وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
العيد ليس مجرد يوم نتبادل فيه التهاني والهدايا، بل هو مناسبة عظيمة لتجديد الروابط بين المسلمين، وتذكير أنفسنا بأننا أمة واحدة، تماسكها قوتها ووحدتها عزّها، ومن هنا، فإن إصلاح ذات البين ليس مسؤولية فردية أو أسرية فقط، بل هو مسؤولية كبرى تقع على عاتق الأمة الإسلامية بأسرها؛ دولًا وحكومات وجماعات وأفرادًا.
وفي أيام العيد، حين تلتقي القلوب وتتصافى النفوس، تتأكد هذه المسؤولية وتتضاعف، وتصبح الفرصة مواتية لإنهاء النزاعات وإطفاء نيران الفتن.
من أعظم المسؤوليات وأوجبها على الأمة الإسلامية، على مستوى الأمة والشعوب، جماعاتٍ وأفرادًا: السعي إلى إصلاح ذات البين بين المسلمين، والقضاء على أسباب النزاعات والخلافات والخصومات، وأسباب الشحناء والبغضاء والعداوات بينهم، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُوا۟ ذَاتَ بَیۡنِكُمۡۖ﴾ [الأنفال: ١]، وقوله: ﴿وَإِن طَاۤئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱقۡتَتَلُوا۟ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَاۖ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَ أَخَوَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
فالله سبحانه لم يخاطب الأفراد فقط بهذا الأمر، بل خاطب به الأمة جمعاء، فالضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَصۡلِحُوا۟﴾ يعود على جميع المؤمنين.
هذا الوجوب يُلزم جميع الأمة الإسلامية بالتعاون فيما بينها في الإصلاح، والسعي بكل ما تملك من مقومات سياسية واقتصادية وغير ذلك؛ لإصلاح ما يقع بين بعض المسلمين من نزاعات وحروب، بحسب استطاعتها.
فلا يجوز للأمة الإسلامية أن تقف إزاء ما يجري بينها من نزاعات وحروب موقف المشاهد فحسب، بل قد يسعى بعضهم إلى تأجيج الصراع والنزاع بدلًا من السعي إلى الإصلاح، وقد قال الله عز وجل: وقد قال الله - عز وجل -: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال – تعالى -: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُواۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال – تعالى - : ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخۡتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وما أحوج الأمة الإسلامية في عيدها إلى أن تتذكر هذه الآيات، وتجعلها منهجًا لها في علاقاتها الداخلية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والصراعات التي لا تجلب إلا الوهن والضعف.
لقد حذَّر الإسلام من التنازع والاختلاف أشد التحذير؛ لأنه يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة، قال تعالى: -: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفۡشَلُوا۟ وَتَذۡهَبَ رِیحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فالتنازع يزيل النصر ويُظهر الضعف.
وقد بيَّن النبي الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم الطريق العملي لنصرة الأخ المسلم، فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» [رواه البخاري: (٦٩٥٢)].
ولا شك أن أعداء الإسلام قد تمكنوا من تشتيت كلمة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، ونشر العداوة بينهم، وما كان هذا ليحدث لو اعتصم المسلمون بحبل الله جميعًا، لكن ذلك لا يعفي المسلمين أمام الله عز وجل من وجوب التعاون بينهم وإصلاح ذات بينهم.
كما يجب على الأمة والحكومات، يجب على المسلمين جماعاتٍ وأفرادًا التعاون بينهم في الإصلاح، والسعي إلى إصلاح ذات البين، ولا يجوز لمسلم أن يتنصل من هذا الواجب العظيم، أو يقف موقفًا سلبيًّا وهو يرى فساد ذات البين يستشري بين إخوانه المسلمين؛ بين الأزواج والإخوة والأقارب والجيران والشركاء والخصوم وغيرهم.
فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وقد ورد عن حذيفة، رضي الله عنه، مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» [رواه الطبراني في المعجم الأوسط: (٧٤٧٣)].
وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [رواه مسلم: (٥٥)].
العيد هو أنسب الأوقات لتجديد هذه البيعة والنصح لكل مسلم، ففي العيد تلتقي العائلات، ويتزاور الأقارب، ويتبادل الأصدقاء التهاني، إنها فرصة ذهبية لإصلاح ما فسد من العلاقات، وإذابة جليد الخصومات، ومد جسور المحبة بين القلوب المتصدعة.
فلنستغل العيد في أن نكون أمةً واحدة متحابة متآخية، تتعاون على البر والتقوى، وتتناصح فيما بينها، وتقف صفًا واحدًا في وجه التحديات.
س: كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تساهم في إصلاح ذات البين بين الأمة المتنازعة؟
ج: يمكنها ذلك من خلال الوساطة، وتقديم المساعدات الإنسانية، والدعوة إلى الحوار، كما أن من أهم وسائلها الدعاء للأمة في ظهر الغيب.
س: ما دور الأفراد في إصلاح ذات البين على مستوى الأمة؟
ج: يستطيع الأفراد نشر الوعي عبر وسائل التواصل، والدعاء للأمة في السر والعلن، ودعم الجهات الخيرية التي تعمل في مناطق النزاع، ونبذ خطاب الكراهية والتفرقة.
س: كيف نستثمر العيد في إصلاح ذات البين على المستوى المجتمعي؟
ج: بالتواصل مع الأقارب الذين هجرناهم، وإرسال رسائل الصلح والمحبة، والدعوة إلى لمّ شمل الأسرة، والتسامح مع الجيران والأصدقاء، وتجنب الأحاديث التي تثير الفتنة والخلاف.
إصلاح ذات البين مسؤولية أمة، لا فردٍ واحد؛ فإذا تكاتف الجميع على نشر التسامح وإزالة الخصام، تحولت المجتمعات إلى بيئاتٍ آمنة متماسكة، ويصبح العيد محطة انطلاق حقيقية نحو وحدة الصف وقوة الأمة.
كيف نعيش فرحة العيد كما أرادها الإسلام… فرحًا راشدًا لا يُفسد القلوب ولا يُرهق الجيوب؟
العيد ثوبًا جديدًا مظهرًا عابرًا، ولحظة صفاء تُعيد ترتيب القلوب
العيد في الإسلام فرصة ربانية لتصفية القلوب
العيدان في الإسلام – الفطر والأضحى – شعيرتان عظيمتان
خطبة عيد الفطر يومُ الجائزةِ