل ونمائه؛ لذا غدت العمرة في رمضان قسيمة الحج في الأجر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سنان الأنصارية: «ما مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟» قالت: "أبو فُلانٍ - تَعني زَوجَها - كان له ناضِحانِ، حَجَّ على أحَدِهما، والآخَرُ يَسقي أرضًا لَنا"، قال: «فإنَّ عُمرةً في رَمَضانَ تَقضي حَجَّةً - أو حَجَّةً مَعي» [البخاري: الصحيح، باب حج النساء(١٨٦٣)].
يقرر الحافظ ابن حجر العسقلاني المنهج الأصولي في ذلك فيقول: "فيه دليل على أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة، فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض" [ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، ٣ / ٦٠٤]، وهو ما أكده الإمام النووي بقوله: "أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء" [النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ٩ / ٢].
يعلل القاضي ابن العربي هذا الفضل بقوله: "وقوله - صلى الله عليه وسلم: «تعدل حجة» هو فضل الله ونعمته؛ فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها، وذلك لأن ثواب الأعمال يزيد بزمنها كما يزيد بمكانها، فلما انضم شرف زمان رمضان إلى شرف عبادة العمرة؛ تلقت الأجر بيمين القبول، وفضل الله واسع لا تحجره العقول" [ابن العربي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، دار الكتب العلمية، ٤ / ٤٦]، ويُبين الإمام ابن الجوزي في هذا الموضع كيف يتفاضل العمل الأقل مشقة ليعادل العمل الأشق نظير اعتبارات تعود للزمان والنيات، حيث يقول: "وفي قوله - صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة»؛ فيه: أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب وخلوص المقصد، وهذا لأن رمضان وقت الصوم، فإذا انضافت إليه عبادة أخرى عظُمَ ثوابها، ولأن المشقة فيه تعظم؛ فزاد الأجر بزيادة كلفة العبادة في وقت الصيام" [ابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين، دار الوطن، ١ / ٣٧٧].
جاءت هذه الأذكار بمثابة جبر إلهي لقلوب الفقراء الذين قصرت بهم نفقاتهم عن اللحاق بأهل الدثور، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ" قال: «أَفَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَبَذَذْتُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» كُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» [مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر خلف الصلاة، (٥٩٥)].
إن المتأمل بعين البصيرة الفقهية في هذا المشهد النبوي الجليل، تتكشف له معالم مقاصدية وتربوية غاية في العمق، تُبرز كيف عالجت الشريعة الغراء قضايا الفوارق الاجتماعية من منظور تعبدي خالص، فمجيء الفقراء إلى الجناب النبوي الشريف لم يكن تبرمًا من ضيق العيش أو شكوى من قلة الدنيا، بل كان تنافسًا شريفًا في مضمار الآخرة، وتحسرًا على فوات الطاعات القائمة على المال كالحج والصدقة؛ وهو ما يعكس عمق التربية النبوية التي جعلت الأجر والثواب هو الميزان الحقيقي للرفعة والمكانة.
ومن هنا تتبدى نظرية التعويض والبدائل التشريعية التي تجسد سعة رحمة الله تعالى؛ إذ لم يجعل العجز المالي حائلًا بين العبد ومراتب الكمال البشري، بل فتح للمستضعفين محراب الذكر عقب الصلوات، وجعل ملازمة هذا الورد خفيف المؤونة مكافئًا في ميزان الجزاء لنفقات الأغنياء وحجهم وجهادهم، ويعضد هذا الملمح الفقه اللغوي والمقاصدي في قوله - صلى الله عليه وسلم: «وبذذتم من بعدكم»، والبذُّ: هو الغلبة والتقدم التام؛ ليؤكد المقصد الشرعي الأسمى بأن المقادير عند الله تعالى تُقاس بحقائق القلوب وحضورها، لا بضخامة أعمال الجوارح المجردة؛ وفي هذا تطييب إلهي لخواطر الفقراء، وضمان لاستدامة المسابقة نحو الحق جل وعلا دون حائل.
الوالدان هما أوسط أبواب الجنة، وبرهما تجارة رابحة تعدل في ميزان الشريعة الجهاد والنسك، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: «هَلْ بَقِيَ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ؟» قال: أمي، قال: «فَأَبْلِ اللهَ فِي بِرِّهَا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأَنْتَ حَاجٌّ، وَمُعْتَمِرٌ، وَمُجَاهِدٌ، فَإِذَا رَضِيَتْ عَنْكَ أُمُّكَ فَاتَّقِ اللهَ وَبِرَّهَا» [أبو يعلى الموصلي، مسند أبي يعلى، دار المأمون للتراث، رقم ٢٧٦٠].
إن المتأمل بعين البصيرة المقاصدية في هذا النص الشريف، ينكشف له معلَمٌ تربويٌّ وتشريعيٌّ بالغ العمق؛ حيث نقل حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - مَطْمح هذا الرجل من شهوة الجهاد التطوعي الذي عجزت عنه قُدرته، إلى محراب بر الأم وملازمتها، وقول حضرة سيدنا النبي- صلى الله عليه وسلم: «فَأَبْلِ اللهَ فِي بِرِّهَا»، وأصل الإبلاء: إظهار الطاعة وبذل غاية الجهد؛ يُبين أن بر الوالدين في ميزان الإسلام ليس مجرد فضيلة أخلاقية كفائية، بل هو جهادٌ عينيٌّ مُقدَّمٌ رتبةً على نوافل النسك والجهاد الكفائي؛ لما يتطلبه من ديمومة الصبر، ومجاهدة النفس، وخفض جناح الذل من الرحمة، ومن هنا جاء التعويض النبوي حاسمًا ومُطَمئنًا للنفوس: «فَأَنْتَ حَاجٌّ، وَمُعْتَمِرٌ، وَمُجَاهِدٌ»، ليؤكد المقصد الأسمى للشريعة بأن الرتب العلية والأجور المعظمة في الحج والغازي، تَنالها الأرواح كاملةً غير منقوصة تحت أقدام الأمهات؛ مما يجعل الأسرة المسلمة المترابطة هي الثغْر الأول للجهاد والعبادة، وصمام الأمان لبناء المجتمع الفاضل.
طلب العلم فريضة، ومقاعد المتعلمين في بيوت الله كأجنحة الملائكة الكرام ظليلة، وثوابها مضاهٍ لثواب النسك التام،عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غدا إلى مسجدٍ لا يريدُ إلا أن يتعلَّمَ خيرًا أو يُعلِّمَه، كان له كأجرِ حاجٍّ، تامًّا حجَّتُه» [الطبراني، المعجم الكبير، رقم ٧٣٤٦].
المتأمل بعين المقاصد الشرعية في هذا النص النفيس، يلمح كيف عقد الشارع الحكيم صلةً وثيقة بين رتبة الحج التام ورتبة طلب العلم وبث المعرفة في بيوت الله؛ فالغدو التعبدية هنا يعكس هجرة علمية صغرى يخرج فيها العبد قاصدًا بيت ربه، ومن هنا، جاء التأكيد النبوي البليغ: «تَامًّا حِجَّتُهُ» ليؤكد في روع السائرين أن مشقة التلقي، ومكابدة الفهم، ومدارسة شريعة رب العالمين، ترفع صاحبها - وإن قعدت به نفقته عن الميقات - إلى مراتب أهل النسك الأوفياءِ.
يوم الجمعة هو عيد الأسبوع، وحضورها بهيئتها وآدابها يمثل حجًا دوريًا متاحًا للجميع، عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لكم في كلِّ جمعةٍ حَجَّةً وعمرةً، فالحجَّةُ : الهجيرُ للجُمعةِ، والعُمرةُ : انتظارُ العَصرِ بَعدَ الجمعةِ» [البيهقي، السنن الكبرى، (٦١٦١)].
"الهجير" والهاجرة هو وقت اشتداد الحر نصف النهار، والتهجير هو السير المبكر في هذا الوقت [ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر الزاوي، المكتبة العلمية، ٥ /٢٤٤]، ويؤكد هذا المعنى التابعي الجليل سعيد بن المسيب بقوله: "شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة" [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص ٢٥١]، إن الشارع الحكيم حينما ندب العباد إلى التهجير يوم الجمعة، لم يكن المقصد مجرد تكليف الجوارح بقطع المسافات في وقت اشتداد الرمضاء؛ بل إن النَّظر المقاصدي يلتمس في ذلك لفتةً تربوية بليغة، تنزع بالأنفس نحو مجاهدة رغبات الراحة والدعة، ومسابقة الزمن نحو بيوت الله؛ فغدا التهجير بهذا الاعتبار قرين الجهاد، وبات الساعي فيه مبكرًا مرتقيًا صُعدًا في درجات الأجر والمثوبة؛ حتى حاز ثواب بَدَنَة الحج وجزائها.
المنهج المقاصدي للإسلام يرفع من شأن النفع المتعدي على النفع القاصر؛ لذا كان السعي في تفريج كربات العباد من أعظم القربات، قال الحسن البصري: "مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة" [ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص ٢٥٤].
يُثمر هذا الأثر وعيا فقهيا أصيلا لعلماء الأمة في فقه الموازنات ومراتب الأعمال؛ حيث قدَّم الإمام الحسن البصري السعي في حوائج الناس على تتابع نوافل النسك والعبادات القاصرة كحج التطوع، والتحقيق الفقهي في هذا التفضيل يستند إلى رعاية المقاصد الاجتماعية للشريعة الإسلامية؛ فنوافل الحج عبادة تعود مصلحتها وتزكيتها على ذات العبد الفاعل فقط، في حين أن السعي في تفريج كربات المسلمين ومواساتهم عبادة ذات أثر متعدٍّ يسري يمنُه وبركته وصلاحه في بنيان المجتمع كله، فيسد خلتهم ويجبر كسرهم، وإن شريعةً جعلت عون العباد قوامًا لـعَوْن الله تعالى لَأجدرُ أن ترفع قَدْرَ الساعي في النفع وتلحقه برتبة أهل الطاعات الكبرى ومناسكها العظام.
إن الأساس الذي تبنى عليه الولاية الربانية هو أداء الأوامر، والكف عن المناهي، وهو أرفع درجة من نوافل العبادات، يقول الفضيل بن عياض - رضي الله عنه: "ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان" [ابن رجب: لطائف المعارف، ص٢٥٤]، فالاعتبار الحقيقي ليس بمجرد حركات الجوارح الباردة، بل بلين القلوب وتقواها وانقيادها لأمر الله الخفي والظاهر.
إن الرؤية المنضبطة بحدود الشريعة تقرر أن سفر الدنيا ينقطع بسير الأبدان وطفرة الركاب، أما سفر الآخرة فيقطع بسير القلوب وحضور الأرواح، ولذا قال أحد العارفين المحققين لمن قطع إليه الفيافي والمسافات:" ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة واحدة وقد وصلت إلى مقصودك" [ابن رجب: لطائف المعارف، ص٤٣٩]، فكم من واصل ببدنه وطائف بجسمه حول الكعبة المعظمة، وقلبه لاهٍ منقطع عن رب البيت! وكم من مستلقٍ على فراشه في أقصى الأرض، أقعده المرض أو الفقر، وقلبه معلق بالمحل الأعلى، يطوف بروحه حول العرش! وفي هذا المعنى الروحي الدقيق ينشد العارف:
جسمي مـعي غـير أن الـروح عندكم *** فالجسم في غربة والروح في وطن
وقد لطّف العارف الإمام أبو بكر الشبلي هذا المعنى حين سئل عن حج المحبين، فأشار إلى أن العبرة بطهارة الحرم الداخلي للإنسان؛ وتطهير هذا البيت الساكن بين الجنبين وهو القلب يكون بتفريغه من أصنام الهوى والشهوات، إذ يقول الإمام سهل بن عبد الله التستري: "حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله عز وجل".
وعليه؛ إن حبستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس، فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر؛ فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رأس دينكم بالذنوب؛ فإن الذنوب حالقة الدين، ليست حالقة الشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله، فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد، فليقصد رب البيت؛ فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب إليه من حبل الوريد [ابن رجب: لطائف المعارف، ص٤٠٠- ٤٠١].
إن الشريعة الإسلامية الغراء في أبعادها المقاصدية والتربوية لم تدع قلبًا مكسورًا للهفة النسك إلا وجبرته بنفحات البدائل، لتظل حركة العبد نحو ربه موصولة الأسباب لا تقطعها الفواصم، فعليكم بمحاريب القلوب؛ فإن عجزتم عن الطواف بالبيت العتيق بأبدانكم، فلا تعجزوا عن تسيير أرواحكم تلبيةً واستسلامًا لرب البيت، مستمسكين ببر الوالدين، وعمارة المساجد بالذكر والعلم، وقضاء حوائج العباد؛ لتنالوا من وافر الأجر وعظيم الثواب ما يدخر لكم في عليين.
في هذه الأيام المباركة تتجلى لنا عظمة هدي سيدنا النبي ﷺ في العبادة والعمل الصالح.
كان الصحابة رضوان الله عليهم يعيشونها بروح مختلفة تمامًا، فملأوا أوقاتها بالتكبير والعمل الصالح.
كان للسلف الصالح شأن عظيم في تعظيمها واستثمارها بالعبادة والعمل الصالح.
هل يمكن لغير الحاج أن يعيش أجواء يوم عرفة وينال من بركاته وهو في بلده؟
ما فضل صيام عشر ذي الحجة في السنة النبوية؟