شرعت العبادات كلها من أجل ذكر الله -عز وجل-، فهو روحها وثمرتها وغايتها،
قال الله -تعالى- عن الصلاة: ﴿فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ
ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ﴾ [طه: ١٤]، وقال - عز وجل - عن صلاة الجمعة: ﴿یَٰۤأَیُّهَا
ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نُودِیَ لِلصَّلَوٰةِ مِن یَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ
فَٱسۡعَوۡا۟ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلۡبَیۡعَۚ﴾ [الجمعة:
٩].
وشرعت الأضاحي والحج من أجل ذكر الله - تعالى -، قال - عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَیۡتُم
مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ
ذِكۡرࣰاۗ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقال - سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةࣲ جَعَلۡنَا
مَنسَكࣰا لِّیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ﴾ [الحج:
٣٤].
والذكر هو الذي نجى سيدنا يونس - عليه السلام - من ظلمات بطن الحوت، قال
الله - تعالى: ﴿فَلَوۡلَاۤ أَنَّهُۥ كَانَ
مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِینَ * لَلَبِثَ فِی
بَطۡنِهِۦۤ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ﴾ [الصافات:
١٤٣-١٤٤]، وقال - عز وجل: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ
إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبࣰا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَیۡهِ فَنَادَىٰ فِی
ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ
ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
التكبير المقيد وغير المقيد ووقت كل منهما:
يبدأ التكبير غير المقيد (المطلق) من
غروب شمس آخر يوم من شهر ذي القعدة، وينتهي في غروب شمس اليوم الثالث عشر من شهر
ذي الحجة، وأما التكبير المقيد فيبدأ عقب الصلوات المفروضة من فجر يوم عرفة لغير
الحاج، ومن ظهر يوم النحر للحاج، وينتهي بعصر آخر أيام التشريق [ابن رجب،
"فتح الباري" (٩/ ٢٣)، وابن حجر، "فتح الباري" (٢/ ٥٧٠)].
وقد ثبت في الصحيح أن سيدنا عبد الله
بن عمر وأبا هريرة - رضي الله عنهما - "كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي
أَيَّامِ الْعَشْرِ فَيُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا" [رواه
البخاري معلقًا، ووصله ابن حجر في "فتح الباري" (٢/ ٥٧٠)]، وكان سيدنا
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ
أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى
تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا" [رواه البخاري (٢/ ٢٠)].
صيغ التكبير الواردة عن الصحابة:
تحصل السنة بأي صيغة وردت، عملًا بقوله - تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟
ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة:
١٨٥]، ومن الصيغ الثابتة:
الصيغة الأولى: ما روي عن سيدنا علي
وسيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقولان: "اللَّهُ
أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ،
اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ" [رواه ابن أبي شيبة (٥٦٥٣) بإسناد حسن].
الصيغة الثانية: عن سيدنا الحسن البصري
- رحمه الله - أنه كان يكبر: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ" ثلاث مرات [رواه
ابن أبي شيبة (٥٧٠٠) بإسناد صحيح].
الصيغة الثالثة: عن سيدنا عبد الله بن
عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللَّهُ
أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ
الْحَمْدُ" [رواه ابن أبي شيبة (٥٧٠١) بإسناد صحيح].
الصيغة الرابعة: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا اللَّهُ
أَكْبَرُ، وَلا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ، وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ
عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"
وقد قال الإمام الشافعي - رحمه الله:
" وَالتَّكْبِيرُ كَمَا كَبَّرَ رَسُولُ
اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي الصَّلاةِ «اللَّهُ أَكْبَرُ» فَيَبْدَأُ
الْإِمَامُ فَيَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ»
حَتَّى يَقُولَهَا ثَلاثًا، وَإِنْ زَادَ تَكْبِيرًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ زَادَ
فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ
اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ،
لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ " فَحَسَنٌ وَمَا زَادَ مَعَ
هَذَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَحْبَبْتُهُ، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ
بِثَلاثِ تَكْبِيرَاتٍ نَسْقًا، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْهُ،
وَإِنْ بَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ أَوْ لَمْ يَأْتِ
بِالتَّكْبِيرِ فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ" [الشافعي، "الأم" (٢/
٥٢١)].
الجهر بالتكبير وإحياء السنة
التكبير في هذا الزمان صار من السنن
المهجورة، ولا سيما في أول العشر، فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به؛
إحياء للسنة وتذكيرًا للغافلين، كان سيدنا عمر بن عبد العزيز يأمر الناس بالتكبير
جهارًا [ابن رجب، "فتح الباري" (٩/ ٩)].