لضمان وقوع الأضحية على الوجه الذي يحقق
المقصد التعبدي والنفع الاجتماعي، اشترط الفقهاء انضباطها بشروط جنسية وعمرية
محددة:
أولًا: شروط الجنس والإجزاء:
لا تجزئ الأضحية إلا من بهيمة الأنعام
حصرًا (الإبل، والبقر والجاموس، والغنم من ضأن ومعز)، فلا تصح بالوحوش أو الطيور [الكاساني: بدائع الصنائع، ٤/
٢٠٥؛ الشيرازي: المهذب، ١/ ٧٤].
ويجوز شرعًا التضحية بالبقر والجاموس بإجماع العلماء؛ لأن الجاموس من
جنس البقر فقهيًا ويأخذ أحكامه ثوابًا وإجزاءً، والذكر والأنثى في كل ذلك سواء بلا
حرج؛ لعموم قوله تعالى: {لِّیَذۡكُرُوا۟
ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ}
[الحج: ٣٤]، ولأنه إذا كان
لحم الذكر أوفر، فلحم الأنثى أرطب، فتساويا [ابن
قدامة: المغني، دار الفكر، ٩/ ٤٣٩؛ البيهقي: السنن الكبرى، دار الكتب العلمية،
كتاب الضحايا].
ثانيًا: السن المعتبر شرعًا لنضج اللحم
يشترط في الأضحية بلوغ السن المعتبرة؛
لضمان نضج اللحم ووفرته، وشروطها:
- في الإبل: ما له خمس سنين، وطعن في السادسة.
- في البقر والجاموس: ما له سنتان كاملتان
وطعن في الثالثة، ولا يجزئ الصغير الذي قلّ سنه عن سنتين.
- في المعز: ما له سنة وطعن في الثانية،
واشترط بعض العلماء أن يتم سنتين ويطعن في الثالثة [الخطيب الشربيني: الإقناع في
حل ألفاظ أبي شجاع، دار الفكر، ٢/ ٥٨٨، حاشية البجيرمي على الخطيب، ١٣/ ٢٠٦، أبو
بكر الشافعي: كفاية الأخيار، ص ٥٢٨].
- في الضأن: يجزئ فيه الجذع: وهو ما أتمَّ
ستة أشهر، وكان سمينًا عظيم اللحم، بحيث لو خُلط بالثنايا لا يشتبه على الناظر عند
الحنفية وفي قول للمالكية، وعند الشافعية إذا جذع (سقطت مقدمة أسنانه) قبل السنة [الخطيب الشربيني: الإقناع،
٢/ ٥٨٨، مختصر المزني، ١/ ٢٩٩]، لحديث حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تذبَحوا إلَّا
مُسِنَّةً، إلَّا أنْ يَعسُرَ عليكم فتذبَحوا جَذَعةً مِن الضَّأْنِ» [مسلم: الصحيح، رقم: ١٩٦٣]، وفي المفاضلة، فإن جذع الضأن أفضل من ثني
المعز [ابن قدامة: المغني، دار الفكر، ٩/ ٤٣٩].
إذا عسرت المسنة
(الثني)، أو لم يجد المضحي إلا جَذَعًا من البقر: وهو ما جاوز عمره سنة واحدة، وكان
عظيم البنية، وافر اللحم، كثير النفع، فإن الأضحية به تجزئ ولا بأس بها شرعًا؛ عملًا
بمذهب الإمامين الجليلين: عطاء بن أبي رباح، والأوزاعي - رحمهما الله تعالى- اللذين
أجازا الأضحية بالجذع من كل حيوان حتى المعز [النووي: المجموع شرح المهذب،
دار الفكر، ٨/ ٣٩٤]، مستدلين بحديث مجاشع بن مسعود - رضي الله عنه –
عن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الْجَذَع يوفي مما يوفي منه الثني» [رواه أبو داود: السنن، كتاب
الضحايا، باب ما يجوز من السن في الضحايا، رقم: ٢٧٩٩، والنسائي: السنن، كتاب الضحايا،
باب الجذع من الضأن، رقم: ٤٣٨٣].
- التوجيه الأصولي
والحديثي لأدلة السن
استند العلماء في
تقرير رخصة إجازة التضحية بجذع البقر عند عسر الثني إلى مسالك أصولية وحديثية دقيقة،
وهي:
ظاهر حديث مجاشع
السابق يفيد العموم في جنس الأنعام؛ وحمْلُ الحديث على الجذع من الضأن دون غيره غير
متعين؛ لأنه لو لم يرد هذا الحديث الشريف؛ لساغ لنا قياس الجذع من البقر والإبل -إذا
عسرت المسنة منهما- على الجذع من الضأن إذا عسرت مسنته؛ إذ الأصل في الأجناس كلها هو
الثني المسن، فإذا جاز نزول درجة السن إلى الجذع في أحد الأجناس للعسر، جاز في باقي
الأجناس بجريرة القياس واستواء العلة في رعاية نفع الفقير والامتثال التعبدي [راجع: ابن حجر الهيثمي:
تحفة المحتاج، دار إحياء التراث العربي، ٩/ ٣٤٩].
توجيه قيد من الضأن
في حديث: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا
جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» [مسلم: الصحيح، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية، رقم:
١٩٦٣]؛ فإن قيد «مِنَ الضَّأْنِ» هنا يحمل عند علماء الأصول على أنه جاء لبيان
الواقع في الواقعة نفسها، أو خرج مخرج الغالب لغلبة الضأن ويسره عليهم في تلك البيئة،
وحسب القواعد الأصولية المستقرة: (أن القيود التي تأتي لبيان الواقع أو تخرج مخرج الغالب
لا مفهوم مخالفة لها ولا تقييد بها)؛ ومن ثمَّ لا يمنع ذلك من سريان الحكم على جذع
البقر إذا عسر الثني وكان وافر اللحم.
تأول جمهور العلماء
النهي الوارد في حديث مسلم بحمله على الندب والاستحباب والأفضلية، لا على التحريم والإيجاب
[ابن حجر
الهيتمي: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، ٩/ ٣٤٩]؛ إذ يكون التقدير:
يُسن لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن.
قال النووي: ومذهب
العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أم لا، وحملوا هذا الحديث على الاستحباب والأفضل؛
تقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن [النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم
بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، ١٣/ ١١٧].